اشتريت دبدوب لبنتى

لمحة نيوز

همست بين السطور لكنك لست مضطرا أن تكون قويا الآن يا أبي
قالت إنها وفرت المال ثلاث سنوات لم تحتج ملابس جديدة أو ألعابا كل ما أرادته أن أكون بخير ثم جاءت الضربة الحانية التي حطمتني هذا المال لك خد شهر إجازة شهر كامل علشاني أنا بس
شهر بلا قيادة بلا عمل إضافي بلا هروب متواصل من الألم اذهب إلى المقصورة بجوار البحيرة التي حلمنا بها اجلس هناك ابك كما يجب نم كما يجب ثم حاول فقط حاول أن تسامح نفسك أخيرا يا أبي
وأكدت أنني لم أخذلها يوما أنني كنت بطلها رغم كل شيء وأن الحب كان الدرع الحقيقي دائما ثم أغلقت قلبي بجملتها الأخيرة البسيطة والقاتلة من فضلك خذ وقتك افعلها من أجلي أنا أحبك دائما
جلست على جانب الطريق السريع محرك شاحنتي يزمجر تحتي كوحش جريح أضغط النقود والرسالة إلى صدري أبكي بصمت متقطع كأن الدموع آخر ما تبقى لي من صوت وحياة ونجاة مؤقتة
صرخت في الفراغ في السماء في كل شيء قاس وعادل كذبا سألت لماذا يؤخذ النور مبكرا ولماذا تترك القلوب تتعثر وحدها مثقلة بالفقد عاجزة عن فهم حكمة لا ترى وتحتمل
هي رغم الرحيل كانت تفكر في أنا في حزني القادم ادخرت من ضحكاتها
الصغيرة من رغباتها المؤجلة لتمنحني ما لم أجرؤ يوما على منحه لنفسي وقتا لألتقط أنفاسي وأتعافى ببطء

كيف استطعت فعل ذلك همست لكن صوتي هذه المرة لم يحمل غضبا فقط رهبة موجعة امتنانا يحرق الصدر وحبا يتسع كبحر وخجلا لأن قلبا صغيرا سبقني إلى النضج والتضحية الصامتة
مسحت وجهي المرتجف ونظرت إلى الدمية العتيقة خياطة ممزقة حشو بارز ملامح مرهقة ومع ذلك بدت لي أجمل من أي شيء امتلكته يوما كأنها تحتضن ما تبقى من دفء وذكرى
التقطت جهاز الاتصال ترددت ثانية بدت دهرا ثم تحدثت بصوت متشقق سأسلم الحمولة في أقرب مستودع وبعدها سأختفي قليلا عن الطرق أحتاج هدنة مع نفسي مع قلبي المتعب المنهك جدا
سألني الصوت البعيد إن كنت بخير سؤال بسيط هز داخلي نظرت إلى الرسالة في حضني وشعرت بشيء ينفتح أخيرا نفس حقيقي رجاء خافت يقين دافئ بأنني سأنهض مجددا رغم الانكسار
لم أقد الشاحنة لأسابيع تركت الضجيج خلفي واجهت صمتي بكيت كما لم أبك من قبل وفي كل ليلة كانت الدمية بجانبي تذكرني أن الحب لا يرحل بل يغير شكله فقط
لم أكن وحيدا يوما كان أثرها يملأ الفراغ في الهواء في نبضي في قدرتي على الاستمرار ومع
كل شروق كنت أتعلم أن النجاة أيضا شكل من أشكال الوفاء الصادق العميق

كنت سواق شاحنة شقيان يدوبك بجيب لقمة العيش بالعافية. في عيد ميلاد بنتي نور مكنش معايا غير فكة بسيطة. اشتريت دبدوب أبيض من سوق قديم بائع غريب قالي الدبدوب ده مش زي أي لعبة ده اللي بيختاره هو اللي بيعرف قيمته. ضحكت وافتكرته بيبيع بضاعة وبس.. لكن أول ما دخلت البيت بنتي ملامحها اتغيرت! مكنتش فرحة عادية كانت نظرة لهفة غريبة كأنها كانت مستنياه فعلا. قالتلي جملة وقفت شعري أخيرا جيت يا حارسي كنت فاكرها بتلعب بس من الليلة دي بدأت تحصل حاجات في البيت مكنتش طبيعية.. أصوات خربشة جوه الدبدوب وبنتي بتتكلم معاه بالليل بصوت واطي..
عدت شهور وبنتي بقت ترفض تخرج من غير الدبدوب والأغرب إنها بقت تصر إني آخده معايا في الكابينة وأنا مسافر. خده يا بابا هو بيشوف الطريق أحسن منك. في ليلة ممطرة وعلى طريق صحراوي خطر نمت للحظة وأنا سايق.. الشاحنة كانت هتتقلب في المنحدر وفجأة! سمعت صوت صرخة طفلة طالعة من الكرسي اللي جنبي.. قمت مفزوع لقيت الدبدوب واقع تحت رجلي وساند الفرامل! نجوت بمعجزة.. رجعت البيت وأنا مرعوب سألت بنتي
انتي كنتي معايا يا نور بصت لي ببرود وقالت لأ.. بس الدبدوب قالي إنه أنقذك عشان لسه ميعادك مجاش. هنا بدأت أخاف.. الدبدوب ده جواه إيه وليه بنتي بتبلغني رسايل منه

مرت السنين وبنتي كبرت بس الدبدوب فضل زي ما هو كأنه مبيكبرش ولا بيقدم. وفجأة نور تعبت.. مرض نادر ملوش علاج. كنت بموت وأنا شايف شمعة حياتي بتنطفي. الغريب إنها كانت بترفض تاخد الدواء إلا لو حطيناه قدام الدبدوب الأول! وقبل ما تروح لخالقها بأيام مسكت إيدي وقالتلي يا بابا لما أمشي متفرطش في الدبدوب.. افتحه لما تحس إن الدنيا ضاقت بيك خالص.. السر جواه مش قطن السر جواه حب. ماتت نور.. وخدت معاها روحي. فضلت اللعبة مركونة فوق سريرها كنت بخاف أقرب منها كنت بحس إن روحها لسه مرتبطة بالخيوط دي.
العنوان فتحت الدبدوب بعد ١٠ سنين.. ولقيت اللي ميتخيلهوش عقل!
فتحت الخياطة بقطر.. لقيت نوتة وفلوس متحوشة من مصروفها طول ١٠ سنين.. ولقيت رسالة بتقول كنت عارفة إنك هتتعب يا بابا دي تحويشتي عشان ترتاح من السواقة.. ومعاها الحجاب والآيات اللي كانت بتحميني. عرفت وقتها إن السر الخطير مكنش سحر ولا رعب كان بر الوالدين في أبهى صوره..
بنتي كانت بتحميني وهي طفلة وهي مريضة وحتى وهي تحت التراب.

تم نسخ الرابط