كانت تطلب مني ملحًا كل يوم… حتى اكتشفت السبب الذي أبكاني
مكانه كذكرى دائمة بأن أبسط الأشياء قد تحمل أعمق المعاني.
وفي كل مرة يطرق أحد بابي
أفتح.
حتى لو كنت متعبة.
حتى لو كان اليوم طويلا.
حتى لو لم أكن في مزاج للكلام.
حتى لو كنت أخشى أن يطلب مني ما لا أستطيع إعطاءه.
أفتح.
لأنني فهمت شيئا لم تعلمني إياه المدرسة ولا المكتب ولا كتب تطوير الذات التي كانت تعدني بالنجاح والسعادة.
فهمت أن الطلبات الصغيرة ليست دائما صغيرة.
ليس الملح وحده ما يطلبه الناس.
أحيانا يطلبون اعترافا بوجودهم.
أحيانا يطلبون أن يسمعهم أحد دون استعجال.
أحيانا يطلبون أن يشعروا بأنهم ما زالوا مرئيين في عالم يمر بهم كأنهم هواء.
وأحيانا يكون ذلك آخر طريق يجدونه ليقولوا دون أن يقولوا صراحة
هل يمكنك أن تراني
وفتح الباب
ليس فعلا عاديا.
قد يكون وعدا بأنك لن تترك أحدا يختفي في صمت.
قد يكون يدا ممدودة فوق هاوية من الوحدة.
قد يكون الملح الذي يعيد للطعام طعمه وللأيام معناها.
قد يكون لحظة صغيرة تغير مسار حياة كاملة.
قد يكون الفارق
بين أن يشعر الإنسان بأنه غير مرئي
وبين أن يشعر بأنه حي حقا.
في حي دوكتورس الموت لا يأتي فجأة بل يتسلل عبر الجدران الرطبة. كنت في الثامنة والعشرين أحمل طفلتي فاليريا وأحمل معها خيبة أمل مريرة تركها لي خوليان ورحل. لكن الرعب الحقيقي لم يكن الفقر بل
بعد طردي ل دونيا ماريا لم يطرق أحد بابي لثلاثة أيام. ساد هدوء قاتل لكن فاليريا الصغيرة كانت ترفض النوم وتنظر دائما إلى ركن مظلم في الغرفة وتضحك! تذكرت كلمات العجوز. ذهبت إلى شقتها لأعتذر وجدت الباب مواربا.. الرائحة كانت غريبة رائحة بخور وأوراق قديمة. دخلت ولم أجد العجوز وجدت صورة على الحائط جعلت صرختي تحتبس في حلقي! في الصورة كانت دونيا ماريا تقف بجانب شاب.. لم يكن غريبا. إنه خوليان! زوجي الذي هجرني! كيف تعرفه وتحت الصورة صندوق معدني صدئ. فتحته بيد ترتجف لأجد رسائل مؤرخة منذ أشهر كلها موجهة لي لكنها لم تصلني أبدا. رسائل كتبها خوليان وهو يبكي.. يخبرني فيها أنه
عرفت مكان العجوز كانت في مشفى حكومي تصارع الموت. ذهبت إليها والأسئلة تنهش عقلي. عندما رأتني أمسكت بيدي بقوة غير طبيعية وهمست الملح الذي كنت آخذه منك.. كنت أرشه حول غرفتك كل ليلة.. هم يراقبونك يا لورا خوليان لم يرحل خوليان كان يحميك من الداخل!. وقبل أن أسألها من هم دخل ممرض بملامح باردة.. ملامح أعرفها جيدا! الممرض كان بابلو صديق خوليان المقرب الذي أخبرني يوم اختفاء خوليان أنه سافر مع امرأة أخرى! نظراته لي كانت تحمل تهديدا صريحا. انسحبت بسرعة ركضت نحو المنزل والآن فهمت كل شيء. الملح لم يكن للطبخ كان علامة.. كان طقسا لحمايتي من بابلو وعصابته الذين يطالبون بخوليان بدين قديم. لكن الصدمة الأكبر كانت تنتظرني داخل منزلي.. الباب كان مفتوحا وفاليريا ليست في سريرها!
فقدت عقلي.. ابنتي اختفت! وفي مكان سريرها وجدت رشة ملح على شكل دائرة وورقة صغيرة مكتوب عليها الثمن غالي يا لورا. تذكرت كلام العجوز عن الملح. ركضت إلى القبو المكان الذي أخبرتني العجوز يوما أنه أمان الحي. هناك وسط الظلام سمعت صوت بكاء خافت.. وصوت رجل يتحدث بلهجة غاضبة. التكملة أول تعليق كان
بعد الانفجار والانهيار الجزئي للقبو استيقظت لأجد نفسي تحت الأنقاض. الصمت كان سيد المكان حتى سمعت صوت سعال. كانت دونيا ماريا جسدها النحيل حمى فاليريا من الحجارة المتساقطة. بابلو ورجاله هربوا خوفا من الشرطة التي وصلت فورا. وبينما كان المسعفون يخرجوننا طلبت مني العجوز أن أقترب.. التكملة أول تعليق همست لي تحت بلاطة المطبخ في شقتي.. هناك الأمان. توفيت دونيا ماريا في تلك الليلة بطلة مجهولة لم يعرف أحد قدرها. ذهبت إلى شقتها رفعت البلاطة ووجدت ثروة.. ليست ذهبا بل وثائق تثبت تورط بابلو في جرائم قتل ومبلغا من المال وضعه خوليان قبل أن يختفي للأبد ليضمن حياتنا. خوليان لم يمت بل هو في برنامج حماية الشهود والرسالة
الأخيرة منه كانت سأعود يوما عندما ينتهي الملح. اليوم كلما طرقت جارة بابي أبتسم.. وأعطيها الملح بحب لأنني تعلمت أن وراء