محطـة المـترو كـاملة
أوائل التلاتينات.
التعب مرسوم على ملامحها بوضوح.
وفي حضنها بنت صغيرة يمكن عندها ست سنين نايمة بعمق.
البنت لابسة جاكت أكبر منها.
والست حاضناها بإيديها كأنها بتحاول تحميها من الدنيا كلها.
جنبهم قطعة كرتون مكتوب عليها
أم لوحدي فقدنا بيتنا أي مساعدة ربنا يجازيكم خير.
كريم وقف فجأة.
مساعدته استغربت وقالت بسرعة
يا فندم الاجتماع هيبدأ باقي عشر دقايق.
لكن كريم قال بهدوء
استني هنا.
قرب منهم ببطء.
خطواته كانت تقيلة على أرض المترو.
كان شايف المشهد ده قبل كده مئات المرات.
ناس محتاجة وناس بتعدّي من غير ما تبص.
لكن المرة دي
كان في حاجة مختلفة.
لما الست رفعت عينيها وبصت له
ماكانش في استعطاف مصطنع.
ولا دموع متصنعة.
بس تعب حقيقي
التعب اللي بييجي بعد شهور من القلق والخوف.
شفايفها ناشفة من البرد.
إيديها متشققة.
لكن واضح إنها لسه متمسكة بكرامتها.
قالت بسرعة وكأنها بتعتذر
معلش إحنا مش بنضايق حد.
لو المكان مش مناسب نمشي.
اعتذارها لمجرد وجودها
خبط قلب كريم الأشقر بطريقة ما حصلتش قبل كده.
وقف لحظة، وبعدين فتح محفظته.
طلع منها بطاقته البنكية السوداء.
بص لها لحظة وبعدين مدها للست.
وقال بهدوء
خدي البطاقة دي استخدميها لمدة 24 ساعة.
الست بصت له بصدمة.
قالت بتردد
حضرتك بتهزر؟
هز رأسه وقال
لا أنا جاد.
اصرفي منها اللي تحتاجيه
وبعد بكرة هقابلك هنا.
ومشي.
من غير ما يسأل اسمها.
ومن غير ما
لكن بعد أقل من ساعة
وصل إشعار على موبايله بعملية شراء.
فتح التطبيق بسرعة.
كان متوقع يشوف مطعم
أو ملابس
أو حتى حجز فندق.
لكن لما قرأ اسم المكان
اتجمد في مكانه.
ولأول مرة من سنين طويلة
حس إن قلبه بيتقل فجأة.
لأن اللي اشترته الست
ما كانش لنفسها.
بقلم مني السيد
النهاية
مراد كان سايق عربية تمنها يعدي ال 20 مليون، وقف في إشارة ولمح الست دي سعاد. مكنتش بتشحت، كانت واقفة بتبيع مناديل وبنتها نايمة على كرتونة جنبها. لفت نظره إنها رغم تعبها، كانت بتمسح وش بنتها بحنية مفرطة. نزل من العربية بهيبته اللي تخوف، ووقف قدامها. سعاد اتخضت وافتكرت إنه هيطردها، لكنه طلع الكارت الذهبي من محفظته وقالها ده كارت حساب مفتوح، معاكي 24 ساعة تصرفي منه زي ما أنتي عايزة.. بس بشرط، بكرة في نفس المعاد هقابلك هنا وتقوليلي صرفتيهم في إيه. سعاد بصت للكارت بذهول وهي مش فاهمة إن الكارت ده ممكن يشتري المنطقة اللي هي واقفة فيها كلها!
أول ما مراد مشي، سعاد فضلت باصة للكارت. هي مش عارفة يعني إيه حساب مفتوح، بس عارفة إن ده طوق نجاة. أول تيت جات لمصطفى مساعد مراد كانت سحب مبلغ تافه جداً. مصطفى ضحك وقال لمراد يا فندم دي راحت تشتري وجبتين كشري!. مراد ابتسم بسخرية وقال شوفت؟ طموحهم ضيق.. شوية وهتبدأ تسحب الآلاف عشان تجيب هدوم وموبايلات. لكن الصدمة بدأت لما الإشعارات بدأت توالي
مراد مقدرش ينام، الفضول كان بياكله. فتح ال GPS ولقى الكارت موجود في منطقة عشوائية جداً، منطقة هو بيعتبرها منطقة خطر. سحب مسدسه وركب عربيته وراح هناك. لقى الكارت في صيدلية صغيرة متهالكة. دخل الصيدلية وسأل الصيدلي بعصبية الست اللي كانت هنا راحت فين؟ وصرفت إيه بالمبلغ ده؟. الصيدلي بص له بذهول وقاله يا بيه الست دي اشترت كل علب حقن الأنسولين اللي عندي، ودفعت تمن حقن تانية لناس غلابة مسجلين أسماءهم في نوتة الديون.. ومخدتش لنفسها ولا مليم!.
مراد فضل يتتبعها لحد ما وصل لمستشفى حكومي قديم. لقى سعاد واقفة قدام غرف العمليات، متبهدلة ولبسها مقطع، بس وشها فيه نور غريب. لقى دكتور خارج بيقولها الحمد لله يا ست سعاد، تمن الصمام بتاع قلب البنت اتدفع والعملية هتبدأ فوراً. مراد وقف مكانه مصدوم.. هو كان فاكر إنها هتصرف الفلوس على مظهرها أو أكلها، لكنها كانت بتسابق الزمن عشان تنقذ بنتها وكمان ناس تانية هي متعرفهمش ومحتاجين علاج!
لما سعاد شافته، جرت عليه ورجعتله الكارت وهي بتترعش. قالتله يا بيه، أنا أسفة إني صرفت كتير، بس بنتي كانت بتموت.. والناس اللي في الصيدلية دول غلابة زيي والديون كانت خنقاهُم. مراد بص لها بذهول وقالها إنتي عارفة إن الكارت ده فيه ملايين؟ ليه مجبتيش لنفسك بيت؟ ليه مغيرتيش
في وسط اللحظة دي، تليفون مراد رن.. كان مساعده مصطفى اللي بيثق فيه جداً. مصطفى قاله بهلع يا فندم، مجلس الإدارة اجتمع في غيابك وبدؤوا يسحبوا صلاحياتك بناءً على أوراق قديمة والدك كان سايبها!. مراد اكتشف إن الأغنياء اللي أبوه علمه يثق فيهم هما اللي بيخونوه دلوقتي، والست الفقيرة اللي حذره منها هي الوحيدة اللي حافظت على أمانته.
مراد قرر ياخد سعاد وبنتها في حمايته. مش بس كدة، هو استخدم سعاد كدرع قانوني! لأن الكارت اللي هي صرفت منه كان حساب شخصي سري ملوش علاقة بالشركة، ومن خلال تتبع المصاريف اللي عملتها، اكتشف ثغرة قانونية تثبت إن المساعد بتاعه كان بيختلس من سنين. قلة أصل الغني كشفتها طهارة الفقير!
مراد وقف في مكتبه الفخم، بس المرة دي سعاد كانت قاعدة معززة مكرمة وبنتها بتلعب حواليها. مراد قطع وصية أبوه القديمة وكتب وصية جديدة الثقة مش عملة المغفلين.. الثقة هي اللي بتصنع البشر. وقرر يحول جزء من استثمارات الشركة لبناء أكبر مستشفى مجاني للأطفال، وسماها مستشفى سعاد.
بعد سنة، مراد مبقاش الملياردير البارد. بقى بيتحرك في الشوارع بيدور على القلوب مش على الصفقات. سعاد بقت مديرة مؤسسة الأعمال الخيرية بتاعته. والناس بقت تحكي قصة الكريدت كارد