حماتي وكرتونة رمضان بقلم نرمين عادل همام
رمضان ملغومة بقلة الأصل ولا أسرار سودة ولا صور لعرايس بيختاروهم لجوزي بفلوسي. كان فيه بس هدوء.. وراحة بال إني قدرت أحمي نفسي وأولادي من نصاب لابس قناع زوج محب.
رفعت عيني للسما وقلت بصدق يا رب.. الكرتونة اللي حماتي بعتتها عشان تذلني بيها وتعرفني إني غريبة كانت هي نفسها السبب اللي خلاني أفوق وأحمي شقايا وعمري.
عرفت وقتها إن فيه ضربات بتبقى فوقة.. وإن شنطة رمضان دي كانت أحلى هدية جاتلي لأنها عرفتني إن مفيش حد بيصون غير اللي بيتقي ربنا بجد مش اللي بيمثل الكرم بفلوس غيره.
الاستغلال مش بس بيسرق فلوسك ده بيسرق صورتك عن نفسك.. بيخليكي تحسي إنك كنت غريبة في بيت كنت فاكراه بيتك وصحيتي فجأة لقيتي إن سنين من عمرك وتعبك وخدمتك لحماتك وأهله كانت مجرد حلم طويل وانتهى بصدمة الغدر.
بس وسط الوجع ده فيه حاجة جديدة بدأت تتولد جوايا.. مكنتش قوة مفاجئة لا.. كانت عاملة زي نقطة نور صغيرة قوي في آخر نفق طويل وضلمة. بدأت أفكر لأول مرة طب إيه اللي يحصل لو مكنتش شنطة رمضان دي خسارة إيه اللي يحصل لو كانت فرصة نادرة عشان أبني حياتي من أول وجديد بمالي وشقايا ومن غير ما أجامل حد كان بيخطط يسرقني أو يجوز جوزي عليا بفلوسي
وفي يوم الصبح قررت أنزل لوحدي من غير ما أكون رايحة مكان معين. مشيت في الشوارع ساعات بقرأ وشوش الناس.. بياع الفول العيال اللي بتجري الستات اللي بتضحك من قلبها. حسيت فجأة إن الحياة موقفيتش عند حكايتي وإن العالم متكسرش
قعدت في قهوة صغيرة وطلبت فنجان قهوة. كانت أول مرة من سنين أقعد لوحدي من غير ما أكون مستنية إذن من حد أو شايلة هم تنضيف شقة حد. فضلت أتأمل الشعور الغريب ده.. شعور الحرية الهادي. مفيش حد بيسألني اتأخرتي ليه ولا ليه مروحتش خدمتي أخت جوزك. كنت أنا وبس.. ومعايا هدوء مكنتش أعرف طعمه قبل كده.
في اللحظة دي بالذات فهمت إن الحرية مش دوشة الحرية دي حالة هادية قوي شبه النفس العميق اللي بتاخديه بعد سنين من الكتمة والاختناق تحت سيطرة ناس مبيقدروش.
ومع الأيام بدأت أرتب تفاصيل حياتي الجديدة.. اشتريت عفش بسيط لشقتي بفلوسي اللي حفظها لي القانون وعلقت ستاير لونها فاتح عشان تدخل نور الشمس. كانت كل حتة بحطها في مكانها بتحسسني إني بسترد كرامتي اللي كانوا عاوزين يبعوها في توكيل مزور.
الماضي مابقاش يطاردني وحتى عصام وحماتي مابقوش في حساباتي. كنت باخد نفس عميق.. وأسيب أي ذكرى وحشة تعدي في حالها. وفي يوم وأنا واقفة قدام شباكي وقت الغروب اكتشفت إني مابقيتش حاسة بغل ولا غضب.. مابقيتش عاوزة أنتقم القضاء جاب لي حقي والبعد عنهم كان هو المكسب الحقيقي.
قلت لنفسي بصوت واطي يمكن الكرتونة دي مكنتش مجرد محاولة لكسرتي.. يمكن كانت بداية الحقيقة. والحقيقة مهما كانت بتوجع كانت هي الطريق الوحيد اللي وصلني للحظة دي.. اللحظة اللي أقدر أعيش فيها أخيرا بمالي وعمري من غير خوف من غدر أهل الجوز.
وعلى كدة خلص فصل
نرمين عادل همام
كانت الساعة السابعة صباحا حين رن هاتفي.. صوت حماتي الذي لا يبشر بخير أبدا يا هناء تعالي يا بنتي نضفي شقتي عشان رمضان ماليش غيرك وانتي الشاطرة اللي فينا. رغم أنني كنت أشعر بوهن في جسدي من تنظيف شقتي وطلبات أطفالي إلا أنني قلت في نفسي هي مقام أمي والخير في مساعدة الكبار. ذهبت وأنا أحمل هم جسدي لكنني لم أكن أعلم أن هذا اليوم سيكون بداية الزلزال في بيتي!
لم تترك حماتي زاوية في الشقة إلا وأمرتني بفركها. غسلت الستائر الثقيلة شطفت السجاد ومسحت النجف قطعة قطعة. كنت أتصبب عرقا ويدي ترتعش من التعب وهي تجلس على أريكتها تشرب الشاي وتراقبني بعينين كالصقر. كلما انتهيت من غرفة قالت لسه يا هناء المطبخ محتاج شيلة كبيرة. انتهيت وأنا أشعر أن ظهري سينكسر وكنت أنتظر مجرد كلمة تسلم إيدك.. لكن ما قالته صدم كل توقعاتي!
نظرت إلي بكل برود وقالت بقولك إيه يا هناء بكرة تروحي شقة بنتي أخت عصام تنضفيها أصل البت ضعيفة وتعبانة ومش حمل مجهود وعيالها هادين حيلها. شعرت وكأن صاعقة ضربتني! بنتها التي تصغرني بخمس سنوات والتي تذهب للصالة الرياضية يوميا أصبحت الآن ضعيفة وأنا هل أنا آلة لا تشعر هنا قررت لأول مرة أن أنطق بكلمة لا.
قلت لها بأدب يا ماما أنا كمان والله جسمي واجعني جدا مش
دخل عصام المنزل ووجهه محتقن باللون الأحمر. لم يقل السلام عليكم بل صرخ أنت إزاي تتنططي على أمي إزاي تقولي لها إنك مش خدامة عندها ولا عند بنتها!. عرفت فورا أن حماتي نسجت قصة خيالية جعلتني فيها الجانية والظالمة. حاولت الدفاع عن نفسي لكنه كان مشحونا تماما وقال جملة حطمت قلبي لو بنتي طلبت منك حاجة تتنفذ من غير نقاش وإلا كل واحد يروح لحاله!.
في اليوم التالي وبينما كنت أبكي في غرفتي فتحت فيسبوك لأجد ستوري لأخت زوجي. كانت في أحد الفنادق الفاخرة تتناول الغداء بضحكات عالية وكاتبة أخيرا خلصت من هم البيت ومسؤولياته وخرجت أفك عن نفسي!. أرسلت الصورة فورا لعصام. كانت هذه القشة التي قصمت ظهر البعير. ساد الصمت بيننا لساعات قبل أن يدرك عصام أنه كان ضحية تمثيلية متقنة من أمه وأخته.
عاد عصام واعتذر لي لكن الجرح كان غائرا. ذهبنا لحماتي وبكل هدوء قلت لها أمام زوجي يا ماما أنا بنتك لو احتجتيني في مرض أو تعب لكن أنا مش بديلة لبنتك عشان هي تخرج تتفسح وأنا أتهد في بيتها. ومن يومها تعلمت أن الكرم الزائد مع من لا يقدرون هو إهانة للنفس.
رمضان هذا العام كان هادئا ليس لأن الشقق نظيفة بل لأن كرامتي