الغـربة وقـلة الأصـل كـاملة
الأمانة حساب.
ثم نظرت إلى أحمد وسمير.
لم أصرخ.
لم أسب.
قلت فقط
أنا مسبتكمش. أنا كنت ببني لكم حياة. بس يمكن غلطتي إني بنيتها لناس ما استاهلوهاش.
كانت الدموع في عيونهم لكنني لم أعد أبحث عن الدموع.
أعلنت أمام الجميع إلغاء كل التوكيلات.
إلغاء كل الصلاحيات.
إقامة دعوى خيانة أمانة.
استرداد كل أصل مسجل باسمي.
في تلك الليلة انتهى الفرح قبل أن يبدأ.
لم تكن المعركة سهلة.
سماح صرخت.
اتهمتني بالقسوة.
قالت إنني أخت بلا قلب.
قالت إنني أكبر من نفسي.
لكن الأوراق كانت تتكلم.
التحويلات واضحة.
العقود واضحة.
الملكية واضحة.
أما أمي فجلست صامتة.
لأول مرة لم تجد كلمات.
لم أطردها إلى الشارع.
لم أقطع عنها الطعام.
خصصت لها معاشا شهريا بسيطا.
يكفي احتياجاتها.
لا أكثر.
قلت لها
الكرامة مش بالدهب الكرامة بالعدل.
أحمد جاء بعد أيام.
دخل غرفتي دون استئذان كما كان يفعل صغيرا.
لكن خطواته هذه المرة كانت ثقيلة.
قال
ماما هو إحنا كنا غلطانين
نظرت إليه طويلا.
قلت
الغلط إنكم صدقتوا رواية واحدة.
الغلط إنكم ما سألتوش.
بكى.
سمير تبعه بعد يومين.
لم أعانقهم فورا.
تركت المسافة تتكلم.
ليتعلموا
استعدت بيتي.
استعدت أرضي.
بعت سيارة سماح.
أعدت هيكلة كل شيء.
لكن الأهم استعدت نفسي.
الغربة علمتني أبني بيوت.
لكن الاختبار علمني أختار من يدخلها.
اليوم أجلس في شرفة بيتي.
لا فيلا فارهة.
لا قاعة ذهبية.
لكن بيت باسمي وبقلبي.
أعمل مشروعا جديدا.
مركز تدريب للنساء العائدات من الغربة.
أعلمهن كيف يحفظن أموالهن.
كيف يكتبن كل شيء.
كيف لا يسلمن تعب العمر لمن يسميه نفحة.
أحمد يعمل معي.
يتعلم الحساب.
سمير بدأ يفهم أن الرجولة ليست في البدلة بل في الوفاء.
أما سماح فالقضية ما زالت مستمرة.
ولست أفرح بسقوطها.
لكنني لا أندم على استرداد حقي.
أنا أمل.
لم أعد تلك التي تبكي في صمت.
لم أعد تلك التي تعتذر عن نجاحها.
أنا امرأة تعلمت أن الكرامة لا تمنح بل تحمى.
وإذا عاد بي الزمن
سأسافر مرة أخرى.
سأعمل مرة أخرى.
لكنني سأكتب كل شيء باسمي.
لأن الحب لا يلغي العقل.
والعائلة لا تعني التنازل.
والنفحة ليست ثلاثين مليونا من عمر امرأة.
هذه ليست نهاية قصة.
هذه بداية بيت لا يدخله إلا من يستحق.
وقفت قدام باب البيت اللي بنيته طوبة طوبة من شقى عمري.. ٢٣ سنة في بلاد
أمي بصت لي ببرود وقالت إيه اللي جابك يا أمل مش كنتي استنيتي لما نخلص جهاز أخوكي وراها ظهرت أختي سماح وهي بتنشف إيديها في فوطة من الطقم الغالي اللي أنا بعتاه وقالت بصوت كله سم إيه ده إنتي جاية تقاسمينا في اللقمتين اللي حيلتنا
سماح زقت الشنطة المقطوعة برجلها وقالت بصي يا أمل البيت مش حمل مصاريف وإنتي شايفة الغلاء.. لو جاية تقعدي يبقى لازم تشوفي لك شغلانة تصرفي بيها على نفسك! أمي هزت راسها وقالت أختك معاها حق والدار ضيقة وأخوكي عاوز يفرش الشقة اللي فوق عشان يتجوز.. لو معاكي قرشين روحي أجري أوضة تلمك.
تخيلوا! أمي بتقولي روحي أجري أوضة وأنا اللي بانية العمارة دي من الألف للياء! كنت شايفة الصالون المذهب والرخام اللي دفعته تمنه دم قلب وهما بيعاملوني كأني شحاتة جاية تسرقهم.
طلعت موبايل آيفون أحدث موديل من جيبي المبهدل وكلمت السواق تعال يا جابر نزل الشنط وطلعها على شقتي التمليك اللي في البرج الجديد. فجأة وشوشهم
ضحكت بوجع وقلت لها خايفين عليا ولا خايفين على القرش أنا كنت جايبة لكل واحدة فيكم طقم دهب وشيك بمبلغ محترم.. بس خلاص مفيش حد يستاهل.
فتحت الشنطة وطلعت منها علب القطيفة المدهبة.. سماح عينيها برقت وأمي قربت عشان تحضني. زقيتهم بهدوء وقلت للسواق يا جابر الدهب ده يروح لدار الأيتام اللي في أول الشارع يتوزع على البنات اليتامي اللي بيجهزوا.. دول أولى بيهم من أهلي اللي طردوني وأنا مفلسة.
أمي صرخت بتوزعي شقاكي للي يسوى واللي ميسواش! رديت عليها الشقى ده تعبت فيه لوحدي ومحدش شال عني.. والبيت ده يا أمي هروح بكرة للمحامي أسحب التوكيل وأكتبه وقف خيري عشان اللي يثمر فيه القرش يكون غريب مش قريب جاحد سبتهم وهما بيصرخوا وبيلطموا ورايا.. ركبت عربيتي ومشيت وأنا حاسة بوجع في قلبي ملوش آخر. الغربة الحقيقية مكنتش في السفر الغربة الحقيقية هي إنك تكتشف إن سندك كان بيحب جيبك مش بيحبك إنت.
نصيحة لكل