رواية كاملة

لمحة نيوز

ماما هعمل اللي انتي عايزاه.
ومن اليوم ده
البيت ده بقى وطن جديد.
ليا ول ياسين.
أنا ندى، عندي 31 سنة، أصغر مديرة إقليمية في تاريخ شركتي في دبي. كنت واقفة في قاعة اجتماعات كلها إزاز، بشرح تقرير الأرباح لمجلس الإدارة، وفجأة موبايلي رن برقم خالتي سامية. رديت وأنا ببتسم، بس الابتسامة اتجمدت لما سمعت صوتها وهي بتصرخ أختي ماتت يا ندى.. جلطة مفاجئة والدكاترة ملحقوش!. الأرض لفت بيا، والمليارات اللي كنت بتكلم عنها بقت ملهومش لازمة قدام موت السند.
مش فاكرة رحلة الرجوع للقاهرة، كل اللي فاكراه هو الهدوء التقيل في شقتنا القديمة بشبرا. دخلت لقيت عباية أمي لسه متعلقة ورا الباب، ومج القهوة بتاعها في الحوض.. كأنها خرجت وهترجع تاني. أمي ربتني لوحدها، كانت بتشتغل شفتين عشان بنتها متمدش إيدها لحد. كانت دايماً تقولي
ابني حياة أكبر من الحارة دي. وعملت كدة، بس رجعت الحارة وأنا مكسورة الجناح.
وسط الزحمة والعياط في الجنازة، لقيت ست غريبة قربت مني. ملامحها بسيطة ووشها شاحب، فجأة حطت طفل رضيع في حضني! بصيت لها بذهول وقلت لها إنتي مين؟ وده ابن مين؟. بصتلي ببرود وقالتلي الكلمة اللي هزت كياني أمك هي اللي كانت عاوزاكي إنتي اللي تاخديه.. دي وصيتها يا ندى!.
الطفل كان هادي جداً، عينيه كانت شبه عيني بشكل يخوف. الست سابته في حضني واختفت وسط الزحمة قبل ما أسألها حرف زيادة. خالتي سامية بصت للطفل وارتبكت، ووشها جاب ألوان. سألتها خالتي.. إنتي تعرفي حاجة عن الطفل ده؟ أمي كانت مخبية إيه؟. خالتي سكتت وقالتلي بصوت واطي اطلعي البيت يا ندى.. السير هيتفتح هناك.
طلعت الشقة، حطيت الطفل على سرير أمي اللي لسه فيه ريحتها. بدأت أفتش في
كل مكان زي المجنونة، لحد ما لقيت جواب مخبي تحت مفرش السرير بخط إيد أمي المهزوز. الجواب كان بيبدأ ب بنتي ندى.. لما تقرأي الكلام ده هكون عند اللي خلقني.. الطفل ده يبقى أخوكي!. الصدمة خلتني أقع على الأرض وأنا مش مصدقة.
كملت قراية والدموع بتغرق الورقة أبوه هو الشخص اللي سابنا وهرب من 30 سنة. رجع لي من سنة وهو بيموت، سابلي الطفل ده وقال لي إنه ملوش حد غيري.. خفت أقولك عشان مأكسرش فرحتك بنجاحك في دبي، كنت بحوش له من شقايا عشان لما أمشي، إنتي اللي تكمّلي المشوار.
بقيت باصة للطفل بذهول.. ده ابن الراجل اللي كسر أمي؟ ابن الراجل اللي خلاني أعيش يتيمة والأب موجود؟ كنت عاوزة أصرخ، عاوزة أرفضه، بس نظرة عينيه البريئة كانت نسخة من نظرة أمي وهي بتودعني. هل هقدر أربي ابن الخاين عشان خاطر الوفية؟
خالتي سامية دخلت
عليا وقالتلي أمك كانت بتنام والطفل ده في حضنها، كانت بتقول ده عوض ربنا عن السنين اللي عشناها في فقر.. كان نفسها تضمن له مستقبل زيك. قلتلها بحرقة بس ده ابن الشخص اللي دمر حياتنا يا خالتي!. ردت عليا الطفل ملوش ذنب.. وأمك عاشت بطلة عشان تحميكي من وجع الحقيقة.
قعدت طول الليل أفكر.. شغلي في دبي، حياتي اللي بنيتها، طموحي اللي ملوش حدود. بصيت لمج القهوة بتاع أمي، وحسيت بروحها حواليا بتطالبني بالرحمة. مسكت الموبايل وكلمت مساعدتي في دبي وقلت لها جهزي إجراءات نقلي لمكتب القاهرة.. أنا مش هرجع دبي لوحدي.
بعد سنة، ندى بقت بتمشي في شوارع شبرا وهي شايلة ياسين أخوها الصغير. مكتبها بقى في القاهرة، وبقت بتعلم أخوها إن القوة مش بس في الفلوس، القوة في التسامح. وعرفت إن أمي سابتلي أمانة كانت هي أعظم مشروع في حياتي
كلها.

تم نسخ الرابط