قالوا “اتّسخت قليلًا”… لكن اللي شفته على بنتي خلّى المدرسة كلها تهتز!

لمحة نيوز

انكسارا نظيفا كأنه جراحة.
وعندما نامت أخيرا متكورة حول أرنبها القماشي الذي صار تفوح منه رائحة الأسيتون دخلت المرآب وفتحت صندوقا لم ألمسه منذ قرابة عشر سنوات. لم أفتحه حنينا بل لأن بعض الأجزاء منك لا تختفي لمجرد أنك اخترت حياة هادئة.
كان في الداخل صور ورقع وأرقام قديمة مكتوبة على علب كبريت وذكريات أخوة كانت يوما تعني النجاة.
لم أرتد شيئا.
لكنني أجريت اتصالا.
صباح تغير فيه كل شيء
في صباح اليوم التالي لم ترغب مريم في العودة ولم ألمها. لكن الخۏف ينمو في الصمت ورفضت أن يتحول درس الطلاء إلى قدر دائم. عدنا إلى الأكاديمية لكنني هذه المرة لاحظت نظرات الأهالي إلى شاحنتي وسرعة التفاف الأبصار وإيمانهم بأن الأمان حق موروث لهم وحدهم.
عند الساعة 758 صباحا بدأت الأرض تهتز. في البداية كان الصوت خافتا ثم تحول إلى دوي واضح ومع ظهور أول دراجة نارية ثم أخرى ثم أخرى تصدع العالم المنضبط للأكاديمية.
جاؤوا في صمت منظم رجالا ونساء بلا عدوانية لكن بحضور لا يمكن إنكاره حتى أحاطوا المدرسة. لم يصرخوا لم يلوحوا ولم يقتحموا. كانوا يتحركون كما لو أن بينهم اتفاقا غير مكتوب لا نريد فوضى نريد حقيقة. وفي المقدمة وقف يونس غريم
القادر نزل عن دراجته ببطء خلع خوذته دون استعراض ثم تقدم خطوات قليلة قبل أن يتوقف على مسافة لا تهدد أحدا لكنه لا تسمح لأحد أن يتجاهله.
تجمد الحارس عند البوابة مد يده نحو جهاز الاتصال ثم تراجع خطوة حين رأى أن الهواتف بدأت ترفع وأن الوجوه صارت ترى بوضوح. قال له يونس بصوت ثابت نحن هنا لأجل مريم سالم الرويعي. لأجل طالبة داخل هذه المدرسة. لم يقل لأجل فضيحة ولا لأجل انتقام ولا لأجل ضجة. قال لأجل طالبة. كأنه يذكر الجميع بما يجب أن يكون واضحا من البداية.
حاول الحارس أن يستعيد نبرة السلطة لكنه كان يعرف في داخله أن السلطة التي تحتاج لإخفاء الحقيقة ليست
سلطة بل ستار. تلفت حوله فرأى زملاءه يراقبون المشهد دون أن يتحركوا خطوة واحدة. لا لأنهم جبناء بل لأنهم أدركوا أن أي حركة خاطئة قد تتحول إلى دليل جديد ضد المدرسة. وبينما كان يضع الجهاز على أذنه كان يسمع داخل السماعة همسات متقطعة من الإدارة لا تسمح لهم بالاقتراب انتظر حاول تهدئة الوضع لا مشكلة كبيرة كلمات تتقاذفها الارتباكات ككرة في ممر طويل.
قال يونس مرة أخرى هذه المرة ببطء مقصود نريد فقط أن نرى أنها بخير. ونريد أن نعرف من قرر أن ما حدث لها مجرد اتساخ بسيط.
لم يكن صوته حادا لكنه كان واضحا كحد السكين. بعض الكلمات لا تحتاج للصراخ كي تجرح. يكفي أن تقال أمام الجميع.
في تلك اللحظة خرج موظف من الإدارة ببدلة رمادية وتوتر واضح. وقف عند البوابة وكأنها خط دفاع أخير ثم حاول أن يبتسم ابتسامة اجتماعية تليق بحفل استقبال لا بحقيقة جارحة. قال صباح الخير نحن نفهم قلقكم لكن المدرسة تتعامل مع الموضوع داخليا ولم يكمل جملته حتى ارتفع صوت امرأة من الخلف لا تصرخ لكنها تقطع داخليا يعني إخفاء. داخليا يعني إغلاق باب. نحن جئنا لأن الداخل لم يكن آمنا.
وتقدم شاب يحمل ملفا بنيا. لم يرفعه كتهديد بل وضعه على كفيه كما يوضع شيء ثقيل أمام ميزان العدالة. قال بهدوء هذه شهادات. وهذه صور. وهذه رسائل. وهذه أسماء. ارتجف الموظف للحظة ليس خوفا من الورق نفسه بل من فكرة أن الورق قد يتحول إلى خبر وأن الخبر قد يتحول إلى فضيحة وأن الفضائح لا تغلق بعبارة الالتزام بالهدوء.
في الداخل كانت الإدارة تحاول أن تلتقط الحدث بحبال إدارية قصيرة. جملة واحدة تكررت في الممرات التزموا الهدوء. وكأن الهدوء حل لمشكلة بدأت حين طلب من طفلة أن لا تزعج بقية الطلاب. ومع كل تكرار للجملة كانت مريم تشعرحتى وهي بعيدة
عن الممراتأن الهدوء المقصود ليس هدوء القلب بل هدوء السمعة. هدوء الصورة التي تعلق على موقع المدرسة لا هدوء الطفلة التي جلست على كرسي لا يريح ولا يؤلم يتركك في منتصف المسافة بين إنسان يراعى وشخص يدار.
كانت المرشدة النفسية تحاول أن تبدو ثابتة. سألتها إن كانت بخير ثم ضغطت بيدها على أوراقها كأنها تخشى أن تطير الحقيقة من بين أصابعها. نظرت مريم إليها لحظة طويلة ثم قالت بهدوء يخون ارتجافة صغيرة في أطراف الصوت أنا خفت بس مش من اللي صار خفت لأن حسيت إنكم مش رح تصدقوني. ثم أضافت كمن يضع إصبعا على جرح مكشوف ولما حكيت حسيت إنكم زعلتوا مني مش عليهم. لم تكن الجملة مجرد شكوى. كانت تلخيصا لسنوات من الإيحاءات الصغيرة أنت ضيفة. أنت استثناء. أنت عبء لطيف نتحمله لأننا طيبون.
حاولت المرشدة أن ترد بجملة جاهزة لكنها سكتت. لأن هناك لحظات تفشل فيها الجمل وتنجح فيها الحقيقة وحدها. وفي زاوية الغرفة كانت هناك علبة مناديل لم تلمسها مريم. ليس لأنها لا تريد البكاء بل لأنها كانت تعرف أن دموعها في هذا المكان قد تستخدم ضدها منفعلة حساسة تبالغ. كانت تتعلم درسا قاسيا دون أن يقصده أحد أن الألم في الأماكن الراقية يجب أن يكون مهذبا
وإلا طرد.
حين سمح أخيرا
تم نسخ الرابط