كان زوج أمي يضربني كل يوم وكأن ذلك نوع من التسلية
إحساسا بالقدرة على التغيير على ترك أثر على التأكد من أن صرخات الأطفال لن تمر بلا استجابة. كنت أرى في كل عين صغيرة أمل وفي كل ابتسامة بعد الألم انتصارا على كل ما مررت به.
ومع مرور الوقت بدأت أشعر بأن ذراعي لم تعد مجرد عضو تذكرني بالضرب بل كانت رمزا للنجاة للشفاء وللقوة التي لم أكن أعلم أنني أملكها. كل ندبة كل ألم سابق أصبح جزءا من قصة أكبر قصة لم تكن عن الخوف فقط بل عن كيفية إعادة الحياة إلى نصابها عن كيفية إعادة الأمان إلى طفلة فقدته عن كيفية تحويل كل كسر إلى بداية جديدة وكل صمت إلى صوت يصدح في النهاية عاليا بما يكفي ليصل إلى كل من يحتاج لسماع الحقيقة مهما كانت مؤلمة ومهما استغرق الأمر من وقت.
مرت السنوات وكبرت إيميلي وأصبحت امرأة لكن الماضي ظل جزءا مني لا يمكن فصله ولا أريد أن يمحى. كل خطوة كنت أخطوها كانت تذكيرا أن النجاة ليست صدفة بل اختيار وأن القوة الحقيقية تظهر حين تواجه الألم بدل الهروب منه. مع عملي في منظمة حماية الطفل أصبحت أسمع قصصا أكثر رعبا مما تصورت قصصا من أطفال يختبئون خلف أبواب مغلقة يصرخون بصمت يشعرون بالوحدة التي عرفتها عن قرب. كل مرة كنت أساعد فيها طفلا على التحدث كنت أرى في عينيه انعكاس ما كنت عليه كانت مرآة صغيرة لألمي ولشجاعتي ولطفلتي التي لم تمت رغم كل ما حدث. شعرت بأن ما فقدته يوما أصبحت قادرة على إرجاعه للآخرين شعرت أن الألم الذي كنت أتحمله لم يكن عبثا بل كان تدريبا على التعاطف على الفهم على القوة.
كنت أعود أحيانا إلى غرفة
طفولتي السابقة في ذهني أستعيد صوت خطوات مارك صمت أمي الألم الذي لا يوصف وأقف أمام ذلك الظل الذي طالما أحاط بي. لكن بدل أن أرتجف كنت أبتسم. لم أعد الطفلة التي تهرب بل المرأة التي تواجه التي تقول لنفسها
وفي إحدى الليالي كنت أراجع ملفات الأطفال الذين أعمل معهم رأيت طفلة بعينين كبيرة ومرتجفتين تذكرني بنفسي عندما كنت في الثالثة عشرة خائفة من كل صوت منتظرة الضربة التالية. أمسكت يدها بهدوء قلت لها بصوت ثابت لا شيء من هذا خطأك أنت بخير هنا وأنا سأساعدك. شعرت بانفجار داخلي من المشاعر الغضب الحزن التعاطف والأمل كلها معا. في تلك اللحظة أدركت أن حياتي الجديدة لم تكن مجرد نجاة شخصية بل كانت رسالة لكل طفل لم يستطع الكلام بعد لكل روح محطمة تبحث عن ضوء لكل قلب صغير يئن خلف أبواب مغلقة.
مرت السنوات وبدأت أكتب كتابي عن تجربتي عن العنف عن النجاة عن القوة التي يمكن أن تولد من الصدمات. لم أعد أخشى أن يرى العالم ما كنت عليه بل كنت أريدهم أن يعرفوا الألم الحقيقي موجود لكنه لا يدوم إذا كان هناك شخص واحد على الأقل يختار أن يرى الحقيقة أن يتدخل أن يرفع الصوت. وفي النهاية لم يعد مارك سوى ذكرى صورة مشوهة في ماضي بعيد لم تعد تتحكم بي لم تعد قادرة على تعطيل حياتي لم تعد تحدد قيمتي. أمي اختارت البقاء بعيدة لكنني تعلمت أن الغياب أحيانا ليس عائقا وأن من يختار عدم الحماية لا يمكن أن يسرق الحق في النجاة لمن يستحقه.
اليوم أعيش حياة مليئة بالقوة أساعد أكتب أؤثر وأتذكر دائما أن الشجاعة لا تعني غياب الخوف بل القدرة على المضي قدما رغم الخوف. تعلمت أن الألم يمكن أن يتحول إلى حكمة وأن كل دمعة يمكن أن تصبح بذرة أمل وأن كل صمت يمكن أن يتحول
وفي النهاية لم تعد حياتي مجرد قصة عن الألم بل قصة عن النجاة عن القوة عن الصوت الذي يمكنه تغيير مسار حياة عن الطفلة التي كسرت يوما لكنها لم تقتل وعن المرأة التي خرجت من كل هذا أقوى وأشجع وأكثر قدرة على العيش والحب ومساعدة الآخرين. قصة لا تنتهي بل تستمر في كل طفل أساعده في كل شخص يستمع في كل قلب يجد في كلماتها الأمل للبدء من جديد في كل نفس يعرف أن النجاة ممكنة وأن الضوء مهما كان ضعيفا في البداية قادر على فضح الظلام في النهاية.
بمجرد وصول الشرطة حاول زوج أمي مارك أن يمثل دور الأب المكلوم. قال للضابط بابتسامة صفراء يا حضرة الضابط ابنتي متهورة بعض الشيء سقطت وهي تحاول القيام بحركات بهلوانية بدراجتها نحن منهرون بسبب ما حدث لها.
الضابط بص لي وسألني بصوت حازم إيميلي.. هل سقطت فعلا من الدراجة. نظرت لأمي كانت بتبكي بصمت وبتهز راسها يعني قولي أيوة. بصيت لمارك كان بيضغط على كتفي السليم بقوة ويقول قولي للضابط الحقيقة يا حبيبتي.
في اللحظة دي حسيت إن عمري كله بيعدي قدامي.. الوجع الإهانة والكسرة. سحبت كمل شجاعتي وقولت بصوت عالي
لأ يا سيادة الضابط.. هو اللي كسر إيدي وهو اللي بيضربني كل يوم وأمي عارفة وساكتة!
مارك وشه اسود وحاول يهجم عليا لكن الضباط مسكوه فورا. أمي نهارت ووقعت على الأرض وهي بتصرخ. لكن المفاجأة
سيادة الضابط.. إيميلي مش بس اتكلمت إيميلي كانت أذكى مننا كلنا.
إيميلي طلعت من جيبها قلم تسجيل صغير كانت مخبياه في هدومها وسجلت فيه آخر ربع ساعة في البيت ومارك وهو بيشتمها وبيأمرها تكذب على الدكاترة ويهددها بالقتل لو اتكلمت!
بعد التسجيل ده مارك دخل السجن بتهمة الاعتداء على قاصر والتزوير والتهديد. أمي اتحرمت من حضانتي لفترة لأنها تسترت على جريمة.
لكن إيميلي مكنتش عايزة بس تسجنه كانت عايزة تمسح أثره تماما. اكتشفت إن مارك كان بيختلس أموال من الشركة اللي شغال فيها وبدأت تبعت تقارير مجهولة للضرائب وللشركة بكل الأوراق اللي كانت بتصورها من وراه في المكتب طول السنين اللي فاتت.
مارك وهو في السجن لقى نفسه مش بس بيتحاكم على ضرب طفلة ده لقى نفسه مطلوب في قضايا أموال عامة هتقعده ورا القضبان بقية عمره!
بعد سنة إيميلي راحت تزور أمها اللي كانت
عايشة في فقر وندم بعد ما مارك خسر كل حاجة. أمي قالتلي بدموع سامحيني يا إيميلي.. كنت خايفة منه. بصيت لها بكل هدوء وقولتلها الخوف مش مبرر إنك تشوفي ضناكي بيتدبح وتسكتي يا أمي.. أنا سامحتك بس مش هقدر أنسى إن الغريب الطبيب هو اللي حماني وإنتي الأم كنتي شايلة الغطا عني.
إيميلي كملت تعليمها وبقت محامية مشهورة بتدافع عن الأطفال اللي بيتعرضوا للعنف وكل ما كانت بتكسب قضية كانت بتحس إن ذراعها اللي انكسر زمان بقى هو اللي بيبني مستقبل لغيرها.
في يوم مارك بعت لها جواب من السجن بيطلب منها تسامحه وتساعده يخرج عشان خاطر العشرة. إيميلي أخدت الجواب وحطته في مكنة فرم الورق وابتسمت نفس الابتسامة الباردة اللي كان بيبتسمها لها زمان وقالت اللعبة خلصت يا مارك.. والدور دلوقتي على القانون يكمل