كانوا يظنون أن المال يحميها… لكن الحقيقة صدمتهم عند الباب!

لمحة نيوز

طويلا.
طويلا جدا كأنني أحاول أن أضغط الزمن بين ذراعي.
لم نتخل عنك يا أمي لقد تاه بنا الطريق فقط.
ابتسمت ابتسامة صغيرة
ثم وضعت يدها على رأسي كما كانت تفعل وأنا طفل.
في تلك اللحظة أدركت شيئا لم أتعلمه في الجامعات
ولا في الشركات العالمية
ولا في الاجتماعات الفاخرة.
النجاح ليس حسابا ممتلئا.
ولا راتبا مرتفعا.
ولا منصبا مرموقا.
النجاح هو أن تجد من تحبهم حين تعود.
أن يكونوا أحياء.
أن يكونوا قادرين على أن يفتحوا أذرعهم لك.
لأنك إن عدت متأخرا جدا
قد لا تجد إلا صورا على الجدران
وغرفا باردة
وصمتا ثقيلا يجيبك بدل الأسماء التي تناديها.
واليوم بعد كل ما حدث
لم أعد أقيس حياتي بالأرقام.
أقيسها بعدد المرات التي نجلس فيها حول مائدة واحدة.
بعدد الضحكات التي تتردد في المساء.
بعدد الأطباق التي نغسلها معا ونحن نتحدث عن أشياء بسيطة.
بعدد المرات التي تناديني فيها أمي باسمي
وأجيبها من الغرفة المجاورة.
أقيسها بعدد القبل التي تطبعها ميلا على جبينها كل صباح.
بعدد المرات التي يمازحها ميغي ليجعلها تضحك.
بعدد الأحاديث التي نؤجل فيها العمل لنشرب الشاي معا.
تعلمت أن الغياب لا يملؤه المال.
وأن التحويل
المصرفي لا يربت على كتف متعب.
وأن الأمان لا يشترى بل يبنى بالحضور.
تعلمت أن الزمن لا ينتظر أحدا
وأن الفرص المهنية قد تعود
لكن اللحظات الإنسانية لا تتكرر.
تعلمت أن من تحبهم لا يحتاجون إلى ثروتك
بل إلى وقتك.
إلى صوتك.
إلى يدك حين يتعثرون.
وأن النجاح الحقيقي
ليس أن تصل إلى القمة وحدك
بل أن تعود
وتجد البيت مضاء
ومن تحبهم في انتظارك.
النجاح الحقيقي
هو أن تبقى حين يحتاجك من تحب.
عندما عبرنا عتبة الباب لم تكن هناك تلك الأرضيات الرخامية التي دفعنا ثمنها. كان البلاط قديما متشققا والماء يتسرب من مواسير تالفة. أين الثلاجة الجديدة يا أمي سأل أخي بصوت يرتجف. أشارت بيدها المرتعشة إلى ثلاجة صغيرة صدئة لا يوجد فيها سوى علبة حليب قاربت على الانتهاء وكسرة خبز. قال لي ابن عمكم إنكم تعانون من أزمات مالية بالخارج وأنكم تطلبون مني الصبر وتقليل المصاريف حتى لا تنهار شركاتكم!.. في تلك اللحظة شعرنا بصاعقة تضرب رؤوسنا نحن الذين كنا نرسل ضعف ما تحتاجه لتعيش في رفاهية!
لم ننتظر طويلا. توجهنا إلى منزل ابن عمنا الذي كان وكيلنا والمسؤول عن رعاية أمي. وجدناه يعيش في فيلا فاخرة والسيارات الفارهة
تقف أمام بابه. عندما رآنا شحب وجهه كالموتى. كيف تجرأت صرخ أخي وهو يمسكه من ياقته. وبكل وقاحة رد قائلا أنتم كنتم بعيدين المال كان يتدفق كالمطر وأمكم امرأة عجوز لا تحتاج لكل هذه المبالغ! أنا من كنت أزورها أنا من كنت أسمع شكواها فاستحققت هذا المال كثمن لوقتي!. اكتشفنا أنه لم يكن يسرق المال فقط بل كان يسرق صورتنا في عين أمي ويجعلها تظن أننا نتجاهلها.
عدنا إلى بيت أمي المتهالك وقررنا أن نقضي الليلة هناك. تلك الليلة كانت أطول ليلة في حياتنا. جربنا النوم على الفراش القاسي الذي نامت عليه لسنوات وشعرنا بالحر الذي كانت تتحمله بصمت. فتحت أمي صندوقا صغيرا وأخرجت منه رزمات من الرسائل التي لم ترسل. كانت تكتب لنا كل يوم لا تقلقوا يا أولادي أنا شبعة بفضلكم وادخرت لكم من المال الذي ترسلونه القليل الذي كان يصلها لعلكم تحتاجونه في أزمتكم. بكينا حتى جفت دموعنا هي كانت توفر من جوعها لتعطينا ونحن كنا نظن أننا أسياد الكرم.
في الصباح بدأنا في تغيير كل شيء. لكن الصدمة الكبرى كانت عندما جاء الطبيب لفحصها. قال لنا بلهجة عاتبة أين كنتم السيدة تعاني من ضعف شديد في البصر بسبب سوء التغذية وكانت
ترفض الذهاب للمشفى لأن وكيلها أخبرها أن التأمين الصحي الذي دفعتموه قد ألغي لعدم توفر المال!. لم تكن تخفي عنا فقرها خجلا بل كانت تخفيه تضحية كانت تظن أنها تحمينا من عبء مرضها وهي ترى وهميا أننا نعاني في الغربة.
بدأنا في ترميم البيت لكن الترميم الأهم كان لقلبها. طردنا ذلك الخائن ليس فقط من بيتنا بل من تاريخنا. قررنا ألا نعود للغربة مرة أخرى. المال الذي جمعناه بالخارج سيبني لنا مشروعا هنا بجانبك هكذا أخبرها أخي وهو يقبل يدها. اكتشفنا أن آلاف الساعات التي قضيناها في العمل بالخارج لم تكن تساوي ساعة واحدة نجلس فيها تحت قدميها. المال الذي أرسلناه كان يملأ جيوب اللصوص أما حضورنا فهو الذي كان سيملأ قلبها بالحياة.
بعد عام أصبح البيت جنة كما أردناه دائما. وقفت أمي في الحديقة وهي ترتدي ثوبها الجديد وعيناها تلمعان بالصحة والرضا. نظرت إلينا وقالت الآن فقط أشعر أنني غنية.. ليس لأن البيت أصبح جميلا بل لأنني لم أعد أنتظر رسالة أو تحويلا بنكيا.. أنا أنتظركم أنتم على مائدة الغداء. تعلمنا الدرس القاسي لا توكل أحدا في برك.. فالمال قد يسرق والأمانة قد تخان ولكن الحب والاهتمام هما العملة
الوحيدة التي لا تنخفض قيمتها ولا يمكن تزويرها.

تم نسخ الرابط