كنتُ أسرق طعامه كلّ يوم… حتى علّمتني قطعة خبز معنى الغِنى الحقيقي
فاكره جنة، شفته كأنه سجن بارد. دخلت المطبخ لقيت أنواع الأكل اللي تخطر على البال، بس مكنتش قادر أمد إيدي على حاجة. افتكرت جملة أمه أنا مأكلتش عشان أنت تاكل.
تاني يوم، مكنتش عايز أعمل المزحة المعتادة. استنيت وقت الاستراحة، وبدل ما أخطف كيس ياسين، رحت قعدت جنبه. الكل كان مراقبنا، فاكرين إن دي خطة جديدة لإذلاله. طلعت علبة غدا فخمة مليانة بكل ما لذ وطاب، وقلت له ياسين.. والدتي عملت أكل كتير النهاردة، ومستحيل أقدر أخلصه لوحدي.. ممكن تساعدني؟
ياسين بص للأكل وبعدين بص لي، وفهم إني قرأت الرسالة. هز راسه بالرفض وقال بكرامة توجع القلب شكراً.. أنا شبعان. عرفت إن الاعتذار باللسان مش كفاية، وإن الكسر اللي سببته له محتاج وقت عشان يلم. قررت أغير طريقتي تماماً.
بدأت أراقب ياسين من بعيد، عرفت إنه بيروح مشي لمسافة طويلة عشان يوفر تمن المواصلات لأمه. وفي يوم، قررت أتبعه من غير ما يشوفني. وصل لبيت قديم جداً في منطقة مهجورة. شفت ست ملامحها تعبانة جداً مستنياه عند الباب.. كانت أمه. شفتها وهي بتحضنه بفخر، وهو بيبتسم لها وبيقول لها الأكل كان تحفة النهاردة يا أمي، رغم إنه كان عيش وجبنة قديمة!
في اللحظة دي، قررت أستخدم سلطة عيلتي اللي كنت بتباهى بيها، بس المرة دي في الخير. كلمت والدي وقلت
بعد أسبوع، المدير استدعى ياسين. ياسين دخل وهو خايف يكون فيه مشكلة، لكنه خرج والدموع مغرقة وشه.. المنحة اتقبلت، ومش بس كدا، والدي وظف والدته في إحدى شركاتنا في قسم الإدارة براتب محترم عشان ذكاء ابنها.
ياسين جالي الفصل، وقف قدامي وهو مش مصدق. قلت له أنا اللي محتاج أشكرك يا ياسين.. أنت والرسالة اللي كانت في كيسك أنقذتوني من إني أكون مجرد شنطة فلوس ماشية على الأرض.. علمتوني يعني إيه شبع، ويعني إيه حب.
ياسين حضني قدام المدرسة كلها، والمرة دي الضحكات مكنتش سخرية، كانت تصفيق حار لميلاد صداقة حقيقية.
بعد مرور شهر، طلبتُ من والدي أن يدعو ياسين ووالدته لتناول العشاء في قصرنا. في البداية، كان والدي ووالدتي معترضين كيف ندعو عاملاً وابنه إلى مائدتنا؟، لكنني وقفتُ أمامهما وبكل قوة أخرجتُ الورقة المجعدة التي كتبتها أم ياسين وقلت لهما هذه الورقة فيها حب وتضحية أكثر من كل الصفقات التي عقدتماها في حياتكما.. إذا لم يأتيا، سأترك هذا القصر ولن أعود.
خاف والدي على مظهره، ووافق. عندما وصلت أم ياسين بملابسها البسيطة المحتشمة، كانت تمشي بوقار عجيب. وعلى مائدة العشاء، بدأ
ساد صمت رهيب، ولأول مرة رأيت والدي ينظر للأرض خجلاً!
مرت السنوات، وأصبحنا أنا وياسين لا نفترق. كنتُ أساعده في الدروس التي يتفوق فيها، وكان هو يساعدني في فهم الحياة. لكن الاختبار الحقيقي جاء في سنة التخرج.. والدي تعرض لأزمة مالية ضخمة وخسرنا كل شيء تقريباً؛ القصر، السيارات، وحتى اسم العائلة اهتز.
أصدقائي الأغنياء الذين كانوا يضحكون معي على ياسين، اختفوا جميعاً. لم يتبقَ بجانبي سوى شخص واحد.. ياسين. جاءني ياسين وهو يحمل حقيبة صغيرة، وقال لي تذكر يوم أن وضعت يدك في جيبي وأعطيتني المنحة؟ اليوم والدي الذي كان قد حصل على منصب جيد بفضل اجتهاده في شركة والدي سابقاً وأنا، جمعنا كل مدخراتنا.. خذ هذا المبلغ، وابدأ من جديد.
انفجرتُ بالبكاء.. الشخص الذي كنت أسرق طعامه، جاء اليوم ليطعمني من رزقه الحلال!
بفضل دعم ياسين وعقله العبقري، وبفضل الأموال التي ادخرها والده، افتتحنا شركة صغيرة للتكنولوجيا. كنا نعمل 18 ساعة يومياً. ياسين يبتكر، وأنا أسوّق. وفي غضون عامين،
في يوم الافتتاح الكبير لمقرنا الجديد، وقفتُ على المنصة وأمسكتُ الميكروفون وأخرجتُ من جيبي الورقة القديمة.. نعم، كنتُ لا أزال أحتفظ بورقة أم ياسين المجعدة داخل محفظتي ك تميمة حظ. قلتُ أمام مئات المستثمرين والكاميرات هذه الورقة هي رأس مال شركتنا الحقيقي.. لولا فقر هذا الرجل وتضحية هذه الأم، لما كنتُ أنا الآن إنساناً ناجحاً.
قررنا أنا وياسين أن نزور مدرستنا القديمة. دخلنا من البوابة بسياراتنا، لكننا نزلنا بعيداً ومشينا على أقدامنا. ذهبنا إلى نفس الطاولة التي كنتُ أسخر منه فوقها. كان هناك طفل صغير يتنمر على زميل له.. اقترب منه ياسين بابتسامة حزينة، وأخرج من جيبه كيس ورقي بني فيه ساندوتش، وأعطاه للطفل الفقير، ثم نظر للمتنمر وقال له لا تكسر قلبه.. فربما يكون هو من سيوظفك في المستقبل، أو ربما يكون هو من سينقذ حياتك كما فعل معي هذا الرجل.
تزوج ياسين من فتاة صالحة، وأنا استعدتُ ثروة عائلتي بجهدي وليس بمال والدي. أم ياسين الآن تعيش في بيت واسع، لكنها لا تزال تصر على أن تصنع لياسين ساندوتش الجبنة كل يوم قبل ذهابه للشركة.. وياسين لا يزال يأكله
بمتعة تفوق أي طعام فخم.
تعلمتُ أن القوة ليست في أن تكسر الضعيف، بل