طفلان مشرّدان طلبا بقايا الطعام… لكنهما أعادا لأمٍّ قلبها المفقود
على الطاولة نظر بعيدا. سألته آنا سيبتهم ليه
قال بصوت متعب بقوا كبار ومصاريفهم بقت كتير
سكتت آنا لحظة ثم قالت وبعدين بتسيب بشر في الشارع لما تكبر مصاريفهم
لم يجب. وضعوا الأصفاد في يديه. القصة التي دامت سنوات انتهت بجملة باردة وجرس يغلق باب زنزانة.
لم يشف كل شيء مع القبض عليه.
ظلت الليالي تحمل ارتجافا متقطعا وظهر في سلوك ليام أثر لقدرة عجيبة على التوقع يسمع وقع القدم قبل طرق الباب يعرف اتجاه الريح قبل سقوط المطر يختزن في جسده ذاكرة نجاة. أما إيثان فكان يجيد ملء الصمت بحكايات صغيرة ينسجها من لا شيء لو كان عندنا كلب كنت هسميه ماكس فترد إيما مبتسمة عبر الدموع كان عندنا ماكس فعلا وكان بيحبكم أوي.
مرت شهور وثبتت الحضانة قانونيا. نقلت إيما عملها ليصير عن بعد ملأت الثلاجة بطعام يسهل نطقه قبل أكله بيتزاعصيرتفاح سمت الأشياء لتطمئنهم أن الأسماء تعود كما يعود الناس. استعاد التوأم الدراسة بخطة مدروسة مع معلمة ظل تسير بجوارهما في ممرات مدرسة صغيرة لا تشبه الضوضاء الثقيلة. في كل خطوة كانت إيما تتعلم أن الأمومة بعد الفقد ليست استعادة فقط بل ابتكار للحياة من جديد.
وفي ذكرى اليوم الذي اختفيا فيه حملت إيما صندوقا صغيرا إلى الحديقة. جلست على مقعد خشبي ونادتهما تعالوا ندفن اللي وجعنا مش علشان ننساه علشان ما يحكمناش.
وضع ليام في الصندوق السكين البلاستيك ووضع إيثان الكرة المطاطية. وضعت إيما
دفنوا الصندوق تحت شتلة دوار الشمس الجديدة التي زرعتها إيما صباحا. حين رفعوا التراب هبت نسمة لطيفة مرت بين رؤوسهم الثلاثة كيد تربت على قلوبهم.
كان لا بد من خاتمة للعدالة أيضا.
جلسوا في قاعة المحكمة يوم النطق بالحكم. لم تسمع إيما الكلمات حرفا حرفاكانت تراقب يدي ولديها متشابكتين على ركبتيهما. حكم القاضي على جاري هيوز بالسجن لسنوات عدة بتهم الخطف والإهمال والإيذاء واستغلال قاصرين. لم تهتف إيما ولم تصفق. اكتفت بأن تخرج نفسا طويلا يشبه إطلاق سراح روح محبوسة.
في المساء عند العشاء قال إيثان بفم ملطخ بالصلصة ماما ينفع نرجع كلب
نظرت إليه إيما ثم إلى ليام الذي كان يخفي ابتسامة حقيقية تحت نظرة متماسكة. قالت ينفع بس هو اللي هيختارنا.
بعد أسبوع اختارهما كلب ملجأ بني العينين وضع رأسه على ساق ليام منذ اللحظة الأولى ورفض أن يتحرك. سموه Beaconالمنارة. صار ينام عند باب غرفتهما كل ليلة كأنه حارس جاء متأخرا لكنه جاء.
وفي ليلة شتوية انقطعت الكهرباء مرة أخرى. تحرك Beacon إلى الباب وقف ليام في مكانه لكنه لم يبحث عن مخرج. أشعلت إيما شمعة كما وعدت. جلس الثلاثة على الأرض ولعبوا لعبة الظلال على الحائط. ضحك إيثان حتى دمعت عيناه. وحين عاد النور لم يتحرك أحد. كان النور هذه المرة في الداخل.
بعد عام تماما على اللقاء الأول في المطعم عادوا إلى هاربر هاوس.
ضحكت إيما ثم وضعت على الطاولة ظرفا صغيرا أبيض. فتحه الصبيان فوجدا عقدين جديدين دائرتين فضيتين منقوشتين كل واحدة تحمل حرفين L و Eلكن على الوجه الآخر كلمة صغيرة Home.
قالت إيما المرة دي العقد مش علشان ما نضيعش. المرة دي علشان نفتكر إننا لقينا بعض.
عند الباب استدار ليام فجأة ونظر إلى الصالة كمن يبحث عن شبح قديم ثم هز رأسه وكأنه يغلق بابا داخليا بهدوء. مد يده إلى يد أمه فقبضت عليها بلا تردد وتعلقت يد إيثان بساعدها الآخر. خرجوا إلى ليل المدينة والثلج يتهاتف خفيفا على الرصيف وثلاثتهم يمشون بخطى متساوية لا تستعجل ولا تتراجع.
لم تنته كل الحكاية عند هذا الحدلأن القصص التي تكتب بالدمع لا تختم بنقطة بل بنبض يستمر. لكن إيما عرفت أخيرا ما لم تعرفه لسنوات
أن القلب الذي ظل مفتوحا على شباك الأمل سيجد يوما من يقف عنده ويقول نحن هنا.
وفي دفتر قديم كانت تخبئه تحت الوسادة منذ ست سنوات كتبت جملة واحدة ثم أغلقت
الصفحات
لم أسترد ولدي فقط استرددت نفسي.
سقط الهاتف من يد إيما ليرتطم بالأرض لكنها لم تهتم. كانت أنفاسها تتسارع وكأن الهواء انقطع عن الرأس. نظرت إلى الصبي الأقرب إليها كانت تلك الشامة الدقيقة
همست بصوت متهدج آدم ليو
تبادل الطفلان نظرات الحيرة والخوف. تراجع الصبي الذي يحمل الشامة خطوة للخلف وشد يد أخيه بقوة وقال بصوت يملأه الانكسار نحن آسفان يا سيدة.. لم نقصد إزعاجك سنرحل الآن.
نهضت إيما بسرعة جنونية وأمسكت بطرف ثوب الصبي الصغير برفق وكأنها تخشى أن يتبخر كالحلم. جثت على ركبتيها في وسط المطعم الفاخر غير مبالية بنظرات الزبائن أو ثوبها الباهظ الذي تلوث بتراب الأرض.
قالت والدموع تنهمر على وجنتيها لا ترحلا.. أرجوكما. ما اسماكما ومن أين أتيتما رد الصغير بخوف يسمونني نونو وهو زيزو.. لا نعرف أسماء أخرى. الرجل الذي نعيش معه يقول إننا وجدنا في حاوية قمامة.
شعرت إيما بطعنة في قلبها. نونو وزيزو كانت الألقاب التي أطلقتها عليهما حين كانا يتعلمان الكلام أول مرة.
تذكرت إيما شيئا لا يعلمه إلا هي وطبيب العائلة. أمسكت بيد آدم نونو اليمنى برفق ورفعت كمه الممزق. هناك خلف المرفق مباشرة كانت توجد وحمة صغيرة على شكل هلال.
حين رأتها أطلقت صرخة هزت أرجاء المطعم صرخة جمعت وجع ست سنوات وفرحة دهر كامل. بقوة وهي تنشج أنتما ولداي.. لقد عاد قلبي إلي!
ارتمى الطفلان في حضنها غريزيا ورغم أنهما لا يتذكران ملامحها تماما إلا أن رائحتها وبكاءها الصادق جعلهما يشعران لأول