تلقيتُ اتصالًا من ابني بعد عامين من وفاته… وما كشفه غيّر حياتي بالكامل.

لمحة نيوز

بقوة.
لقد كان مثل ابننا قالت لكنه لم يتوقف يوما عن البحث عن وجه في ذاكرته.
قدمت لهما سلة مليئة بالهدايا لكنني شعرت أن أي شيء أحمله لا يكفي. الشكر بدا صغيرا أمام ما فعلوه.
جلسنا جميعا قرب الشاطئ. كان البحر هادئا مختلفا عن ذلك البحر الذي ابتلع ابني يوما.
خلع إلياس حذاءه وغمس قدميه في الماء ثم نظر إلي.
خسرت عامين يا أمي.
اقتربت منه كما كنت أفعل حين كان طفلا.
لا يا بني. لقد استعدناهما اليوم.
ابتسم وأغمض عينيه للحظة كأنه يتذوق معنى الجملة.
وقفت هناك والريح المالحة تضرب وجهي وأدركت شيئا لم أظنني سأقوله بعد أن أقمت له قداسا بلا جثمان.
أدركت أن الفقد ليس دائما نهاية.
أن البحر قد يأخذ لكنه أحيانا يعيد.
أن الخيانة قد تزرع سما في فنجان بابونج لكن الحقيقة قادرة على كشفه.
وأن الحب مهما بدا مستحيلا قد يعود حتى لو جاء عند الفجر في مكالمة ترتجف فيها الأصابع وفي همسة تقول أمي افتحي لي. أشعر بالبرد.
ومنذ تلك الليلة لم يعد رنين الهاتف يرعبني.
بل صار يذكرني بأنني سمعت المستحيل وصدقته.
في تمام الساعة 307 فجرا استيقظت ماريا على رنين هاتفها. لم يكن رنينا عاديا بل كان نغمة خاصة بابنها إلياس الذي غرق في البحر قبل عامين. ارتعشت يداها وشعرت بقلبها يخفق بعنف. هل هذا ممكن! سألت نفسها. بصوت يرتجف أجابت ألو. فجاءها صوت أجش ومألوف اخترق سكون الليل أمي... افتحي لي الباب. الجو بارد جدا هنا في الخارج هل عادت روح إلياس أم أن هناك لغزا أعمق من مجرد مكالمة
هرعت ماريا نحو الباب قلبها بين يديها. فتحت الباب ببطء شديد والخوف يمزج بالأمل. الشارع كان
خاليا والظلام يلف المكان.. لكنها لمحت ظلا يتحرك بسرعة خلف شجرة كبيرة على بعد أمتار. ثم سقط شيء من الظل أمام عتبة الباب مباشرة صدفة بحرية ضخمة ومبللة وبجانبها قميص قديم يخص إلياس كان قد ضاع في البحر! صرخت ماريا إلياس! هل أنت هنا. لكن لم يأتها جواب ما الذي يحاول إلياس قوله لها من وراء القبر
عادت ماريا للداخل وهي في حالة صدمة تمسك بالقميص المبلل والصدفة. التقتط هاتفها لتفحص سجل المكالمات لعله حلم. لكن الصدمة كانت هنا الهاتف كان مطفأ تماما وبطاريته فارغة! لم تكن هناك أي مكالمة واردة في سجل المكالمات! أغمي على ماريا للحظات.. حين استفاقت أدركت أن هذا ليس مجرد حلم بل رسالة حقيقية من ابنها. لكن كيف وما هو سر الساعة 307 فجرا هل روح إلياس تحاول التواصل معها بوسيلة تفوق قوانين الطبيعة
مع أن القميص كان مبللا إلا أن ماريا شعرت بحرارة غريبة تنبعث منه. بيدين مرتعشتين تحسست جيوبه.. وهناك وجدت شيئا ملفوفا بعناية داخل كيس بلاستيكي صغير رسالة مكتوبة بخط يد إلياس! كانت الرسالة قديمة يبدو أنه كتبها قبل رحلته البحرية الأخيرة ولم يتمكن من تسليمها. في الرسالة كان إلياس يعتذر لأمه عن شيء لم تكن تعرفه ويخبرها بحبه الشديد ويعدها بأنه سيكون دائما بجانبها حتى لو كان بعيدا. 
في الصباح تحدثت ماريا مع الجيران. أخبرتها سيدة عجوز أنها رأت شابا غريبا يرتدي ملابس الغطس يقف أمام بيت ماريا في تمام الساعة 300 فجرا! كان الشاب يحمل كيسا كبيرا ويحدق في البحر بعيدا. عندما رآها اختفى بسرعة. عادت ماريا إلى الصدفة البحرية التي وجدتها أمام بابها. كان
عليها نقش غريب لم تره من قبل. أخذت الصدفة إلى عالم آثار بحري فأخبرها أن هذه الصدفة نادرة جدا ولا توجد إلا في قاع عميق جدا من البحر وأن النقش هو رمز قديم للصيادين الذين فقدوا أحباءهم في البحر. 
التقى عالم الآثار بالشاب الغامض. تبين أن الشاب كان صديقا لإلياس وغواصا ماهرا. قبل أن يغرق إلياس أخبر صديقه عن رسالة كتبها لوالدته وعن قميص كان يرتديه في رحلته الأولى. طلب منه إذا حدث له مكروه أن يحاول إيصال هذه الأشياء لأمه بأي طريقة. في تلك الليلة غاص الشاب في المكان الذي غرق فيه إلياس ووجد الصدفة النادرة والقميص الذي ابتلعه البحر معجزة! وضع القميص والصدفة أمام باب ماريا ثم استخدم هاتف صديق آخر ليتصل بها ويقلد صوت إلياس ليحقق له آخر أمنية أن تشعر أمه بأنه ما زال حيا ويطلب منها فتح قلبها للحياة من جديد. منذ تلك الليلة لم تعد ماريا وحيدة بل أدركت أن ابنها ترك لها أصدقاء يحملون حبه وأن البحر وإن ابتلع جسده فقد أعاد لها روحه برسالة حب أبدية. 
بعد استلام الرسالة شعرت ماريا أن هناك قطعة مفقودة من اللغز. ذهبت لزيارة قبر إلياس القبر الرمزي وهناك وجدت باقة من الزهور البرية لم تضعها هي! فجأة ظهر رجل مسن يرتدي ملابس رثة كان يهمس أمام القبر لقد فعلتها يا إلياس.. أعدت لها الأمانة. أمسكت به ماريا وهي تصرخ من أنت وما علاقتك بابني. بكى الرجل وقال أنا الرجل الذي أنقذه ابنك من الغرق قبل أن يبتلعه الموج هو.. لقد ضحى بنفسه ليعيش غريب مثلي. الصدمة لم تكن في إنقاذه بل في الأمانة الأخرى التي تركها إلياس مع هذا الرجل!
أخذها الرجل المسن
إلى مغارة قديمة على الشاطئ وقال لها إلياس وجد
هذا الصندوق قبل الحادث بأيام وكان ينوي أن يفاجئك به ليخرجك من الفقر. فتحت ماريا الصندوق لتجد مجموعة من العملات الذهبية القديمة التي تعود لسفينة غارقة ومعها رسالة أخرى هذا تعويضك عن كل دمعة نزلت من عينك يا أمي. لكن الفرحة لم تكتمل فقد بدأت عصابة من لصوص الآثار تلاحق ماريا والرجل المسن بعدما علموا بأمر الصندوق! كيف ستحمي ماريا إرث ابنها من الضياع
في ليلة عاصفة تشبه الليلة التي فقد فيها إلياس حاصر اللصوص ماريا عند صخرة الغروب. طالبوها بالذهب أو الموت. وبينما كانت ماريا تضم الصندوق إلى صدرها وتدعو الله حدث شيء لم يصدقه بشر! ارتفعت موجة ضخمة جدا وصدر من أعماق البحر صوت يشبه زمجرة الرعد نفس الصوت الذي سمعته في الهاتف! أصيب اللصوص بالرعب وظنوا أن البحر ينتقم منهم ففروا هاربين تاركين كل شيء. سكن الموج فجأة وظهر خيال شاب يقف بعيدا على الماء.. يلوح لماريا بابتسامة قبل أن يتلاشى مع ضوء القمر.
استخدمت ماريا الذهب لبناء مأوى لصيادين البحر ومركزا لتعليم السباحة والإنقاذ وأسمته مركز إلياس. لم تعد ماريا تخشى الليل ولا الساعة 307 لأنها علمت أن ابنها لم يرحل هباء بل ترك خلفه أرواحا أنقذها وذكرا لا يموت. في الليلة الأخيرة من القصة رن الهاتف مرة أخرى في نفس الموعد.. لكن هذه المرة لم يكن هناك صوت أجش بل كانت نغمة هادئة جدا.. ورسالة نصية قصيرة ظهرت ثم اختفت الآن أنا دافئ يا أمي.. اضحكي لننام بسلام. نامت ماريا وهي تبتسم لأول مرة منذ عامين مدركة أن الحب أقوى من الموت وأن الغائبين لا يرحلون
طالما نذكرهم ب خير.

تم نسخ الرابط