تنمّرتُ على زميلي الفقير يوميًا… رسالة أمّه حطّمتني من الداخل

لمحة نيوز

ما تملكه
بل ما تستطيع أن تتخلى عنه
دون أن تخسر نفسك.
فهمت أن القيمة
لا تقاس بما تحمله في جيبك
بل بما تحمله في قلبك
حين لا يراك أحد.
ومنذ ذلك اليوم
لم يتغير شكلي كثيرا
لم تختف ملابسي الباهظة
ولم تتبدل ملامحي في أعين الناس.
لكن مساري تغير بالكامل.
لم أصبح ملاكا
ولا بطلا
ولا شخصا مثاليا بلا أخطاء.
لكنني أصبحت إنسانا يحاول.
يحاول أن يكون أصدق
أن يتوقف قبل أن يؤذي
أن يراجع نفسه
حين يشعر بأن القوة تغريه بالظلم.
يحاول أن يكون أقل أذى
وأكثر إنصافا
وأكثر إنسانية.
ووعدت نفسي وعدا حقيقيا
وعدا لم أكتبه
ولم أعلنه
لكنني كنت أعرف
أنه لا يحتمل الخيانة
ما دام في جيبي مال
وما دام في قلبي وعي
وما دام في صدري شيء يشبه الضمير
فلن تجوع أم توماس مرة أخرى
ولن يشعر هو يوما
أن كرامته قابلة للسخرية.
ولم يكن ذلك صدقة
ولا محاولة لتخفيف شعور بالذنب.
كان دينا.
دينا لقطعة خبز قاسية
لم تشبع معدة طفل فحسب
بل أيقظت إنسانا
كان نائما في داخلي.
إنسانا لم أعرف أنه غائب
ولا كم كنت أحتاج إلى عودته.
وهكذا اكتشفت الحقيقة
التي كنت أهرب منها طويلا
أنني لم أكن أسرق طعام زميلي كل يوم
بل كنت أسرق من نفسي
آخر فرصة
لأكون إنسانا
جديرا باسمه.
كانت الورقة رسالة من والدة توماس مكتوبة بخط يد مهتز تقول
توماس حبيبي
أعتذر لأنني لم أستطع أن أضع لك سوى هذا الطبق من الأرز والدجاج البسيط اليوم. لقد بعت آخر ما نملك من ذهب لشراء أدويتك ولن يتبقى شيء لأختك المريضة. هذا الطبق هو نصيبك
ونصيبها في المساء. أرجوك كل نصفه واترك النصف الآخر لأختك. هي تحبك كثيرا وتنتظر حصتها بفارغ الصبر. لا تنس أن تعتني بها في المدرسة أيضا. أنت رجل المنزل الآن يا بطلي الصغير.
تجمدت قدما سيباستيان على الطاولة. الكلمات كانت تصفعه بقوة أكبر من أي صفعة تلقاها في حياته. توماس كان يأكل نصف طعامه ويخبئ النصف الآخر لأخته المريضة وهذا الطعام القمامة كان ثمنه ذهبا وربما حياة
نزل سيباستيان من الطاولة ببطء وتوماس لا يزال يجمع بقايا طعامه المبعثر. لم يعد سيباستيان يرى طالب منحة بائس بل رأى بطلا صغيرا يحمل مسؤولية عائلة كاملة على كتفيه النحيلتين.
في تلك اللحظة لم تعد الضحكات تتردد في قاعة الطعام. فقد ارتسمت ملامح الصدمة على وجوه كل من شاهد الموقف بما فيهم أصدقاء سيباستيان المتنمرين.
ركض سيباستيان نحو توماس وجثا على ركبتيه وجمع قطع الطعام بيده ثم قال بصوت مبحوح توماس.. أنا آسف. لم أكن أعلم.. أنا آسف جدا. رفع توماس رأسه للمرة الأولى وعيناه ممتلئتان بالدهشة.
تلك اللحظة غيرت كل شيء.
لم يكتف سيباستيان بالاعتذار. في اليوم التالي لم يحضر توماس إلى المدرسة. ذهب سيباستيان إلى منزله ليجده منزلا متواضعا يعيش فيه توماس مع والدته المريضة وأخته التي كانت تعاني من مرض نادر.
منذ ذلك اليوم أصبح سيباستيان صديقا لتوماس. استخدم نفوذ والده ومال والدته لعلاج أخته وساعد والدته في الحصول على عمل. وتوقف عن التنمر نهائيا بل أصبح مدافعا عن كل طالب ضعيف.
لم يعد توماس
يجلب طعاما منزليا. أصبح سيباستيان يجلس معه كل يوم ويشاطره طعامه الفاخر. والأهم من ذلك أن الوحدة التي كانت تنهش سيباستيان اختفت ليحل محلها شعور حقيقي بالصداقة والهدف.
عاد سيباستيان إلى قصره في تلك الليلة لكن الجدران الذهبية التي كان يفتخر بها بدت له فجأة باهتة وموحشة. جلس على مائدة الطعام الفاخرة التي تمتد لأمتار حيث كانت أنواع اللحوم والمقبلات تملأ المكان بينما والده يتحدث ببرود عن صفقات سياسية ووالدته تنشغل بهاتفها.
صرخ سيباستيان فجأة هل تعرفون أن هناك من يبيع ذهبه ليشتري طبق أرز ساد الصمت. نظر إليه والده باستنكار عن ماذا تتحدث كل هذا الهراء بسبب مراهقتك رد سيباستيان والدموع في عينيه لا يا أبي بل بسبب قسوتنا. نحن نعيش في قصر وهناك بطل في مدرستي يتقاسم حبة الأرز مع أخته المريضة بينما كنت أنا أدهس كرامته بحذائي الغالي!
في تلك الليلة قرر سيباستيان ألا يكون ابن السياسي بل أن يكون الإنسان الذي ضاع منه لسنوات.
في صباح اليوم التالي رفض سيباستيان الذهاب للمدرسة بسيارته الفاخرة. استقل الحافلة العامة لأول مرة في حياته متوجها إلى العنوان الذي عرفه من ملفات المدرسة. دخل حيا لم يكن يعرف بوجوده أزقة ضيقة بيوت متلاصقة ورائحة الفقر تفوح من كل زاوية.
عندما وصل إلى باب منزل توماس تردد كثيرا. طرق الباب ليفتح له توماس نفسه. كانت عيناه حمراوين من السهر والبكاء. لم يغضب توماس بل قال بهدوء هل جئت لتسخر من منزلي أيضا يا سيباستيان لقد انتهى
الأمر لم يعد لدي ما تسرقه.
أخرج سيباستيان من حقيبته علبة دواء غالية الثمن ومظروفا فيه كل مدخراته وقال وصوته يرتجف جئت لأطلب منك أن تعلمني كيف أكون رجلا مثلك.. جئت لأعتذر ليس بالكلمات بل بالفعل.
بينما كان سيباستيان يجلس في منزل توماس البسيط اكتشف سرا آخرا. توماس لم يكن فقط طالب منحة بسبب الفقر بل كان عبقريا في الرياضيات وكان يقضي لياليه في حل معادلات معقدة لشركات برمجيات مقابل مبالغ زهيدة ليساعد أمه لكنه كان يرفض إظهار ذكائه في المدرسة حتى لا يجذب الأنظار إليه أكثر.
قال توماس لسيباستيان الفقر ليس عيبا العيب هو أن تفقد إنسانيتك وأنت تملك كل شيء. كانت هذه الجملة هي نقطة التحول النهائية. بدأ سيباستيان يستخدم مهاراته القيادية التي كان يستخدمها في التنمر
لتنظيم حملة تبرعات كبرى في المدرسة ليس لتوماس فحسب بل لكل الطلاب الذين يعانون في صمت.
بعد مرور شهر دخل سيباستيان وتوماس معا إلى قاعة الطعام. صعد سيباستيان فوق الطاولة نفسها التي كان يسخر فوقها من توماس. لكن هذه المرة لم يصرخ بسخرية بل قال بصوت قوي سمعه الجميع
أنا سيباستيان وكنت أظن أنني الأقوى بمالي وسلطتي. لكنني اليوم أقف أمامكم لأقول إن أقوى شخص في هذه القاعة هو توماس. لقد علمني أن الكرامة لا تشترى وأن الشبع الحقيقي هو أن تشعر بغيرك.
انحنى سيباستيان لتوماس أمام الجميع في مشهد جعل المدرسة بأكملها تصفق بحرارة. ومنذ ذلك اليوم لم يعد هناك طالب منحة و ابن سياسي بل كان هناك صديقان
أحدهما يملك المال والآخر يملك الحكمة ومعا غيرا قانون المدرسة للأبد.

تم نسخ الرابط