مليونير يزور قبر أولاده

لمحة نيوز

وسألتها بصوت مرتجف ماذا تقولين كيف عرفت وأين هم نظرت إلي الطفلة بعينيها الثابتتين وقالت بهدوء غير متوقع لطفلة في عمرها أعرف لأنني أراهم كل يوم. تعال معي!
ترددت للحظة. هل أثق بطفلة غريبة لكن أمل رؤية يوسف و مريم مرة أخرى كان أكبر من أي منطق. تبعتها. قادتني عبر أزقة المدينة القديمة شوارع لم أطأها منذ سنوات نحو الجزء الأكثر فقرا والمهمل منها. قلبي كان يدق بعنف بين الرجاء والخوف من خيبة أمل جديدة قد تقتلني. توقفنا أمام مبنى قديم متهدم يبدو كأنه مهجور. وقبل أن أسألها فتحت الباب ودخلت. تبعتها بتردد وداخلي يصرخ بالجنون.
دخلنا إلى ما يشبه الملجأ الصغير أو دار أيتام سرية. الرائحة كانت خليطا من الخبز الطازج والدفء الإنساني. لم تكن رائحة العفن التي توقعتها بل رائحة حياة. وفي قلب الغرفة بين مجموعة من الأطفال يلعبون بقطع خشبية بسيطة رأيت عيونا تائهة لكنها مليئة بالبراءة.
الطفلة
التي أحضرتني هناك سلمى كما علمت اسمها لاحقا أشارت إلى طفلين صغيرين يلعبان في زاوية فتاة وولد بنفس عمر توأمي لو كانا على قيد الحياة. وقالت بفرح هؤلاء هم أولادك يا عمو... كلهم أولادك هنا في الملجأ. لم يكونا يوسف و مريم بجسديهما لكن في عيونهما رأيت شيئا من روحهم. أدركت حينها أن سلمى لم تكن تقصد أولادي بالدم بل كانت تقصد أولادي بمعنى الأبوة والرعاية. أولاد ينتظرون من يحتضنهم ويمنحهم الأمل. الحادث الذي أخذ مني طفلي جعلني أعمى عن آلاف الأطفال الذين يعيشون حياة أسوأ.
جلست على كرسي خشبي قديم أشاهد الأطفال بينما اقتربت مني سلمى. سألتها وكيف عرفت قصتي وكيف عرفت أنني آتي إلى المقبرة كل جمعة نظرت سلمى إلى عيني بنظرة حكيمة تفوق عمرها بكثير وقالت أنا لا أرى والدي إلا في أحلامي مثلك تماما يا عمو. لكنني أرى في عينيك نفس الحزن الذي أراه في عيون الأطفال هنا. سمعت كبار الملجأ يتحدثون
عن الرجل الثري الذي يبكي على قبر ولديه وعن ثروته التي لا يلمسها. ففكرت... ربما أنت أيضا تحتاج أن ترى أن هناك أطفالا ما زالوا ينتظرون الحب حتى لو لم يكونوا أولادك بالدم.
كانت كلماتها كصفعة أيقظتني من سباتي. هذه الطفلة اليتيمة التي لا تملك شيئا كانت لديها بصيرة لم أمتلكها أنا بمالي وثروتي. لقد كانت مرآة لي تعكس لي حقيقة مؤلمة أن حزني الشخصي أعمى عيني عن حاجة مجتمعي وعن رسالة كان توأماي سيسعدان بها لو كانا أحياء.
في تلك الليلة لم أذهب إلى المنزل الفاخر الذي أصبح سجنا لي. بقيت في الملجأ أستمع لضحكات الأطفال وأنام على سرير خشبي. للمرة الأولى منذ خمس سنوات شعرت بنوم هادئ. قررت أن أضع حدا لحزني المدمر وأن أستغل هذه الفرصة التي منحتها لي سلمى. في الصباح الباكر استدعيت محامتي. لم أطلب منها صياغة عقود تجارية جديدة بل طلبت منها شيئا لم تتوقعه أريد أن أتبنى هذا الملجأ بالكامل
وأن أحول كل ثروتي أو جزءا كبيرا منها إلى وقف خيري لرعاية هؤلاء الأطفال وكل طفل محروم في المدينة. كانت عيون محامتي مليئة بالدهشة لكنني رأيت في عينيها لمسة إعجاب لم أعهدها من قبل.
مرت الأشهر. تحول الملجأ القديم إلى مؤسسة عصرية لرعاية الأيتام. دار يوسف ومريم الخيرية. كانت سلمى أول طفلة تعانقني عندما أعلنت الافتتاح الرسمي. وفي كل مرة أرى فيها الأطفال يركضون ويلعبون ويضحكون أرى يوسف ومريم في كل واحد منهم. لم أعد أذهب إلى المقبرة كل جمعة لأبكي فقط بل لأخبر توأمي أن روحهما ما زالت حية في قلوب مئات الأطفال الذين يجدون الآن بيتا وحبا وأملا.
تعلمت أن الحياة لا تنتهي بانتهاء أحبائنا بل تبدأ من جديد عندما نفتح قلوبنا للآخرين. وأن أعظم إرث نتركه ليس المال بل الأثر الطيب الذي نزرعه في حياة من حولنا. سلمى لم تكن مجرد طفلة.. كانت رسالة سماوية غيرت حياتي وأعادت لي معنى الأبوة.

تم نسخ الرابط