نام بعيدًا عنها ثلاث سنوات والحقيقة خلف باب غرفة أمه قلبت كل شيء

لمحة نيوز

جلست قرب ماركو وبدأت تمسح ذراعيه المتقرحتين. كانت تمرر القماش بلطف شديد فوق الجروح والكدمات لا كمن يداوي جسدا فقط بل كمن يربت على تعب قديم. شعرت وكأنها تعتذر عن كل ليلة نام فيها وحده عن كل شك سمحت له أن يسكن قلبها وعن كل كلمة لم تقل في وقتها.
ثم التفتت إلى حماتها ومسحت وجهها بعناية دون تبرم أو اشمئزاز فقط بتركيز واهتمام صادق كما لو أنها تقول لها بالفعل قبل القول أنت لست وحدك.
قالت وهي تفعل ذلك دون أن ترفع رأسها
ماركو ثلاث سنوات وأنت تحمل هذا وحدك. ثلاث سنوات من السهر والخوف والألم وأنت لم تقل شيئا. من اليوم لن تكون وحدك. أنا زوجتك في السراء والضراء. وهذا يشمل العناية بأمك مهما كان الثمن.
رفع ماركو عينيه إليها. كانت عيناه ممتلئتين بالدموع دموع رجل لم يسمح لنفسه بالبكاء منذ زمن طويل. لم يستطع منعها من الانهمار. من وجد أخيرا من يشاركه الحمل من وجد سندا لا يهرب
حين تصبح الأمور صعبة.
ولأول مرة منذ سنوات شعر بالراحة.
شعر بأن الحمل الذي سحق كتفيه بدأ يخف وبأن الليل لم يعد معركة يخوضها وحده وبأن البيت الذي عاش فيه لم يعد ساحة صمت وأسرار بل مساحة صدق ومشاركة.
منذ تلك الليلة لم يعد مرض دونيا كوراثون سرا يدار خلف الأبواب المغلقة. لم يعد عبئا يخفى ولا عارا يتجنب الحديث عنه. صار أمرا يواجه معا بوضوح وشجاعة.
تقاسموا السهر وتناوبوا الرعاية وبحثوا عن مساعدة طبية متخصصة دون خجل أو خوف. تعلموا كيف ينظمون أيامهم ولياليهم وكيف يحمون بعضهم بعضا من الإنهاك.
وتعلمت آنا درسا لم تكن تتوقع أن تتعلمه بهذه الطريقة
أن الحب لا يقاس بعدد الليالي الهادئة ولا بالكلمات الجميلة وحدها بل بالقدرة على البقاء حين يصبح كل شيء ثقيلا وبالاستعداد لمشاركة الألم كما تشارك الفرح دون حساب أو شروط.
اختفت الغيرة من قلبها.
وتبددت الشكوك.
وبقي الاحترام
واحترام أعمق لرجل اختار أن يضحي بنومه وراحته وأن يتحمل الألم بصمت

فقط ليحمي المرأتين اللتين يحبهما لا لأن أحدا طلب منه ذلك بل لأن قلبه اختار أن يفعل.
بعد القبض على دييغو وتلك المرأة ظننت أن الكابوس انتهى.. لكنه كان مجرد البداية. أثناء تفتيش الشرطة للغرفة وجدوا سردابا سريا خلف خزانة ملابس حماتي. لم يكن مجرد مخزن بل كان غرفة عمليات مصغرة صور لي في كل مراحل حياتي حتى تلك التي كنت أظن أنني فيها وحيدة.
المفاجأة كانت مذكرات بخط يد دييغو يصف فيها كيف راقبني لسنوات قبل أن يتقدم لخطبتي. كان مكتوبا في الصفحة الأخيرة ماريسول لا تعرف أن والدها لم يمت بحادثة.. الصندوق هو الثمن وهي المفتاح الأخير. سقطت المذكرات من يدي.. هل كان موتي والدي مدبرا وهل كنت أعيش مع قاتله طوال ثلاث سنوات
قررت مواجهة دييغو في سجنه. وقفت خلف الزجاج كان يبدو هادئا بشكل مستفز. سألته والدموع في عيني هل قتلت أبي. ابتسم ببرود وقال والدك كان عنيدا يا ماريسول.. أخفى خريطة المناجم في مكان لا يخطر على بال بشر وأنت تحملينها معك كل يوم دون أن تدري!.
عدت للمنزل وأنا أرتجف. قلبت البيت رأسا على عقب. بحثت في ملابسي في كتبي في كل شيء.. حتى وقعت عيني على عقد ذهبي كان والدي قد أهداه لي في عيد ميلادي الأخير وقال لي لا تخلعيه أبدا فهو يحمل ثقلا أكبر من قيمته. فحصت العقد بدقة واكتشفت أن القلادة عبارة عن فلاشة متناهية الصغر مصممة على شكل قطعة مجوهرات! 
فتحت الفلاشة على حاسوبي وظهرت لي ملفات فيديو سجلها والدي قبل موته بأسبوع. كان يبدو خائفا ماريسول يا ابنتي إذا كنت تشاهدين هذا فأنا قد رحلت. القصة ليست كنزا ذهبيا كما يظن هؤلاء المرتزقة.. القصة هي أوراق كيميائية تدين شركة كبرى كانت تلوث مياه القرية وتسببت في أمراض مئات الأطفال. دييغو يعمل لصالحهم وقد أرسلوه ليدمر عائلتنا ويستعيد الأوراق.
في تلك اللحظة فهمت كل شيء. دييغو لم يكن يبحث عن ذهب بل كان يبحث عن دليل إدانة ليحرقه وينقذ شركته القذرة. والمؤلم
أن حماتي لم تكن عرافة فقط بل كانت عميلة سابقة متخصصة في غسيل الأدمغة والتحقيقات! 
لم أسلم الأوراق لدييغو أو شركته. بل توجهت مباشرة إلى المدعي العام وأعطيته الفلاشة وكل الوثائق. خلال أيام انقلبت الدنيا رأسا على عقب. تم القبض على رؤساء الشركة الكبرى وتحولت قضية دييغو من محاولة اعتداء إلى تآمر وقتل عمد.
بعت المنزل الذي شهد تلك الليالي المظلمة وسافرت إلى مكان بعيد لا يعرفني فيه أحد. بدأت حياة جديدة لكنني هذه المرة لم أعد ماريسول الساذجة. الآن عندما أنظر إلى عقدي الذهبي لا أرى فيه ذكرى ألم بل أرى فيه الأمانة التي تركها لي والدي لأحمي بها الأبرياء.
أما دييغو.. فقد حكم عليه بالسجن المؤبد. وفي آخر رسالة أرسلها لي من زنزانته كتب جملة واحدة كنت بالفعل غبية نافعة.. لكنك الآن أذكى عدو واجهته. مزقت الرسالة وألقيتها في الريح.. فبعض الحكايات يجب أن تنتهي للأبد لتبدأ حياة جديدة. 
بينما كنت أحزم حقائبي للرحيل سقطت صورة قديمة من خلف برواز صورة زفافي. كانت صورة لوالدي وهو يصافح رجلا غريبا.. ملامحه بدت
مألوفة لي بشكل مرعب. دققت في الصورة وصعقت عندما عرفت الرجل.
إنه والد دييغو الذي أخبرني دييغو أنه مات منذ زمن! إذن الحكاية لم تبدأ معي بل بدأت بين الآباء. عدت لمذكرات والدي المخبأة في الفلاشة وبحثت في المجلدات المشفرة لأجد ملفا بعنوان الدين القديم. اكتشفت أن والدي ووالد دييغو كانا شريكين وأن والدي خان شريكه قديما أو هكذا ظن دييغو مما جعل دييغو يتربى على فكرة واحدة فقط الانتقام واستعادة حق عائلته عبر تدمير ابنة الرجل الذي دمر والده.
بدأت أشعر أنني مراقبة حتى بعد رحيلي. في ليلة مطيرة بمدينتي الجديدة وصلني طرد مجهول. فتحته بيد ترتجف لأجد نصف عقد ذهبي يشبه عقدي تماما ومعه ورقة مكتوب عليها القصة لم تنته بوضع دييغو في السجن.. هو مجرد جندي الملك لا يزال حرا.
في تلك اللحظة رن هاتفي برقم مجهول.
كان صوت امرأة لكنه ليس صوت حماتي المزيفة. قالت لي ماريسول إذا كنت تريدين معرفة الحقيقة وراء موت والدك فعلا اذهبي إلى العنوان القديم.. العقار رقم 13 في حي الصيادين. ذهبت رغم خوفي لأجد هناك امرأة عجوزا مقعدة.. كانت هي والدة دييغو الحقيقية. أخبرتني بالصدمة التي زلزلت كياني دييغو ليس هو من قتل والدي بل والدي هو من زيف موته ليحمينا من عصابة الشركة الكبرى!
والدك لا يزال حيا يا ماريسول.. هو من يراقبك الآن! قالتها العجوز بمرارة. اتضح أن والدي كان يختبئ طوال هذه السنوات مستخدما دييغو دون علمه كطعم لجذب الأنظار بعيدا عنه. دييغو كان يعتقد أنه ينتقم لكنه كان يستخدم من قبل والدي ليتم القبض عليه وتنتهي القضية قانونيا أمام الشركة بينما والدي يتمتع بالأمان في الظل.
شعرت بتمزق داخلي.. هل أنا ضحية لزوجي الخائن أم لوالدي الذي ظننته بطلا في تلك اللحظة انفتح باب الغرفة ودخل رجل يرتدي معطفا طويلا خلع قبعته لتظهر ملامح والدي التي لم تتغير كثيرا. نظر إلي بدموع وقال سامحيني يا ابنتي كان يجب أن أضحي بزواجك وبدييغو لنعيش جميعا.. الشركة كانت ستقتلنا لو عرفوا أنني حي.
وقفت بين نارين والدي الذي أحببته واكتشفت تلاعبه وزوجي الذي سجن ظلما في قضية القتل بينما المقتول حي!. هل أصمت وأعيش مع والدي في الظل أم أقول الحقيقة وأخرج دييغو من السجن رغم خيانته لي في البداية
اخترت الحقيقة المرة. قدمت الأدلة التي تثبت أن والدي حي مما أدى لإطلاق سراح دييغو. خرج دييغو من السجن وقف أمامي لم يقل شكرا ولم يقل أحبك. نظر إلي وقال الآن أصبحنا متعادلين.. خنتك في البداية وخانك والدك في النهاية وأنت أنقذتنا جميعا.
افترقنا.. والدي واجه عقوبة تزييف الموت والبلاغات الكاذبة ودييغو اختفى من حياتي للأبد. أما أنا فقد قررت أن أعيش لنفسي فقط بعيدا عن ألعاب الرجال وصراعات الماضي. أدركت أخيرا أنني لست مفتاحا لكنز ولا أداة لانتقام.. أنا
امرأة قررت أن تكتب نهايتها بيدها.

تم نسخ الرابط