دفعتها بعربة صدئة… فاكتشفت أنها أخطر امرأة في المكسيك، وما فعلته بعدها قلب حياتي للأبد

لمحة نيوز

تؤلم العين. كل شيء يصرخ بالمال والسلطة والحصرية. وأنا كنت أمشي منكمشا محاولا ألا أشغل مكانا.
قادتني ليديا عبر الصالة ثم عبر ممر طويل تملؤه صور لأناس مهمين يصافحون بعضهم بعضا ثم خرجنا إلى شرفة خلفية تطل على حديقة واسعة. وهناك كانت هي.
مارغريتا. بالكاد عرفتها. لم تعد تلك العجوز المغبرة على المقعد. كانت جالسة على كرسي هزاز أبيض تشرب الشاي من فنجان خزف فاخر وترفع خنصرها كدوقة إنجليزية. كانت ترتدي فستان دانتيل بلون كريمي نظيف وأنيق. شعرها مرفوع في تسريحة متقنة وتنتعل خفين أبيضين مبطنين. كانت تبدو شخصا تلك السيدات اللواتي يقطعن الأشرطة في المناسبات.
وقفت عند باب الشرفة مرتعبا.
هذا هو الفتى سيدتي أعلنت ليديا بملل ثم انسحبت وهي تلقي علي نظرة تحذير أخيرة.
رفعت مارغريتا نظرها ورأتني فأنار وجهها
رامون! قالت ووضعت الفنجان.
اقتربت بتردد
صباح الخير يا سيدتي جئت مبكرا. لم أرد أن أفوت الفرصة.
ضحكت ضحكتها الصادقة نفسها
لم يكن عليك أن تقلق. أنت معين بالفعل. اجلس من فضلك.
أشارت إلى كرسي من الحديد المشغول أمامها. جلست على حافته خوفا أن أكسره.
شكرا وماذا عن العمل يا سيدتي هل تريدين مني أن أساعد في الحديقة أو أن أغسل السيارة أنا أفعل كل شيء أعرف الطلاء والحمل و
لوحت بيدها مبتسمة
لا يا رامون. لم أجلبك هنا لتحمل الأشياء. لقد حملتني بما يكفي أمس. أريدك هنا لتعمل معي. ستكون مساعدي الشخصي.
رمشت مرات عديدة مرتبكا
مساعدك الشخصي!
نعم.
وكيف يكون ذلك!
يعني أنك ستكون يدي اليمنى شرحت بهدوء.
ستساعدني على تذكر الأشياء. سترافقني إلى مواعيدي. ستذكرني بأدويتي. ستتمشى معي. وستساعدني على ترتيب الفوضى في رأسي.
حككت مؤخر رأسي
سيدتي بصراحة لم أكن يوما مساعدا لأحد. بالكاد أنهيت الثانوية. أنا أبيع الفول السوداني ولا أعرف الحاسوب ولا
أخذت رشفة من الشاي وابتسمت بحنان
وأنا أيضا لم يكن لدي مساعد يقود فيراري ذات عجلة واحدة. سنتعلم معا. ما أحتاجه ليس شهادة جامعية بل شخصا لا يكذب علي ولا يعاملني كأنني ميتة. أنت
رأيتني حين لم يرني أحد.
ساد صمت مريح. حرك الهواء أوراق الأشجار.
حسنا يا سيدتي أنا موافق. لكن كم سيكون الأجر قالت مارغريتا بجدية وكأننا نوقع صفقة في وول ستريت
راتبك سيكون خمسة عشر ألف بيزو شهريا مع مزايا وتأمين وطعام.
كدت أسقط
عن الكرسي. شعرت بدوار
خمسة خمسة عشر ألفا شهريا مقابل المشي وتذكيرك بالدواء
ضحكت وهي ترى وجهي
هذا قليل مقارنة بما ستديره مستقبلا. لكن في الوقت الحالي استحقه. اتفقنا
اتفقنا تماما! حتى أرقص إن أردت!
في التاسعة صباحا بدأت التدريب. أخذتني إلى مكتبها المنزلي. غرفة تشبه رائحة الخشب القديم والكتب. شهادات على الجدران جوائز كريستالية صور مع رؤساء. مكتب ضخم بمقابض ذهبية. خلفه لوحة بيضاء كبيرة فارغة.
همست
هل تريدين أن أساعد في ملئها
نعم. خذ القلم. اكتب أول بند لليوم.
ارتجفت يدي
ماذا أكتب
اكتب تم توظيف رامون. مساعد شخصي. سائق العربة السابق.
كتبت بخطي المعوج. حين انتهيت انفجرت مارغريتا ضاحكة بصوت عال حتى إن خادمة مرت في الممر أطلت خائفة.
أنت فتى طيب يا رامون. لهذا وظفتك.
وعند الغداء كانت قد عرفتني على نصف البيت باعتباري شخصها الموثوق. كانت ردود الفعل متفاوتة. الطباخات ابتسمن بخجل لأنهن رأين في واحدا منهن. أما أهل القمة رئيس الخدم والممرضات وخاصة ليديا فقد نظروا إلي كأنني فيروس. سمعت همسا في المطبخ حين مررت لآخذ كوب ماء
أرأيت لعبة السيدة الجديدة قال صوت.
أولاد الشارع أذكياء. يتسللون كالتراب حتى يستولوا على كل شيء.
أعطيه أسبوعا قال آخر.
ما إن يسرق أول ملعقة فضة حتى تطرده ليديا ركلا.
سمعت كل شيء. قبضت يدي. آلمني ذلك أن يظنوا أنني لص لأنني فقير. لكنني تذكرت وجه أمي حين أخبرها بالراتب. تذكرت تسربات سقف بيتنا. وتذكرت كيف دافعت عني مارغريتا. استقمت أخذت الماء وخرجت برأسي مرفوعا.
ذلك المساء خصصت لي مارغريتا غرفة صغيرة في منطقة الخدمة لأغير ملابسي وأرتاح إن تأخر الوقت. كانت غرفة بسيطة لكن فيها سرير نظيف وحمام بماء ساخن. بالنسبة لي كانت جناحا رئاسيا.
عندما عدت إلى بيتي تلك الليلة بدا حيي أكثر ضجيجا وظلمة من أي وقت. دخلت راكضا. كانت أمي جالسة على الطاولة المسبحة في يدها تنتظرني كأني عدت من حرب. كان إخوتي الصغار يلعبون على الأرض.
لقد عاد! صرخ أخي الصغير.
رامون! قفزت أمي واقفة.
أين كنت ظننت أنهم خطفوك أو ضعت! كنت سأتصل بالقس!
وضعت حقيبتي وابتسمت من الأذن إلى الأذن
قلت لك إن السيدة أعطتني عملا يا أمي.
أي عمل قالت وهي تفحصني بقلق.
تنظيف حمامات حمل أكياس
لا يا أمي. أنا مساعدها الشخصي.
مساعد ماذا نظرت باستغراب.
هل
يعني كلبا مرافقا
مساعد شخصي قلت بفخر.
واجلسي لأنك ستندهشين.
جلست تشد وشاحها
كم
خمسة عشر ألف بيزو في الشهر.
ساد صمت تام. سمع تقطير صنبور المطبخ. اتسعت عينا أمي حتى ظننت أنهما ستخرجان
خمسة عشر ألفا همست.
رامون هل أنت متأكد أنها ليست تجارة مخدرات
لا يا أمي. إنها سيدة أعمال. كل شيء قانوني.
سكتت أمي طويلا ثم ارتسمت على وجهها المتعب ابتسامة بطيئة. قامت وعانقتني بقوة كانت رائحتها رائحة صابون الغسيل والحنان.
الحمد لله تمتمت عند كتفي.
أخبرني كل شيء. هل أطعموك ماذا أكلت ومن كوى قميصك هناك يبدو أملس جدا.
ضحكت متذكرا صباحي
كويته بالملعقة يا أمي.
ضحكت هي وقبلت خدي
يا بني لينر الله طريقك.
وهكذا مر الشهر الأول. شهر تعلمت فيه الفرق بين شوكة السمك وشوكة السلطة. شهر تعلمت فيه قراءة خط مارغريتا المرتجف. شهر صرت فيه ظلها وذاكرتها ودون أن أدري صرت درعها الوحيد ضد الذئاب التي كانت تشحذ أنيابها داخل بيتها نفسه.
لأن السلام في قصر البوابة السوداء كان سلاما مزيفا. وكانت الحرب على وشك أن تبدأ. وأول طلقة لن تأتي من الخارج بل من مكتب ليديا برائحة الفانيلا والخيانة.
مر نحو شهر منذ تغيرت حياتي بسبب عربة صدئة. شهر كامل منذ توقفت عن أن أكون فتى الفول السوداني وصرت ظل مارغريتا. بدأت أفهم روتين القصر. في البداية كنت ككلب في طريق سريع خائفا لا يعرف أين يركض. لكن رغبة النجاة معلم عظيم. تعلمت تمييز دواء الضغط من الفيتامينات دون تلعثم. تعلمت حمل حقيبتها التي تساوي أكثر من بيت أمي دون أن ترتجف يدي. بل تعلمت حتى توقيع اسمها على إيصالات الطرود بثقة كمن يحفظ اهتزاز يدها.
صارت صباحاتنا طقسا مقدسا. في الثامنة تماما كانت تخرج إلى شرفة غرفتها تتنفس الهواء أو ما يشبه الهواء وتصرخ إلى الحديقة
رامون! ماذا يخبئ لي القدر اليوم
وأنا أكون أسفل الشرفة أسقي الأزهار أو ألمع حذائي فأرفع رأسي وأجيب كأنني قائد
اليوم لديك مكالمة مع البنك وحبتان زرقاوان وحبة بيضاء وجولة حول الحديقة لتأخذين فيتامين الشمس يا سيدتي.
فتهز رأسها
جميل. قدم لي الشاي.
وهكذا يبدأ اليوم.
مع الوقت بدأ العاملون يخففون حذرهم. الطباخات صرن يخفين لي قطعة تاكو إضافية. والبستاني نفسه صار يحييني بإيماءة. لكن ليس الجميع كان سعيدا. كانت هناك نظرات حادة. بعضهم يراني كلبا ضالا تبنته
السيدة بسبب نزوة. وقائدة ذلك الحقد لم تكن سوى ليديا.
ليديا المرأة التي تفوح بالفانيلا المستوردة والخيانة. كانت جميلة على طريقة المسلسلات ملابس ضيقة كعوب تصفع الرخام وابتسامة لا تصل إلى عينيها. كانت تعمل من مكتب الشركة في سانتا في لكنها تأتي مرتين أسبوعيا للمراقبة. وكلما جاءت ثقل الهواء.
ذات خميس بعد الظهر انكسرت الطمأنينة. كانت مارغريتا في قيلولتها. وكنت في المكتب أرتب أوراقا وملاحظات حين سمعت طرق الكعبين المألوف طق طق طق. فتح الباب ودخلت ليديا. كانت ترتدي تنورة ضيقة وبلوزة حرير
مرحبا يا رامون قالت وهي تغلق الباب خلفها.
كان صوتها حلوا متفسخا.
وقفت سريعا
مساء الخير سيدتي. هل تبحثين عن السيدة إنها تستريح.
لا لا قالت واقتربت.
في الحقيقة أردت التحدث إليك على انفراد.
تجمد الدم في عروقي. غرائزي غرائز الحي الفقير اشتغلت
معي
بالعكس ابتسمت.
لقد صرت لا غنى عنه للسيدة. هي تثق بك كثيرا.
أنا أفعل عملي فقط.
ضحكت ليديا وبدأت تلعب بثقالة ورق كريستالية
اسمع يا رامون سأكون مباشرة. أنت تعلم أن السيدة مارغريتا لم تعد بكاملها. تنسى. يضيع خيطها.
أنا أراها بخير دافعت.
لا نتذاكى على بعض. أحيانا تترك ملفات وأوراقا تفاصيل حسابات وأسهم أشياء تساوي الكثير من المال.
اقتربت أكثر. كان عطرها باهظا وتحت العطر طمع خالص
إن وجدت يوما أوراقا كهذه أو مالا نقديا تنساه أحضره إلي.
سكت. كنت أستوعب كلامها.
هناك من يهتم بمستقبلها تابعت وهي تخفض صوتها.
وأنت يمكن أن تكافأ مكافأة كبيرة.
نظرت إلى فقر ملابسي وإلى يدي الخشنتين وظنت أن الفقر ضعف
لا تكن ساذجا يا رامون. أنت فتى ذكي. ملف هنا توقيع هناك ومستقبلك مضمون. تستطيع أن تخرج أمك من ذلك الحي الذي تعيش فيه.
ذكر أمي جعل فكي ينغلق. أردت أن أصرخ أن بيتي ليس حفرة لكنه بيت شريف. لكنني تمالكت نفسي. كانت قوية وأنا مجرد خادم. نظرت إليها وابتسمت بابتسامة بريئة مزيفة
حسنا سيدتي سأفكر. شكرا على النصيحة.
غمزت لي بعينها راضية ظنت أنها أمسكت بي
فتى جيد. كنت أعلم أننا سنتفاهم.
خرجت وتركت رائحتها وسمها في الهواء.
لم أخبر مارغريتا. من سيصدق فتى الشارع أمام الأستاذة قررت الصمت والمراقبة.
لكن الاختبار الحقيقي بدأ. في الأسبوع نفسه بدأت أجد أشياء غريبة هفوات. في يوم ثلاثاء كنت أمر في الممر فرأيت على
الطاولة رزمة نقود. اقتربت. كانت أوراقا من فئة 500 و. ربما خمسون ألفا بلا رباط كأنها مناديل.
كان الممر خاليا. لا كاميرات
تم نسخ الرابط