عشية زفافي ذهبتُ لزيارة قبر زوجتي الراحلة فظهر شخصٌ غيّر حياتي بالكامل

لمحة نيوز

المۏت لا ينهي الحب لكنه لا يبرر أن ندفن أنفسنا معه 
ومنذ ذلك اليوم بدأت أرى لورا بعين أخرى 
لم تعد مجرد المرأة التي انتظرتني
ولا السند الذي احتميت به عندما كنت أختنق بخۏفي
ولا اليد التي أمسكت بيدي حين كنت أقاوم ذكرياتي 
بل أصبحت المرأة التي اختارت أن تحبني رغم أنني كنت غارقا في ظلي 
المرأة التي رأت في داخلي حياة بينما كنت لا أرى سوى فقد لا ينتهي 
المرأة التي لم تطلب شيئا سوى أن أكون صادقا مع نفسي 
ولأول مرة منذ ۏفاة ماريانا أحسست أن قلبي لا يخون ذكراها حين ينبض للحياة من جديد
بل يكرمها حين يختار أن يستمر 
لقد تعلمت أن العيش ليس خېانة للموتى
بل امتداد للحب الذي منحونا إياه في حياتهم 
ومنذ ذلك اليوم صرت أقدر التفاصيل الصغيرة 
ضحكة لورا عند الصباح
الوقت الذي نقضيه نتحدث فيه بلا سبب
فنجان الشاي الذي تعده حين تشعر أنني متوتر
والطمأنينة التي يتركها وجودها في غرفتي في بيتي وفي قلبي 
تغيرت حياتي لأنني تغيرت أنا 
صرت أعرف أن الحب ليس الحنين
وليس البكاء على الأطلال
وليس البحث عن بديل لذكرى عزيزة 
الحب كما فهمته أخيرا
هو أن تجد شخصا لا يملأ مكان الراحلين
بل
يفتح لك مكانا جديدا لم تعرف أنه كان خاليا 
وتأكدت أن لقاءي بإيزابيل لم يكن صدفة
بل كان طريقا كي أعود إلى نفسي 
كي أرى أن قلبي لم يمت حين ماټت ماريانا
بل كان ينتظر من يوقظه لا من يعيده إلى الحزن 
ومنذ ذلك اليوم
خطوت إلى الأمام بثقة لم أعرفها من قبل
وأمسكت بيد لورا
وأدركت أن الحياة رغم قسۏتها لا تزال تمنحنا فرصا
وأن الشفاء ممكن
وأن الماضي مهما كان عزيزا لا يجب أن يصبح سجنا
وقفت في نص الشارع والرسالة في إيدي، العنوان اللي سارة كتبته كان في حي شعبي بعيد جداً عن بيتنا. ركبت عربيتي وسوقت بجنون، كان فاضل أقل من ٢٤ ساعة على فرحي، والناس بتبعت لي رسايل بتهنيني، وأنا عقلي مش معايا.. أنا مع سارة، مع سرها اللي دفنته تحت التراب.
وصلت العنوان، بيت قديم متهالك.. خبطت على الباب، فتحت لي ست عجوزة ملامحها طيبة لكنها مخضوضة. أول ما شافتني، سألتني أنت يونس؟ هزيت رأسي ب أيوة، لقتها دموعها نزلت وقالت اتأخرت ليه يا ابني؟ سارة ماتت وهي بتوصيني عليك وعلى الأمانة اللي سابتها عندي!
دخلت الشقة، كانت ريحة بخور مالي المكان، وفجأة سمعت صوت ضحكة طفلة صغيرة.. طفلة عندها حوالي ٤ سنين، قاعدة بتلعب ب عروسة قماش قديمة.
أول ما شافتني، سكتت.. بصت لي بعيون هي عيون سارة، نفس الرسمة، ونفس اللمعة. الست العجوزة قالت لي دي ليلى.. سارة ولدت قبل الحادثة بشهر، كانت عارفة إن عندها مشكلة في القلب وإنها ممكن تموت في أي لحظة، فخبت عنك الحمل عشان ماتعشيش في رعب، ولما ولدت سابتها عندي لحد ما تعمل العملية للبنت.. لكن الحادثة كانت أسرع منها!
رجعت البيت وأنا شايل ليلى على إيدي، كانت نايمة على كتفي وكأنها عارفة إن ده حضن أبوها. أهلي كانوا في البيت، والزينة متعلقة، وخطيبتي هبة كانت قاعدة بتجرب فستان الفرح مع أمي. أول ما دخلت بالبنت، الصمت ساد المكان. أمي مين دي يا يونس؟ وجبتها منين في ليلة فرحك؟ حكيت ليهم كل حاجة، ووريتهم الرسالة.. هبة خطيبتي وقفت، وشها ابيضّ، وبصت لي بذهول يعني أنت كنت مخبي عليا إن عندك بنت؟ رديت عليها بكسرة أنا نفسي ماكنتش أعرف يا هبة.. سارة هي اللي خبت عشان تحميني!
هبة كانت قدام خيارين؛ يا تقبل بنتي وتكمل معايا، يا تمشي. وأنا كنت واضح ليلى مش هتبعد عني لحظة واحدة، دي ريحة الغالية، دي اللي سارة ضحت بحياتها عشانها. هبة بكت بحرقة، قلعت دبلتها وحطتها على التربيزة وقالت أنا مقدرة يا يونس، بس أنا مش قد المسؤولية دي، مش
هقدر أربي بنت ضرتي اللي أنت لسه بتعشقها ومابطلتش تزور قبرها. خرجت هبة، وانتهى مشروع الجواز في ليلة الدخلة.. المعازيم اتصلوا بيهم وبلغوهم إن الفرح اتلغى لظرف طارئ.
مرت الشهور، ليلى بدأت تتعالج، وأنا وهبت حياتي كلها ليها. كنت فاكر إني هعيش وحيد، لحد ما في يوم، وأنا في المستشفى بتابع حالة ليلى، لقيت دكتورة شابة مهتمة جداً بحالة بنتي، كانت بتعاملها بحنية مش طبيعية. عرفت بعدين إن الدكتورة دي كانت صديقة سارة المقربة في الجامعة، وإن سارة كانت حكيا لها عني وعن حبنا، لكنها فقدت التواصل معانا بعد الجواز.
الدكتورة دي اسمها مريم طلعت لي ورقة تانية، كانت سارة سايباها معاها لو مت يا مريم ويونس عرف الحقيقة، خليكي جنبه وجنب بنتي، أنتِ الوحيدة اللي هتصوني سري وهتحبي ليلى كأنها بنتك. أدركت في اللحظة دي إن سارة كانت مرتبة كل حاجة، حتى حياتي بعد ما تمشي.. وكأنها كانت ملاك حارس بيبعت لي الرسايل من ورا القبر.
اتجوزت مريم، وليلى كبرت وهي بتناديها ماما، وأنا بقيت كل ما أروح أزور قبر سارة، مش بروح بدموع ووجع، بروح ومعايا بنتها وبقول لها نامي وارتاحي يا سارة.. الأمانة في الحفظ والصون، والرسالة اللي سبتيها تحت الرخامة كانت
هي طوق النجاة اللي رجعني للحياة تاني.

تم نسخ الرابط