خمس سنوات من التضحية انتهت بجملة واحدة قلبت كل شيء
لم أشعر بالشماتة ولم أشعر بالذنب. كان هناك فقط إدراك هادئ بأن المسؤولية لم تعد لي وأن الرعاية التي كنت أمثلها لم تكن يوما واجبا أبديا. لقد اختار بنفسه من يعتمد عليهم وحدد بنفسه من يستحق موقعه في حياته وها هو الآن ينال اختياراته كاملة.
اليوم أجلس في مقهى مضيء افتتحته ناتالي وأنا معا مكان صغير لكنه صادق لا يخفي عيوبه ولا يجمل واقعه. أكتب خلال الساعات الهادئة أراقب الناس يدخلون ويخرجون كل منهم يحمل عالما كاملا في صمته. صرت أرى التعب دون أن أبتلعه وأرى الألم دون أن أحمله على كتفي. لم أعد أقارن نفسي بأحد ولم أعد أخاف من الوحدة. تعلمت أن الوحدة قد تكون مساحة للشفاء وأن الخسارة الحقيقية ليست في المغادرة بل في البقاء حين يتحول البقاء إلى محو بطيء للذات.
لم أعد ظلا يحمل غيره كي يبقى واقفا.
أنا كاملة من جديد لا لأنني انتصرت على أحد بل لأنني توقفت عن الهزيمة اليومية.
والكرامة حين تستعاد لا تحتاج إلى إذن كي توجد ولا إلى شاهد ولا إلى تبرير. هي ببساطة تعود إلى مكانها الطبيعي في الروح وتغلق الباب خلفها بهدوء.
بعد ما سمعت كلمته خادمة مجانية نمت ليلتها وأنا حاسة ببرودة في أطرافي.. البرودة دي كانت هي القوة اللي محتاجاها. تاني يوم الصبح ملمحتش بأي حاجة. دخلت عليه الغرفة بابتسامة باهتة بس المرة دي مكنتش بطحن الدواء بضمير كنت بسيبه خشن.. خشن زي الحقيقة اللي عرفتها.
بدأت أفتش في مكتبه القديم في الورق اللي كان بيقولي إنه كراكيب ملوش لزمة. اكتشفت الصدمة.. زوجي المشلول اللي بيشتكي من ضيق الحال عنده حساب بنكي باسم أخوه وعقار بيأجره من
هنا قررت.. لو هو شايفني غبية فأنا هوريه ذكاء الغبي لما يقرر ينتقم. بدأت أستخدم التوكيل العام اللي عملهولي من سنة لما كان خايف يدخل العمليات.. التوكيل ده اللي كان فاكره مجرد ورقة هيبقى هو حبل المشنقة.
بدأت أتحرك زي الشبح. كل يوم كنت بخرج أشتري طلبات البيت كنت في الحقيقة بقابل محامي. بدأت أنقل ملكية الشقة اللي مأجرها لاسمي كحق شرعي عن سنين عمري اللي ضاعت. سحبت مبالغ من الحساب اللي كان فاكر إنه مخبيه وحولتها لحساب جديد ميعرفش عنه حاجة.
الأصعب كان التمثيل.. إني لسه بحميه وبغيرله هدومه وبسمع تذمره وشكواه الكدابة عن الفار والفقر. في ليلة كان قاعد مع صاحبه تاني وسمعته بيقوله متقلقش دي ماشية بالبركة بكلمتين حلوين بخليها تنسى تعب اليوم كله.. الستات دول عقولهم صغيرة.
ضحكت في سري وقلت يا حبيبي العقل الصغير ده هو اللي بيحفر حفرتك دلوقتي. وقعت قدامي ورقة تقرير طبي حديث.. اكتشفت المفاجأة اللي هزت كياني هو بدأ يتعافى فعلا ويقدر يحرك رجليه بقاله شهور لكنه كان بيمثل العجز الكامل عشان يضمن إني أفضل تحت رجليه أخدمه!
وصلت للحظة الصفر. جهزت شنطتي وبعت عفش الشقة اللي هو فيها لتاجر روبابيكيا ييجي يستلمه وأنا خارجة. دخلت عليه الغرفة كان لابس قميصه اللي غسلته وكويته بمية عيني. بصيت له نظرة أخيرة نظرة وداع مش حب.
قلت له ببرود الغدا جاهز على السفرة بس المرة دي مفيش حد هيأكلك في بوقك يا بطل. بص لي باستغراب يعني إيه أنتي رايحة فين بالشنط
لون وشه اتخطف حاول يقوم يمثل العجز بس وقفته بكلمة واحدة متمثلش.. التقرير الطبي اللي بيقول إنك بقيت تمشي في جيبي والتوكيل اللي عملتهولي بقيت بيه أنا صاحبة البيت والعقار وأنت مجرد ضيف تقيل.
في اللحظة دي دخلوا رجالة دار الرعاية الحكومية اللي حجزتله فيها.. أقل مكان ممكن يوفرله سرير. صرخ فيا أنتي مش هتجرؤي! أنا جوزك!. رديت وأنا بقفل باب الشقة ورايا كنت جوزي لما كنت أنا غبية.. دلوقتي أنا حرة وأنت خلي ذكاءك ينفعك في الدار.
رميت مفتاح الشقة للتاجر وقلت له شيل كل اللي فيها.. مش عايزة منها ولا ريحة ذكرى. ومشيت في الشارع لأول مرة من 5 سنين وأنا حاسة إني شايفة الدنيا والدنيا شايفاني.
أول ليلة له في دار الرعاية كانت أول ليلة لي في الحرية. بينما كنت أنام على فراش نظيف في فندق هادئ كان هو يكتشف حقيقة المكان الذي أرسلته إليه. لم تكن دارا فخمة بل كانت مكانا يذكره كل ثانية بما فعله بي.
اتصل بي شقيقه شريكه في السرقة وهو يصرخ أنتي مجنونة كيف تضعين أخي في هذا المكان وتسرقين أمواله سأبلغ الشرطة!. رددت عليه ببرود لم أعهده في نفسي أهلا يا سلفي العزيز.. بخصوص البلاغ فأنا أرحب به جدا. لدي سجلات بكل قرش دخل حسابك من وراء ظهري ولدي توكيل رسمي يثبت أن كل تحركاتي قانونية. أما إذا أردت استلام أخيك فتفضل.. لكن العقار والشقة أصبحوا ملكي وعليك أن تصرف عليه من مالك الخاص الآن.. هل أنت مستعد.
أغلق الخط في وجهي. طبعا من كان يراه أخا حين كان المال يتدفق رآه الآن عبئا
واحدة زوجته ماله وأهله الذين ظن أنهم سنده.
بعد أسبوع ذهبت لزيارته للمرة الأخيرة. لم يكن بدافع الحنين بل لأستعيد روحي التي تركته يسرقها لسنوات. وجدته جالسا على كرسيه لكن هذه المرة لم تكن ملابسه مكوية ولا شعره مصففا بعناية. كان ينظر للفراغ بكسرة حقيقية.
عندما رآني حاول أن يصرخ أن يشتم لكنه صمت حين رأى نظرة عيني. لم تكن نظرة غضب بل كانت نظرة لاشيء. قلت له أتذكر حين كنت تضحك وتقول غبية نافعة في تلك اللحظة لم تكن تصفني أنا بل كنت تصف نفسك. لقد كنت غبيا لدرجة أنك فرطت في الإنسانة الوحيدة التي كانت ستموت لتعيش أنت.. والآن أنت نافع جدا لي.. لقد علمتني كيف لا أثق بأحد وكيف أحب نفسي أكثر من أي شيء.
بكى.. بكى بصدق لأول مرة لكن دموعه كانت على نفسه لا على ما فعله بي. تركته وخرجت وفي طريقي للباب سحبت خاتم الزواج من يدي وألقيته في سلة المهملات عند المخرج.
مرت سنة كاملة. أنا الآن لا أقف خلف جدران المستشفيات ولا تفوح مني رائحة المطهر. استثمرت الأموال التي استرددتها في مشروع صغير كنت أحلم به في العشرينيات. سافرت إلى المدن التي كنت أراها في التلفاز وأنا أطحن له الدواء.
تعلمت أن التضحية بدون تقدير هي انتحار بطيء وأن في الصحة والمرض عهد مقدس بين الأوفياء فقط وليس عقدا للاستعباد.
أما هو.. فقد سمعت أنه استعاد قدرته على المشي تماما لكنه يمشي وحيدا منبوذا من عائلته بعد أن جفت منابع أمواله يعيش في شقة صغيرة بالإيجار ويبحث عن خادمة مجانية أخرى.. لكن العالم لم يعد ينجب أغبياء مثلي فقد تعلمت الدرس