مفاجأة عمري
معناها الدم.. ولا معناها التضحية والستر
لحد النهاردة كل ما أفتكر أمي مابقتش بشوف الست القاسية اللي كتبت وصية غريبة وجعتنا كلنا.. بقيت بشوف أم اختارت تكون هي الشريرة في الحكاية عشان بنتها تعيش بكرامة. يمكن أمي مكانتش قديسة بس الأكيد إنها كانت أم.. وأم قوية جدا.
تمت
نرمين همام
بعد ما سوزي وقعت من طولها، العزا اتقلب لهرج ومرج. الناس بدأت تتوشوش بكلمات زي السم يا ترى عملت إيه؟، أكيد فيه مصيبة شابت لها الولدان، دي شكلها مكنتش بنتها أصلاً!.
شلنا سوزي ودخلناها الأوضة، والمحامي كان لسه واقف وشه في الأرض. مسكته من رقبته وقلت له بزعيق انطق يا متر! الكلام ده أكيد فيه غلط.. أمي كانت بتعشق سوزي، إزاي تكتب كدا؟ المحامي طلع ظرف تاني مغلق بالشمع الأحمر، وقال بصوت واطي الحاجة فاطمة سلمتني الظرف ده، وقالت لي ميتفتحش إلا لو سوزي اعترضت أو لو حد شك في الوصية.. والظرف ده فيه السر!
سوزي فاقت، كانت بتترعش زي الورقة في مهب الريح. بصت للظرف وصرخت بانهيار لا يا أبيه! متفتحوش! احرقه يا أبيه أبوس إيدك! نظراتها المرعوبة خلت الشك يدخل قلبي. ليه سوزي خايفة كدا لو هي بريئة؟ ليه أمي اللي كانت بتنفس من روحها، قررت تدبحها بالوصية دي؟
فتحت الظرف تحت ضغط إخواتي والفضول اللي كان بياكلنا. لقيت ورقة مكتوبة بخط إيد أمي، بس الخط المرة دي كان مهزوز، وكأنها كانت بتكتب وهي بتبكي دم. الورقة كان فيها صورة قديمة.. صورة لأمي وهي في المستشفى من 20 سنة، وجنبها ممرضة وشها مش باين، ومكتوب تحتها الحقيقة اللي كنت فاكرة إني هاخدها معايا القبر.. بس ربنا
بدأت أقرأ بصوت عالي يا ولادي، أنا طول عمري عايشة بتمثيلية.. سوزي مش أختكم! سوزي تبقى بنت الممرضة اللي كانت بتولدني في أختكم الحقيقية. الممرضة دي غلطت غلطة عمرها وبدلت بنتي الميتة ببنتها هي عشان تضمن لها عيشة رغدة في وسطكم.
الجمهور كله سكت.. سوزي كانت بتشهق بصوت مسموع. كملت قراءة والدموع في عيني عرفت الحقيقة وسكت، وقلت أربي البنت وأعتبرها بنتي، وحبيتها فعلاً.. لغاية ما من شهرين، شفت سوزي وهي بتتكلم في التليفون مع أمها الحقيقية، الممرضة اللي لسه عايشة.. وسمعتها وهي بتقول لها أنا خلاص خليت فاطمة تكتب لي كل حاجة، والعيال الهبل دول مش هياخدوا مليم، والست دي أيامها معدودة وهخلص منها.
الصدمة كانت أكبر من احتمالنا. أمي كملت في الرسالة سوزي كانت بتديني الدواء غلط عشان أموت بسرعة وأورثها الأرض والبيت قبل ما حد يكتشف حاجة.. سوزي مكنتش بنتي الحبيبة، سوزي كانت الأفعى اللي ربيتها في حضني ولما كبرت أول حد نهشته كان أنا.
بصيت لسوزي بنظرة كلها احتقار.. البنت اللي كنا بنشيلها من على الأرض شيل، طلعت بتخطط لقتل أمي عشان الورث! طلعت عارفة إنها مش بنتنا وبدل ما تصون الجميل، كانت بتمضي لأمي على موتها بالبطيء.
سوزي قامت وقفت، ملامحها البريئة اختفت تماماً، وظهر وش تاني عمري ما شفته.. وش شيطان. ضحكت بسخرية وقالت أيوه! أنا مش أختكم، وأنا اللي كنت ببدل الدواء.. بس كنت فاكرة إن الست دي هتموت وهي غبية ومبتفهمش! طلعت أذكى مني وكتبت الوصية دي عشان تحرمني من كل حاجة حتى التربة؟
في اللحظة دي، أخويا الكبير مقدرش يمسك نفسه،
صوت سرينة البوليس كان بيقرب من البيت.. سوزي حاولت تهرب من البلكونة، بس الرجالة كانوا محاوطين البيت كله. اتقبض عليها بتهمة الشروع في قتل والدتها بالتبني والتزوير.
أما الوصية، فكانت الدرس اللي أمي سابتهولنا.. إن الطيب مش دايماً ساذج، وإن الحق لازم يرجع لأصحابه حتى لو بعد فوات الأوان.
دفنا أمي في تربتها، ونفذنا وصيتها بالحرف.. سوزي محضرتش الدفن، ولا الغسل، ولا حد مننا سمى عليها. اتقفلت شقتها واتباعت وتوزعت فلوسها على الفقراء صدقة جارية على روح أمي اللي اتغدر بيها.
سوزي قضت حياتها ورا القضبان، وأمها الممرضة اتقبض عليها هي كمان. وفضلت جملة أمي في ودني لغاية النهاردة القلب اللي بيحب بصدق، بيعرف يكسر بصدق لما يتوجع.
سوزي مكنتش متخيلة إن البنورة اللي كانت بتأمر وتنهي، هتلبس البدلة البيضاء وتنام على برش القمامة. في السجن، ملامحها بدأت تتغير، الجمال اللي كانت بتصرف عليه آلاف من فلوس أمي دبل، وبقت وحيدة تماماً. أمها الحقيقية الممرضة اتبرأت منها في التحقيقات وقالت إن سوزي هي اللي حرضتها عشان تهرب هي من العقوبة، والاتنين بقوا بياكلوا في بعض قدام القاضي.
أنا رحت زرتها مرة واحدة بس، مش عشان أشمت، لكن عشان أسألها سؤال واحد ليه؟ أمي قصرت معاكي في إيه؟ بصت لي من ورا السلك وعينيها فيها غل غريب وقالت أمي كانت بتديني حب، بس أنا كنت عايزة أصل.. كنت بكرهكم
بعد سنة من سجن سوزي، وإحنا بنوضب أوضة أمي عشان نطلع صدقة جارية، اكتشفنا حاجة غريبة.. فيه بلاطة في الأرض تحت
السرير كانت بتتحرك. شلناها ولقينا صندوق حديد قديم ومعاه مفتاح. فتحنا الصندوق ولقينا دهب أمي كله اللي كنا فاكرين إن سوزي سرقته أو باعته.. ومعاه رسالة تانية مكتوبة بتاريخ قديم جداً، من يوم ما أمي عرفت إن سوزي مش بنتها.
الرسالة كان مكتوب فيها أنا عارفة إن سوزي بتسرقني وبتنهبني، وعارفة إنها بتكرهكم.. الدهب ده شلته عشانكم أنتم، عشان أعوضكم عن الحرمان اللي عيشتوه بسببي وأنا بدلعها.. سامحوني يا ولادي، كنت بحاول أشتري رضاها عشان متبقاش مجرمة، بس العرق دساس.
أخويا الكبير حلم بحلم غريب.. شاف أمي واقفة قدام باب التربة، وشاف واحدة ست بملابس رثة بتحاول تدخل، وأمي بتزقها بقوة وبتقول المكان ده للطاهرين بس. تاني يوم عرفنا إن سوزي حاولت تنهي حياتها في السجن وفشلت، وكأن القدر عايزها تعيش وتدوق الذل يوم ورا يوم، ومتحصلش حتى على راحة الموت اللي كانت مستعجلة عليها لأمي.
إحنا قررنا نفتح دار أيتام باسم الحاجة فاطمة، وعملنا وقف خيري كبير من دهبها وورثها. وفي يوم الافتتاح، جات لنا ست عجوزة بتعيط، وقالت لنا إنها كانت جارة الممرضة زمان، وإن الحقيقة إن أمي مكنتش ساذجة.. أمي كانت عارفة إن سوزي مش بنتها من أول يوم، بس قررت تسكت عشان تستر على الفضيحة وتحمي سمعة العيلة، وفضلت شايلة الهم ده 20 سنة لوحدها.
أمي ماتت وهي شهيدة