تنكّروا كمتسوّلين لاختبار كنّتهم… ففضحتهم إنسانيّتها أمام أنفسهم وخفضوا رؤوسهم لأول مرة!
تنظر إلى بيتها. لم يعد ساحة اختبار. لم يعد مكانا تحتاج فيه إلى إثبات قيمتها. لم تعد الفتاة عديمة الذوق ولا الدخيلة.
كانت زوجة.
كانت شريكة.
كانت ابنة اختارت أن تبقى رغم كل شيء.
وللمرة الأولى منذ زواجها شعرت أن انتماءها لا يحتاج إلى دفاع.
لقد أصبحت ببساطة في مكانها الصحيح.
في حي سانتا ماريا الراقي كان الجميع يعرف عائلة مندوزا وكبرياءهم الذي لا ينتهي. دون إرنستو وزوجته كارمن كانا يريان أن العالم مدين لهما بالاحترام لأنهما بنيا ثروتهما من الصفر. لكن هذا الكبر تحول إلى سلاح طعنا به لوسيا زوجة ابنهما الأصغر.
لوسيا كانت ابنة خياطة وسائق حافلة فتاة بسيطة تعلمت أن كرامة النفس أغلى من كنوز الأرض. طوال سنوات زواجها كانت تعامل في ذلك البيت كخادمة تهان بكلمات سامة عن فقرها وأصلها بينما هي ترد بابتسامة صبورة وتخدمهم بصمت.
في ليلة باردة وعاصفة قرر دون إرنستو أن ينهي شكه في الجميع. تنكر هو وزوجته بملابس ممزقة وجوه شاحبة من التراب ووقفوا يطرقون أبواب أبنائهم كشحاذين يطلبون لقمة ومأوى ليختبروا معدنهم الحقيقي.
الابن الأكبر طردهم والابنة هددتهم بالشرطة.. حتى وصلوا لباب لوسيا المرأة التي أهانوها لسنوات! فماذا فعلت ولماذا ارتمى إرنستو على ركبتيه باكيا
عندما طرق المشردان باب لوسيا كانت الساعة تقترب من منتصف الليل. فتحت لوسيا الباب وبمجرد أن رأت حالتهما لم تسأل عن هويتهما ولم تطلب منهما الرحيل. اتسعت عيناها بالشفقة وقبل أن ينطق إرنستو المتنكر بكلمة قالت يا إلهي! الجو بارد جدا تفضلا بالدخول فورا قبل أن تمرضا!
أدخلتهما إلى صالتها الصغيرة المتواضعة وأسرعت بإحضار مناشف دافئة. وبينما كانت كارمن تراقبها بصمت خلف قناع
لكن الصدمة الحقيقية كانت عندما قدمت لهما لوسيا طعاما واكتشفوا سرا كانت تخفيه عن الجميع!
وضعت لوسيا أمامهما طبقين من الحساء الساخن وقطعا من الخبز بينما هي اكتفت بكوب من الماء. عندما سألها إرنستو بصوته المستعار لماذا لا تأكلين معنا يا ابنتي ردت بابتسامة خجولة لقد أكلت منذ قليل تفضلا أنتما فأنتما ضيفي والبركة في القليل.
لكن كارمن التي كانت تعرف مطبخ لوسيا جيدا دخلت خلسة لتجد أن القدور فارغة تماما! لوسيا قدمت لهما آخر لقمة في بيتها وبقيت هي جائعة لتكرم غرباء لا تعرفهم.
في تلك اللحظة رن هاتف لوسيا.. كان الابن الأكبر لعائلة مندوزا يتصل بها ليشتكي من شحاذين قذرين طرقوا بابه ويأمرها بألا تفتح لهما إذا وصلا إليها!
ماذا كان رد لوسيا على مكالمة شقيق زوجها المتكبر
قالت لوسيا لشقيق زوجها بلهجة قوية لم يعهدوها منها يا أخي الفقير ليس قذرا.. الفقر هو فقر القلوب. هؤلاء البشر هم ضيوف الرحمن ومن يغلق بابه في وجه محتاج يغلق الله أبواب الرحمة في وجهه!
أغلقت الخط والتفتت للرجل العجوز وزوجته لتمسح الطين عن أيديهما بكل حنان وقالت لهما لا تحزنا من كلام الناس ستبقيان هنا الليلة وسأنام أنا على الأريكة.
هنا لم تستطع كارمن تمثيل الدور أكثر.. بدأت دموعها تغسل التراب عن وجهها ونظرت لإرنستو الذي كان يرتجف من الخجل من نفسه.
ما هي الحركة التي فعلها إرنستو وكشفت هويته الحقيقية وكيف كان رد فعل لوسيا
خلع إرنستو قبعته الممزقة ومسح وجهه وقال بصوته الحقيقي المليء بالانكسار لوسيا.. انظري إلينا.. نحن لسنا مشردين
تراجعت لوسيا للخلف من الصدمة وسقط الطبق من يدها. لم تصدق أن حماها وحماتها فعلوا ذلك. ساد صمت رهيب قبل أن يرتمي دون إرنستو صاحب الأملاك والجاه على ركبتيه أمام بنت الخياطة وقال جئنا لنختبرك فاكتشفنا أننا نحن الذين سقطنا في الاختبار. أبنائي الذين أطعمتهم بملعقة من ذهب طردوني وأنت التي أذقتها المر.. أطعمتني من قوتك!
لكن المفاجأة لم تنته هنا.. ففي الصباح اجتمعت العائلة كلها لأمر لم يتوقعه أحد!
في الصباح استدعى إرنستو جميع أبنائه وزوجاتهم إلى منزله الكبير. كان الجميع يظن أنه سيوزع الميراث. وقف إرنستو وبجانبه لوسيا التي كانت ترتجف خجلا وقال بصرامة بالأمس كنت مشردا تحت المطر وطرقت أبوابكم.. فمن منكم استقبلني
ساد الصمت والوجوم وجوه الأبناء. تابع إرنستو لقد قررت اليوم أن أكتب متجر الحديد وكل أملاكي في وسط المدينة باسم لوسيا.. فهي الوحيدة التي تملك قلبا يستحق هذه الثروة. أما أنتم فستبدأون من الصفر كما بدأت أنا لعل الجوع يعلمكم كيف تحترمون البشر!
لوسيا لم تتغير بعد الثروة. لم تنتقم من أشقاء زوجها بل خصصت لهم رواتب شهرية بشرط أن يعملوا في المتجر عمالا تحت إشرافها ليتعلموا قيمة التعب. حولت جزءا من القصر إلى مأوى للمحتاجين وأصبحت هي الشخصية الأكثر احتراما في غوادالاخارا.
عاشت لوسيا مع حماها وحماتها وكانت تهتم بهما حتى آخر يوم في حياتهما ليس من أجل المال بل لأن بنت الخياطة كانت تحمل في صدرها قلبا ملكيا لا يعرف الحقد.
بعد أن استلمت لوسيا إدارة المتجر ذهبت لتنظيف الطابق العلوي القديم الذي لم يدخله أحد منذ سنوات. هناك وجدت صندوقا خشبيا قديما يخص حماتها كارمن. وعندما فتحته
اتضح أن كارمن كانت تعرف والدة لوسيا جيدا لكنها حاولت دفن ماضيها الفقير عن طريق احتقار لوسيا. لوسيا لم تواجهها بالسر بل وضعت قصاصة القماش في إطار فاخر وأهدتها لحماتها قائلة الماضي ليس عارا يا أمي بل هو الجسر الذي عبرنا منه لنصبح ما نحن عليه الآن.
لم يتقبل الأبناء المطرودون قرار والدهم بسهولة. حاول الابن الأكبر أنطونيو تحريض العمال في المتجر ضد لوسيا وأخبرهم أن بنت الخياطة لا تفهم في الحسابات وستقود المتجر للإفلاس. في أول يوم عمل لها فوجئت لوسيا بإضراب العمال ورفضهم العمل. وقفت أمامهم بكل ثبات ولم تهددهم بالرفد بل أخرجت دفاتر الحسابات القديمة وكشفت لهم أن المدير السابق أنطونيو كان يسرق مستحقاتهم وتأميناتهم منذ سنوات وأنها اليوم ستقوم بتسوية ديونهم جميعا من مالها الخاص!
في تلك اللحظة تحول الهتاف ضدها إلى هتاف باسمها وأدرك الجميع أن لوسيا ليست مجرد كنة مطيعة بل هي قائدة بالفطرة.
مرت خمس سنوات وأصبح متجر مندوزا أكبر شركة لتجارة الحديد في المدينة تحت إدارة لوسيا. في يوم ذكرى ميلاد دون إرنستو التسعين أقام الحفل في ساحة المتجر وطلب من لوسيا أن تلقي كلمة. وقفت لوسيا وبجانبها زوجها دانيال الذي ساندها دائما وقالت المال الذي أملكه اليوم ليس لي هو أمانة لكل يد تعبت وكل قلب صبر. غدا سنفتتح مدرسة لتعليم الخياطة والمهن اليدوية لكل بنات الفقراء لتكون كرامتهن هي سلاحهن في الحياة.
نظر إرنستو