الفخر الحقيقي مش في البدلة والمنصب الفخر في الأصل الطيب ولقمة الحلال
“كنت دايماً بقول لزمايلي في المطار إن أبويا ‘رجل أعمال’ عشان مكسوف أقول إنه ‘حلاق’.. النهاردة، وأنا بستقبل وفد دبلوماسي مهم، لقيت أبويا داخل الصالة بشنطة عدته القديمة! كنت ھموت من الكسوف، وفكرته جاي يفضحني، بس اللي حصل بعد كده خلاني أبوس التراب اللي بيمشي عليه!
أنا “كابتن طيار/ أدهم”، شغال في أكبر شركة طيران. طول عمري بخبي مهنة أبويا الحقيقية، “عم سيد الحلاق”. كنت شايف إنها مهنة بسيطة متليقش بمركزي كطيار.
النهاردة كان عندنا استقبال لوفد دبلوماسي رفيع المستوى، والمطار كله على رجل واحدة. فجأة، لمحت أبويا داخل الصالة، لابس جلبيته البسيطة وشايل شنطة الحلاقة الجلد القديمة بتاعته. قلبي وقع في رجلي، واتمنيت الأرض تنشق وتبلعني قبل ما حد من زمايلي أو الضيوف يشوفه ويعرف إنه أبويا.
جريت عليه عشان أطلعه بره قبل ما تحصل مصېبة، بس قبل ما أوصله، حصلت المفاجأة اللي لجمت لساني وشلت حركتي!

يا ترى إيه اللي حصل؟ وليه عم سيد الحلاق جه المطار في الوقت ده بالذات؟ وإيه علاقة الوفد الدبلوماسي بيه؟
قصة هتعلمنا إن “الإتقان” في العمل، مهما كان بسيط، بيخلي صاحبه ملك متوج.
قبل ما أوصل لأبويا، لقيت رئيس الوفد الدبلوماسي، راجل أجنبي كبير في السن، بيجري عليه وبيحضنه بحرارة! أنا وزمايلي وقفنا مصډومين.
الراجل الأجنبي قال بصوت عالي ومترجم: “ده ‘مستر سيد’، أحسن حلاق في العالم! أنا كنت عايش في مصر من ٣٠ سنة، وكان هو الحلاق
أبويا ابتسم بتواضع، وطلع فوطة ومقص من شنطته، وبدأ يحلق للراجل في ركن VIP في المطار، والكل واقف يتفرج بانبهار على خفة إيده ومهارته.
في اللحظة دي، حسيت إني “قزم” قدام أبويا. الراجل البسيط اللي كنت مكسوف منه، طلع “أستاذ” في مهنته، وناس مهمة بتقدره وتطلبه بالاسم. زمايلي الطيارين جم يسلموا عليه بحرارة، وقالولي: “يا بختك بأبوك، ده فنان!”.
بعد ما خلص، الراجل الأجنبي اداله مبلغ كبير جداً، بس أبويا رفض ياخده، وقاله: “دي هدية مني ليك يا خواجة، شرفت مصر”.
جريت على إيد أبويا وبوستها قدام الكل، ودموعي نازلة. قولتله: “سامحني يا أبا، أنا كنت غبي. أنت أعظم أب وأشرف راجل في الدنيا”.
العبرة: أوعى تحكم على حد من مهنته. الشغل الشريف، مهما كان بسيط، لو اتعمل بإتقان وأمانة، بيخلي صاحبه في مكانة عالية جداً. الفخر الحقيقي مش في البدلة والمنصب، الفخر في “الأصل الطيب” و”لقمة الحلال”.
"أنا الكابتن طيار أدهم.. اللي بيشوفني بالبدلة الكحلي والنجوم اللي على كتفي يقول ده ابن باشوات. بس الحقيقة اللي كنت بدفنها كل يوم هي إن جزمي دي ملمعة بفلوس 'دكان حلاقة' صغير في حارة شعبية. أبويا 'عم سيد الحلاق'.. الراجل اللي ضهر انحنى عشان أنا أفرد ضهري في قمرة القيادة.
"المطار النهاردة مقلوب، وفد دبلوماسي كبير جاي، والتشريفات في كل مكان. وأنا واقف في وسط زمايلي، فخور بنفسي وبمكاني.. وفجأة، لمحت خيال من بعيد. راجل لابس جلابية بسيطة، وماسك شنطة جلد قديمة ومقشرة.. قلبي وقف. ده هو! أبويا! داخل صالة الوصول بكل ثقة وكأنه داخل بيته. كنت عايز أصوت، عايز أروح أزقه بره الصالة قبل ما حد يسألني: 'مين ده يا أدهم؟'. الكسوف أكل وشي، وبقيت بلف وشي الناحية التانية عشان ملمحش عينه."
"أبويا فضل يقرب، والشنطة الجلد دي كانت زي القنبلة الموقوتة بالنسبالي. لفت انتباه زمايلي الطيارين، واحد منهم ضحك وقال: 'إيه ده؟ هو في حلاقين تاهوا وجايين هنا ولا إيه؟'. الكلمة كانت زي السكينة في قلبي.. بدل ما أرد عليه وأقوله ده أبويا، نزلت راسي في الأرض. وبدأت أمشي بسرعة ناحية الممر الجانبي عشان أهرب.. بس فجأة، سمعت صوت مكنتش أتوقعه أبداً."
"صوت 'السفير' نفسه، رئيس الوفد الدبلوماسي، قطع السكون ونادى بصوت عالي وهز الصالة: 'عم سيد! مش معقول!'. وقفت مكاني وكأن رجلّي اتسمرت في الأرض. بصيت ورايا، لقيت السفير الوقور ده، اللي إحنا واقفين صفين عشان نستقبله، بيسيب كل البروتوكولات وبيجري على أبويا.. وحضنه! حضنه بجد، وباس إيده ورسه وقال له: 'وحشتني يا
"الصالة كلها سكتت. الوزراء، الطيارين، الموظفين.. الكل باصص لعم سيد الحلاق والسفير اللي بيكلمه بمنتهى الأدب والتواضع. السفير لف للوفد اللي معاه وقال لهم: 'يا جماعة، لولا الراجل ده ومساعدته ليا وأنا طالب فقير في الحارة، مكنتش بقيت سفير النهاردة. عم سيد مكنش بيحلقلنا وبس، ده كان بيأكلنا وبيسلفنا وبيدفع لنا مصاريف الكتب من تعبه'. أنا كنت واقف في الركن، حاسس إني قزم.. صغير قوي قدام عظمة الراجل اللي كنت بتكسف منه."
"أبويا بص في وسط الزحمة وشافني. ابتسم ابتسامة مكسورة، وكأنه عارف كل اللي دار في دماغي. قرب مني وهو لسه ماسك شنطة الحلاقة القديمة، وقال قدام السفير وقدام زمايلي: 'مبروك يا أدهم يا ابني.. جيت أبارك لك عشان عرفت إنك خدت ترقية النهاردة، ومكنتش عايز أجيك الدكان عشان متعطلش شغلك'. السفير بص لي بذهول وقال: 'أدهم؟ الكابتن أدهم يبقى ابنك يا عم سيد؟ يا بختك يا كابتن.. إنت ابن أكرم راجل عرفته في حياتي'."
"في اللحظة دي، بدلة الطيار والنجوم والمنصب والبريستيج.. كل ده وقع من نظري. ملقيتش نفسي غير وأنا برمي نفسي في حضنه وببوس إيده قدام المطار كله. دموعي كانت بتغسل كل لحظة كسوف غبية حسيت بيها. مسكت الشنطة القديمة بتاعته وشيلتها أنا مكانه.. الشنطة دي اللي طلعتني طيار، الشنطة دي اللي شرفتني النهاردة أكتر من بدلتي. اتعلمت إن الأصل مبيتكسفش منه، وإن اللي ملوش خير في 'عم