احتقروا أخاهم الفلّاح… فصدمهم عندما كشف الحقيقة أمام الجميع
تذكر أسماؤهم.
شعر الإخوة الثلاثة بثقل المسؤولية لكنه لم يكن ثقلا مخيفا بل ثقلا شريفا يشبه ثقل السلال التي حملوها في الحقول ثقلا يعطي للإنسان معنى.
وفي تلك الليلة احتفل أهل القرية جميعا بموسم الحصاد.
أوقدت النيران في الساحات الواسعة وتعالت الضحكات واختلطت الأصوات بالأغاني الشعبية القديمة التي توارثتها الأجيال.
كان الاحتفال بسيطا لكنه دافئ صادق يشبه القلوب التي اجتمعت.
تشاركت الأيدي الطعام البسيط خبزا طازجا خرج لتوه من التنور وثمارا ناضجة قطفت مع أول ضوء وقلوبا مفتوحة لا تعرف التكلف.
جلس الإخوة الثلاثة بين المزارعين
لم يعودوا غرباء بينهم
لم يعودوا ضيوفا عابرين
بل جزءا من المشهد ومن الحكاية.
أيديهم الخشنة تمسك الطعام بامتنان
ووجوههم تحمل سلاما لم يعرفوه من قبل
سلاما لا تمنحه الشهادات
ولا تشتريه المناصب
ولا تصنعه الألقاب
بل يمنحه الصدق والانتماء والعمل المشترك.
نظر كاردينغ إلى أمه وقد لمعت عيناها بالفخر والسكينة وقال بصوت خافت لكنه واثق كمن يسلم أمانة
تمت المهمة يا أمي.
ابتسمت الأم ودموع الفرح تلمع في عينيها ورفعت نظرها إلى السماء كأنها تشكر الله على وعد طال انتظاره وقالت
الابن الفلاح علم الأبناء الناجحين معنى الثروة الحقيقية.
فإن الطين على الأحذية
لا ينتقص من قيمة الإنسان
بل يكشف من الذي يحمل العالم على كتفيه حقا.
وصل ريكي بسيارته ال فورد إيفرست التي تلمع تحت شمس القرية يتبعه بن بسيارته ال سيفيك الأنيقة ثم الدكتورة شيلا التي لم تنزل من سيارتها ال فورتشنر إلا بعد أن تأكدت أن الجميع يراقبها. كانوا يتبادلون الضحكات عن صفقات البورصة وعمليات التجميل وأحدث الديكورات في فيلاتهم بالمدينة. وفجأة ظهر فاروق الأخ الأكبر.. ملابسه بسيطة يديه خشنة وبقايا طين الأرض على حذائه. نظروا إليه بشفقة ممزوجة بالسخرية مسكين فاروق ضاع عمره في التراب بينما نحن نطاول السحاب.
دخل الجميع إلى الصالون القديم. المحامي الأستاذ شاكر كان يجلس بوقار واضعا أمامه مظروفا شمعيا أحمر. ريكي بدأ يتحدث بملل أرجوك يا أستاذ شاكر اختصر.. لدينا اجتماعات مهمة في المدينة. شيلا كانت تعدل مكياجها وتقول نعم والعيادة لا تنتظر. أما فاروق فكان صامتا يقدم لهم الشاي الذي صنعه بيده وكأنه خادم في بيت والده. بدأ المحامي يقرأ تقسم الأرصدة البنكية بالتساوي بين ريكي وبن وشيلا فقط.. نظرا لأنهم بنوا حياتهم بالمال ويحتاجون المزيد. تعالت ضحكات النصر في الغرفة.
استمر المحامي في القراءة أما فاروق فليس له في أرصدة
بينما كان الإخوة الثلاثة يصرخون فتح المحامي ملفا آخر وقال هناك جزء ثان للوصية.. والدي يخبركم أن الشركات التي تديرونها يا ريكي وبن والمستشفى الذي تملكين حصة فيه يا شيلا.. كلها كانت مرهونة للبنك بضمان هذه الأرض منذ سنوات لإنقاذكم من الإفلاس في بداياتكم وفاروق هو الوحيد الذي كان يسدد الأقساط سرا من عرق جبينه طوال عشر سنوات!. وجوههم شحبت.. النجاح الذي كانوا يتباهون به كان قائما على ظهر أخيهم الفلاح.
انفجرت شيلا باكية أنت تكذب! فاروق فلاح بسيط من أين له كل هذه الأموال. رد فاروق لأول مرة بهدوء كنت أزرع الأرض نهارا وأعمل في تصدير المحاصيل ليلا.. كنت أرى سياراتكم الفاخرة تمر من أمام الأرض ولا تنظرون إلي وكنت أدعو الله أن يبارك لكم بينما كنت أوقع على الشيكات لأحمي ممتلكاتكم من الحجز. هنا شعر ريكي بصغر حجمه أمام شموخ
قال المحامي انتظروا.. السطر الأخير في الوصية هو الأهم. قرأ المحامي يا أبنائي الناجحين في المظاهر الفاشلين في الأصول.. فاروق يملك الأرض ومن يملك الأرض يملك قرار استمرار شركاتكم.. إذا قرر فاروق سحب ضمان الأرض اليوم فستعودون إلى الشارع غدا بسياراتكم الفاخرة التي لم تدفعوا ثمنها بعد!. سقط بن على الكرسي بذهول وشيلا غطت وجهها بيديها.
تغيرت النبرة تماما. ريكي الذي كان يسخر من طين فاروق اقترب منه الآن يتوسل أخي الكبير.. نحن أسفنا.. لم نكن نعرف.. أرجوك لا تدمرنا. شيلا بدأت تذكره بطفولتهما وكيف كان يحميها. كانوا يزحفون نحو الفلاح الذي احتقروه منذ دقائق. فاروق نظر إلى صورة والده المعلقة على الحائط ثم نظر إليهم بعينين مليئتين بالحزن والرحمة.
وقف فاروق مسح تراب الأرض عن يده وقال أبي لم يكتب لي الأرض لأذلكم بل ليجبركم على العودة إلى هنا.. الأرض تجمع ولا تفرق. ثم أخرج من جيبه أوراقا وقع عليها مسبقا لقد تنازلت عن حق المطالبة بالديون وشركاتكم في أمان.. لكن بشرط واحد هذا البيت يظل مفتوحا للجميع وكل شهر تأتون لتقبيل تراب هذه الأرض التي لولاها لما كنتم شيئا. بكى الإخوة في حضن أخيهم الأكبر وأدركوا أن النجاح الحقيقي ليس في نوع السيارة