استأجرتُ شابًا لقصّ العشب… وبعد ساعة اتصل هامسًا: «سيدي… في أحد داخل البيت!»
قبوك أنقذ حياتها.
جلستُ. أغمضتُ عيني. لم أرد أن أشعر أنني بطل. كل ما أردته أن يعود البيت بيتًا.
لكن الحقيقة أن البيت لم يعد كما كان. لأنني صرت أعرف شيئًا كنت أجهله قبلًا الطبيعية ليست إلا بابًا وأحيانًا يكفي ثقب في الحديقة ليتسلل منه الرعب.
وكذلك يكفي اتصال واحد، همسٌ في الوقت المناسب، كي لا ينتصر.
لا نستطيع التحكم بكل الظلام الموجود هناك في الخارج. لكننا نستطيع أن نصير ذلك الضوء الصغير حين يحتاجه شخص آخر بشدة.
في بلدٍ يجعلنا الخوف أحيانًا ننظر إلى جهة أخرى، ما تزال هناك أناس يقررون أن يصغوا ويقررون أن يتحركوا.
وأنت لو سمعتَ بكاءً يطلب النجدة وسط الصمت، ماذا ستفعل؟
بعد أن صرختُ في ديلان لا تدخل يا ديلان! انتظرني!.. انقطع الاتصال تماماً. حاولتُ الاتصال به مرة، واثنتين، وعشرة.. لكن هاتفه كان يعطي خارج التغطية.
كان الطريق إلى سانتاندير يبدو وكأنه آلاف الكيلومترات. كنت أضغط على دواسة السرعة وعقلي يصور لي أبشع السيناريوهات.
وصلتُ أخيراً.. الحديقة كانت هادئة بشكلٍ مرعب. آلة قص العشب كانت لا تزال تعمل في مكانها، تلتهم العشب في بقعة واحدة وتصدر صوتاً مزعجاً، لكن ديلان لم يكن هناك.
نزلتُ من السيارة، ممسكاً بمفتاح منزلي بيد، وهراوة حديدية باليد الأخرى. توجهتُ نحو باب القبو الخلفي الذي قال ديلان إنه وجده مفتوحاً.. وبالفعل، كان الباب موارباً، ومن الداخل تفوح رائحة تراب قديم ورطوبة خانقة لم أشمها من قبل!
نزلتُ أول درجة.. ثم الثانية. كان الظلام في القبو دامساً رغم أننا في وضح النهار. أشعلتُ كشاف هاتفي، وبالكاد استطعت رؤية هاتف ديلان ملقى على الأرض، وشاشته تومض برسالة لم تُرسل بعد سيدي.. هذا ليس بشراً!
تجمدتُ في مكاني. وفجأة، سمعتُ الصوت مرة أخرى. لم يكن بكاءً.. كان نحيباً عميقاً
بدأتُ أتحسس الجدار بيدي المرتعشة، حتى شعرتُ بفراغ خلف الرفوف الخشبية الثقيلة. دفعتُ الرفوف بكل قوتي لتكشف عن نفق ضيق محفور يدوياً، يمتد أسفل المنزل ويؤدي إلى جهة غير معلومة!
لم أهتم بحياتي بقدر ما اهتممت بمصير ذلك الشاب المسكين. دخلتُ النفق زحفاً، والبرد ينهش عظامي، حتى وصلتُ إلى غرفة صغيرة تحت الأرض.. وهناك رأيتُ ما جعل قلبي يسقط!
في تلك الغرفة المخفية، كان ديلان ملقى في الزاوية، فاقداً للوعي لكنه يتنفس. وأمامه.. كانت هناك طاولة خشبية قديمة، عليها صور لعائلتي!
صور لابنتي وهي تلعب في الحديقة.. صور لزوجتي.. وصور لي وأنا أدخل وأخرج من المنزل. كانت الصور ملتقطة من زوايا مستحيلة، كأن هناك من كان يعيش معنا في نفس الغرفة دون أن نراه!
وفجأة، شعرتُ بنفسٍ بارد على رقبتي.. وصوت أجش يهمس خلف أذني مباشرة لقد تأخرت على العشاء يا سيد هارتلي.. ابنتك كانت تتساءل متى ستعود.
الرعب شلّ حركتي. ابنتي؟ ابنتي في المدينة الأخرى مع والدتها! كيف لهذا المسخ أن يعرف عنها شيئاً؟
التفتُ بسرعة لأجد رجلاً نحيلاً جداً، بشرته شاحبة كأنه لم يرَ الشمس منذ عقود، يرتدي ملابس قديمة تعود لسنوات طويلة. كان هو ساكن الظل الذي كان يعيش تحت منزلي، يستخدم القبو كممر والإنتركوم ليراقبنا.
بضربة واحدة من الهراوة، استطعتُ إبعاده وسحب ديلان معي نحو المخرج. خرجنا من ذلك النفق والشرطة كانت قد وصلت بالفعل بعد بلاغ من أحد الجيران الذي سمع صراخي.
بعد التحقيقات، اكتشفنا أن هذا الرجل كان المالك الأصلي للأرض قبل أن تُبنى الضواحي، وكان يرفض ترك منزله القديم الذي دُفن تحت الخرسانة.
المرعب في الأمر.. أنني عندما اتصلتُ بزوجتي لأطمئن على ابنتي، قالت لي بجملة واحدة جعلتني أترك المدينة فوراً
بعتُ المنزل في اليوم التالي بأي ثمن.. وما زلتُ حتى اليوم، في منزلي الجديد، أتفقد الجدران كل ليلة قبل أن أنام، خوفاً من أن أسمع ذلك النحيب مرة أخرى.
بعد أسبوع من الحادثة، وبينما كنتُ أحاول استجماع شتات نفسي في شقة مؤقتة بعيدة عن ذلك المنزل الملعون، اهتز هاتفي.. رسالة نصية من رقم مجهول.
فتحتها بيدي المرتعشة، وكان محتواها صورة واحدة فقط صورة لآلة قص العشب وهي متوقفة في حديقتي القديمة، وتحتها مكتوب بخط يدوي على التراب لقد نسيتَ أن تدفع الحساب!
الرعب لم ينتهِ ببيعي للمنزل. الرجل الشاحب لم يكن مجرد شخص مختل يعيش تحت الأرض، بل كان يعرف عني أكثر مما أعرف عن نفسي.
ذهبتُ إلى ديلان في المستشفى، الشاب الذي قص العشب وكان الضحية الأولى. كان يجلس صامتاً ينظر إلى الفراغ. عندما رآني، أمسك بيدي وقوة قبضته آلمتني، وهمس بكلمات لم أفهمها إلا لاحقاً سيدي.. لم يكن هناك نفق واحد.. المنزل كله كان عبارة عن قفص، ونحن كنا الطيور!
بدأتُ أبحث في تاريخ ديلان كوبر. لماذا وافق شاب جامعي متفوق على العمل في قص العشب في حيّ بعيد كحيّنا؟
اكتشفتُ الحقيقة التي زلزلت كياني. ديلان لم يكن طالباً يبحث عن عمل بسيط.. ديلان هو ابن المالك الذي سكن منزلي قبلي! الرجل الذي قيل إنه انتحر في القبو منذ عشر سنوات!
ركضتُ إلى المستشفى لأواجهه، لكن الغرفة كانت خالية. الممرضة قالت لي بذهول السيد ديلان خرج منذ ساعة مع والده!
قلت لها بصراخ أي والد؟ والده ميت منذ سنوات! أشارت إلى كاميرا المراقبة.. وهناك
رأيته. ديلان يمشي بهدوء، وبجانبه الرجل الشاحب الذي هاجمني في النفق. كانا يمشيان جنباً إلى جنب كأنهما يخططان لشيء ما.. والتفت الرجل الشاحب نحو
لم يكن أمامي خيار. حياتي وحياة ابنتي في خطر. قررتُ العودة إلى المنزل القديم ليلاً، قبل أن يتسلمه المالك الجديد. كنتُ أريد أن أفهم.. ماذا يوجد خلف ذلك الجدار الذي لم تكتشفه الشرطة؟
دخلتُ القبو مرة أخرى. كانت الرائحة أقوى، رائحة كبريت واحتراق. توجهتُ إلى النفق، لكنني وجدته مسدوداً بأسمنت حديث!
وفجأة، رنّ جرس الباب العلوي. طرقات هادئة.. ومنتظمة. نظرتُ من فتحة صغيرة في باب القبو، وكان الواقف عند الباب هو ديلان.. ومعه حقيبة سفر تشبه حقيبتي تماماً.
فتح ديلان الباب بمفتاحه الخاص الذي لا أعرف من أين أحضره ودخل المنزل وهو يغني نفس الأغنية التي سمعتها في القبو!
إيفان.. أعرف أنك بالأسفل. لا تتعب نفسك بالهرب، القبو هو المكان الوحيد الذي لا يمكنهم رؤيتك فيه.
نزلتُ إلى أعمق نقطة في القبو، وهناك وجدتُ مذكرات مخبأة خلف طوب قديم. المذكرات كانت تخص عائلة كوبر.
الحقيقة كانت أبشع من الخيال المنزل لم يكن مسكوناً، بل كان محطة مراقبة سرية بُنيت منذ الحرب، والأنفاق تحت الأرض تمتد لتربط كل منازل الحي ببعضها البعض.
الرجل الشاحب وديلان لم يكونوا أعداء، بل كانوا حراس السر. وظيفتهم هي التأكد من أن أحداً من سكان الحي لا يكتشف الأنفاق. وعندما بدأ ديلان يسمع البكاء، كان يحاول تحذيري بطريقته الخاصة قبل أن يتم تجنيده قسراً من قِبل والده الذي زيف موته ليعيش في الظلال.
ديلان لم يكن يريد إيذائي، بل كان يريدني أن أهرب وأختفي للأبد. هربتُ من نافذة القبو بينما كان ديلان يحرق المنزل بالكامل ليدفن السر معه ومع والده.
اليوم، أعيش في بلد آخر، بهوية جديدة. لكن في كل مرة أمشي فيها فوق أرض رخامية أو خشبية، أتوقف للحظة.. وأتخيل أن هناك من يسير تحت قدمي، في