طردوني من البيت… ولم يعلموا أنني أصبحتُ جنرالًا حتى دمّرت أختي زفافها بيديها
في التنكر كابتن إلى أن يظنوا أنهم انتصروا.
من خلف الزجاج الداكن رأيت المشهد على الرصيف.
كان أبي وكلوي واقفين عند الحافة يبدوان مثيرين للشفقة. كانت كلوي ترتجف من برد الليل فستانها ممزق تصرخ في وجه أبي وتشير بإصبعها إلى صدره على الأرجح تلومه لأنه لم يمنعني. كان أبي ممسكا برأسه مستندا إلى عمود إنارة.
توقفت سيارة شرطة وأضواءها تومض. ترجل ضابط واقترب منهما.
نستطيع تدميرهما قال الجنرال سترلينغ من المقعد الأمامي وهو يتصفح ملفا على جهازه اللوحي. مكالمة واحدة كافية. أعمال والدك تعتمد على عقود حكومية. يمكنني سحبها صباحا. ويمكنني توجيه تهمة اعتداء جنائي على ضابط اتحادي ضد كلوي. خمس سنوات على الأقل.
نظر إلي.
قولي الكلمة فقط جنرال.
لمست الضماد على رأسي ونظرت إلى الشخصيتين البائستين المتجادلتين على الرصيف.
لا داعي لذلك يا جنرال قلت بهدوء.
رفع سترلينغ حاجبه.
رحمة
قلت كفاءة.
أشرت بعيني نحو الخارج. انظر إليهما. لقد خسرا الجائزة الكبرى. خسرا المكانة والمال والارتباط. ذلك وحده كان ما يجمعهما. من دون وعد ثروتكم سيتحولان على بعضهما ككلاب جائعة.
راقبت الضابط وهو يسلم كلوي مخالفة. رمتها على الأرض. صرخ أبي في وجهها.
السجن سيمنحهما قصة بطولة زائفة تابعت. أما الفقر والتهميش فسيكونان عقوبة أبطأ وأكثر إيلاما لأمثالهما.
أومأ سترلينغ ببطء.
أنت على حق. كعادتك.
حرك السائق ناقل الحركة. ومع ابتعاد السيارة عن الرصيف اهتز هاتفي في جيبي.
أخرجته. كانت رسالة من أبي.
أيتها العاقة. أصلحي هذا. أنت مدينة لنا. اتصلي بالجنرال سترلينغ فورا واطلبي منه العودة. إن لم تفعلي فأنت ميتة بالنسبة لي.
حدقت في الشاشة.
لعشر سنوات كنت أبقي الباب مواربا. كنت أبقي الأمل حيا بأنهم يوما ماإن حققت ما يكفي وإن بلغت رتبة عالية بما يكفيسيحبونني.
نظرت إلى الرسالة.
نظرت إلى الدم على سترتي.
ضغطت
زر حظر جهة الاتصال.
ثم انتقلت إلى رقم كلوي.
حظر.
هل كل شيء على ما يرام سيدتي سأل المسعف.
أعدت الهاتف إلى جيبي.
نعم قلت. تم تحييد الهدف.
بعد شهر واحد.
كانت قاعة الأبطال في البنتاغون هادئة لا يسمع فيها سوى وقع الأحذية الرسمية على الرخام المصقول.
وقفت على المنصة ظهري مستقيم وذقني مرفوع.
وقف الجنرال سترلينغ أمامي يحمل علبة مخملية صغيرة.
انتباه للأوامر قرأ المساعد العسكري. نظير خدمة استثنائية فائقة ترقى اللواء إلينا فانس إلى رتبة فريق أول.
ثبت سترلينغ النجمة الثالثة على ياقة بزتي. ابتسم ابتسامة نادرة صادقة.
مبروك فريق أول قال.
شكرا سيدي أجبت.
كان الاحتفال بسيطا. كان ويليام حاضرا وقد بدا أكثر عافية. كان قد طلب نقله إلى قيادتي. كان جنديا جيدا.
بعد المراسم سرنا في الممر.
هل سمعت سأل ويليام بصوت منخفض.
بماذا
عن الدعوى القضائية قال. فندق بلازا قاضى كلوي بسبب الأضرار في القاعة ورسوم إلغاء الحفل. أفلس والدك. اضطر إلى تصفية أعماله لسداد التسوية. وخسرا المنزل.
أومأت. شعرت بوخزة شفقة بعيدة كأنني أتذكر شخصية من كتاب قرأته منذ زمن بعيد.
وكلوي
تعمل موظفة استقبال في عيادة أسنان في نيوجيرسي قال ويليام. وهي تقاضي والدك بتهمة تفويت فرصة. إنهما يدمران بعضهما في المحاكم.
قلت لك قلت. كلاب جائعة.
وصلنا إلى المخرج. كانت الشمس تلمع فوق نهر بوتوماك.
تعلمين قال ويليام والدي يعتبرك الآن من العائلة. ستأتين إلى البيت في عيد الشكر أليس كذلك
ابتسمت. هذا أمر عسكري أليس كذلك
نعم سيدتي.
توجهت إلى سيارتي. فتح السائق الباب.
جلست ونظرت إلى انعكاسي في الزجاج. كان أثر الندبة على صدغي خطا أبيض رفيعا بالكاد يرى تحت القبعة.
كان أبي قد وصفني بالقذرة.
وكان محقا. كنت مغطاة بقذارة ساحة المعركةطين تحت أظافري وغبار في رئتي. لكن تلك القذارة تزول. إنها أثر عمل له معنى. بقايا إنقاذ أرواح.
أما البقعة على أرواحهم الغرور والطمع والقسوة
فلا تزول.
إنها دائمة.
ركض مساعد نحو نافذة السيارة قبل انطلاقها.
جنرال! وصلت رسالة لك. فحصها الأمن. إنها من مؤسسة إصلاحية. يبدو أن أختك فوتت موعد جلسة في قضية الاعتداء.
ناولني ظرفا أبيض رخيصا. كان الخط
أمسكت الظرف. شعرت بثقله. كان حبل نجاة يلقيه غريق بخياراته آملا أن يجرني معه إلى القاع.
نظرت إلى فتحة آلة التقطيع بجانب باب السيارة.
لم أفتح الرسالة.
لم أتردد.
أسقطتها في الفتحة.
أصدرت الآلة أزيزا قصيرا وحولت كلمات الكراهية إلى قصاصات.
انطلق قلت.
تحركت السيارة تاركة الماضي خلفي في الغبار حيث ينتمي.
النهاية.
بعد ما والدي نطق كلماته الجارحة القاعة كلها سكتت والأنظار اتجهت لينا. مارك العريس ابن الجنرال قرب بخطوات واثقة وهو بيعدل جاكيت بدلته العسكرية اللامعة وبصلي باحتقار
عمي سترلينغ.. مين الشخص ده وهل مسموح للمتسولين بدخول فندق بالرقي ده
والدي وشه بقى ألوان من الكسوف وقال بصوت واطي
ده.. ده كان ابني يا مارك بيه بس إحنا اتبرينا منه من زمان معرفش إيه اللي جابه هنا يكسفنا.
في اللحظة دي دخلت مجموعة من الحرس الخاص بالفندق بسرعة والكل افتكر إنهم جايين يرموني بره لكن المفاجأة إنهم وقفوا انتباه وفتحوا الطريق لشخصية عسكرية مرموقة جدا.. الجنرال سترلينغ بنفسه والد العريس!
الجنرال دخل وعينه بتدور في القاعة بلهفة وأول ما عينه جت عليا ملامحه اتغيرت تماما.. والدي جرى عليه وقال
يا سيادة الجنرال اعتذرلك بالنيابة عن العيلة الشخص ده هيمشي فورا..
لكن الصدمة كانت لما الجنرال سترلينغ زق إيد والدي واتقدم ناحيتي وهو بيأدي التحية العسكرية الرسمية وقال بصوت هز القاعة
سيادة اللواء فارس! إيه الشرف ده حضرتك كنت في مهمة انتحارية.. إزاي وصلت هنا وبالسرعة دي
والدي وقع من طوله تقريبا ومارك العريس وقف متجمد مكانه وعينه كانت هتطلع من مكانها وهو شايف والده الجنرال واقف انتباه قدامي!
بصيت لوالدي ببرود ومسحت الطين اللي على كتفي وقولت بصوت هادي
أنا جيت عشان ليلى بس.. مكنتش أعرف إن وجودي بيشوه المنظر يا سيادة الجنرال.
الجنرال سترلينغ بص لابنه ولالدي بغضب جحيمي
بيشوه المنظر إنتوا عارفين إنتوا بتتكلموا مع مين ده أصغر لواء في تاريخ الجيش ده الرجل
أختي ليلى سابت بوكيه الورد وجريت عليا وهي بتعيط وارتمت في حضني
فارس إنت حي والله كنت حاسة إنك لسه موجود!
بصيت لمارك اللي كان بيحاول يداري رعب عينه وقربت منه وقولت بهمس سمعه الكل
مبروك يا مارك.. بس يا ريت المرة الجاية لما تشوف بزة عسكرية متغطية بالطين تعرف إن الطين ده هو اللي بيخليك تلبس بدلتك دي وأنت نضيف في القاعات المكيفة.
والدي حاول يقرب مني ويده بتترعش
فارس يا بني.. أنا.. أنا مكنتش أعرف إحنا كنا فاكرين إنك..
قاطعته بإيدي
كنتوا فاكرين إني فاشل.. عشر سنين يا بابا ولا مرة سألتوا أنا فين. كنت ببات في الخنادق تحت المطر وأنتوا هنا بتخططوا للجوازات المناسبة لمستواكم الاجتماعي.
الجنرال سترلينغ اتدخل بلهجة حازمة
سيادة اللواء أنا بعتذر بالنيابة عن ابني وعن أي حد أساء لحضرتك. أنت النهاردة ضيف الشرف الأول في القصر ده.
بصيت للجنرال وقولتله
للأسف يا سيادة الجنرال أنا مش جاي أحتفل.. أنا جاي أنفذ أمر عسكري.
الكل حبس أنفاسه وطلعت ورقة رسمية من جيبي وقولت بصوت مسموع
مارك سترلينغ.. أنت متهم بالتقاعس عن أداء الواجب في العملية الأخيرة وتسريب إحداثيات الفرقة وبصفتي القائد الأعلى للعملية أنا هنا عشان أنفذ قرار
التجريد من الرتبة والاعتقال الفوري.
القاعة تحولت لساحة من الذهول.. مارك وقع على ركبه وهو بيبكي والجنرال والده غمض عينه بأسى لأنه عارف إن ابنه أخطأ والقانون فوق الكل.
والدي كان بيبصلي بنظرة ندم مميتة كان نفسه الأرض تنشق وتبلعه وهو بيشوف ابنه اللي طرده هو اللي بيحكم القاعة كلها بكلمة منه.
ليلى قربت مني وقالت بصوت واطي
هتاخدني معاك يا فارس مش عايزة أفضل هنا.
ابتسمت لها وقلعت الجاكيت العسكري المليان طين وحطته على كتفها
البيت اللي مطردش منه فارس هو البيت اللي ليلى تعيش فيه ملكة.. يلا بينا.
خرجت من القاعة وأنا ماسك إيد أختي ووالدي واقف ورايا بينده عليا