نزعتُ الأصفاد عن متهم عجوز… فظهرت على ذراعه علامة والدي الميت وانقلبت حياتي!
يهز رأسه فقط في صمت.
اقترب مني المدعي العام.
كان رجلاً أعرفه منذ سنوات، صارمًا، قليل الابتسام، ولا يحب أن تختلط العاطفة بالقانون. لكنه في تلك اللحظة بدا مختلفًا.
قال بصوت منخفض
أنا لم أكن أعرف.
أجبته وأنا لا أزال أحدق في الفراغ
ولا أنا.
هز رأسه، ثم نظر إلى جيمس وقال
سأتحدث مع أحد معارفي في قسم المحاربين القدامى. ربما نستطيع تسريع الإجراءات.
نظرت إليه بدهشة خفيفة.
قال كمن يبرر لنفسه أكثر مما يبرر لي
الرجل يحتاج مساعدة أكثر مما يحتاج زنزانة.
ثم ابتعد.
أما جيمس فظل واقفًا في مكانه، كأنه لا يعرف هل يصدق ما حدث أم لا. اقتربت منه ببطء. لم أعد أراه كمتهم. ولم أعد أرى نفسي كحارس قضائي فحسب.
وقفت أمامه.
رفع رأسه نحوي.
كان وجهه غارقًا في الدموع، وعيناه فيهما ذلك الانكسار الذي لا يصنعه يوم واحد، بل تصنعه حياة كاملة من السقوط.
قال بصوت مرتعش
لم أطلب منه أن يفعل ذلك.
أجبته بصوت هادئ
أعرف.
هز رأسه بعنف، وكأنه يريد أن يطرد الفكرة من داخله.
أقسم لك لم أطلب منه. صرخ في وجهي أن أنخفض، لكنني كنت متجمدًا. لم أتحرك. كان بإمكانه أن يتركني. كان بإمكانه أن ينجو لكنه عاد.
شعرت بحرارة الدموع خلف عيني من جديد.
قلت
هذا ما كان عليه، إذن.
نظر إليّ وكأنه لم يفهم.
أكملت
هذا هو الرجل الذي كنت أبحث عنه طوال حياتي ولم أعرفه.
اهتز فكه قليلًا.
ثم قال
كنت أريد أن أزور أمك. مرات كثيرة. بعد الحرب مباشرة. كتبت رسالة ثم مزقتها. كتبت أخرى ومزقتها أيضًا. كنت أقول لنفسي ماذا سأقول لها؟ إن زوجها مات من أجلي؟ إنني عدت وهو لم يعد؟
خفض رأسه.
ثم بدأت أشرب. ثم فقدت عملي. ثم خسرت كل شيء شيئًا فشيئًا. وفي كل سنة كنت أقول سأبحث عنهم عندما أستقيم. عندما أصلح حياتي. عندما أصبح رجلًا يستحق أن يقف أمام أرملته وابنه. لكن السنوات كانت تمر وأنا أزداد ضياعًا.
كان كلامه يخرج ثقيلًا، كما لو أنه ينتزع كل جملة من قاع روحه.
قلت له
أمي ماتت منذ سبع سنوات.
أغلق عينيه.
بدت عليه صدمة صغيرة، صامتة.
همس
أنا آسف.
قلت
قضت حياتها كلها تحاول أن تجعلني أفخر بأبي لكنها لم تعرف أبدًا
رفع بصره إليّ ببطء.
قلت وأنا أقاوم ارتجاف صوتي
كان هذا سيعني لها العالم كله.
أطرق جيمس طويلًا، ثم قال
كانت زوجته في آخر رسالة قرأتها له، تخبره أنها تشعر بأن الطفل سيكون صبيًا. ظل يضحك بسبب ذلك طوال النهار. قال لنا زوجتي قررت الأمر حتى قبل أن يولد. قالت إنه سيكون صبيًا عنيدًا يشبه أباه.
تجمدت في مكاني.
للحظة لم أعد في المحكمة.
عدت فجأة إلى مطبخ بيتنا القديم، إلى أمي وهي ترتب الفواتير، إلى صورتها وهي تلمس بإبهامها حواف رسالة صفراء باهتة محفوظة داخل الإنجيل العائلي، إلى طريقتها حين كانت تبتسم نصف ابتسامة وتقول لي أبوك كان عنيدًا، وأنت أخذت هذا عنه.
سألت جيمس بسرعة
هل تتذكر الرسالة؟
قال
بعضها. ليس كلها. لكنه قرأ سطرًا بصوت عالٍ، ثم طواها ووضعها في جيبه. قال هذا يكفيني لأصمد أسبوعًا آخر.
شعرت بغصة حادة في صدري.
كم مرة عاش والدي على كلمات قليلة؟ كم مرة تمسك بصورة أمي ورسائلها وسط المطر والطين والخوف؟ كم مرة حلم بي قبل أن يراني؟
كل هذه الأسئلة هبطت عليّ دفعة واحدة، حتى كدت أختنق بها.
جلس جيمس أخيرًا على المقعد القريب، وكأنه لم يعد قادرًا على الوقوف أكثر. جلس بحذر، ويداه فوق ركبتيه، وكتفاه منحنيتان، ورأسه مطأطأ، كرجل أنهكته المعركة حتى بعد نصف قرن من انتهائها.
وقفت أمامه وأنا لا أعرف ماذا أفعل.
لم يعلمني أحد كيف يتصرف الإنسان عندما يلتقي آخر رجل رأى والده حيًا.
في الأكاديمية علّمونا كيف نفك الاشتباك، كيف نفتش المشتبه به، كيف نسيطر على الفوضى، كيف نقرأ لغة الجسد.
لكن أحدًا لم يعلمني ماذا أفعل إذا وقف الماضي فجأة أمامي في هيئة رجل عجوز يحمل وشمًا قديمًا وذنبًا أقدم من عمري.
قلت له بعد صمت طويل
أريد أن أعرف كل شيء.
رفع رأسه.
كل شيء؟
منذ البداية.
تنفس ببطء، كأنه يستعد لعبور نفق طويل.
قال
إذا أخبرتك فلن يكون ذلك عن موته فقط. سيكون عن حياته هناك. عن الرجل الذي كانه عندما لم يكن أحد يراقبه. عن ضحكاته. عن خوفه. عن الأشياء الصغيرة التي لا تُكتب في الإشعارات العسكرية.
جلستُ أمامه.
ونسيت أنني في المحكمة.
ونسيت أنني ما زلت أرتدي الزي الرسمي.
ونسيت أن هناك ملفات أخرى وجلسات أخرى ويوم عمل لم ينته.
قلت
هذا بالضبط ما أريده.
مرر جيمس كفه على وجهه، ثم بدأ يتكلم.
قال إن والدي لم يكن أعلى الرجال صوتًا، ولا أكثرهم تهورًا، لكنه كان من أولئك الذين يجعلون من حولهم يشعرون بالأمان. قال إنه كان يضحك قليلًا، لكن حين يضحك يضحك بصدق، وإنه كان يحتفظ بصورة أمي في غطاء خوذته، وصورة الموجات فوق الصوتية القديمة أو ما يشبهها في ذلك الزمن مطوية بعناية شديدة داخل كيس بلاستيكي صغير كي لا يفسدها المطر. قال إنه كان يكتب الرسائل بخط سيئ جدًا، ثم يطلب من جيمس أحيانًا أن يراجع له بعض الكلمات لأن روز وكان هذا اسم أمي تستحق رسالة بلا أخطاء.
حين نطق باسمها، رفعت رأسي بسرعة.
قلت
روز نعم. هذا اسمها.
هز رأسه ببطء، وكأنه يثبت لنفسه أن ذاكرته لم تخنه.
ثم قال
كان يكرر اسمها كثيرًا. وحين كان يتحدث عنك، لم يكن يقول الطفل. كان يقول ابني.
انكسرت شيئًا ما في داخلي عند تلك الكلمة.
ابني.
كلمة عادية جدًا.
لكنني لم أسمعها قط من صاحبها.
قال جيمس إنه في الليالي الهادئة نسبيًا، حين تخف الاشتباكات قليلًا، كان الرجال يتظاهرون بالقوة، كل واحد منهم يحاول أن يقنع الآخر بأنه بخير. بعضهم يلعب
الورق، بعضهم ينظف سلاحه، بعضهم يكتب رسائل، وبعضهم يحدق في الظلام صامتًا. أما والدي فكان من النوع الذي يسأل غيره إن كانوا بخير، قبل أن يتحدث عن نفسه.
قال إنه ذات مرة اقتسم معه آخر قطعة حلوى وصلته في طرد بريدي، رغم أنه كان يدخرها منذ أيام.
وقال إنه في مرة أخرى خلع جواربه الجافة الوحيدة وأعطاها لجندي أصغر سنًا كان قد أصيب بحمى شديدة.
وقال إنه في صباح المعركة الكبرى، قبل ساعات فقط، قال لجيمس إذا خرجنا من هذا المكان أحياء، سأعود إلى البيت وأبقى أسبوعًا كاملًا أحمل طفلي ولا أتركه لأحد.
عندما قالها جيمس، وضعت يدي على فمي.
لم أستطع احتمال الصورة.
رجل في الثانية والعشرين، عالق في حرب بعيدة، يحلم فقط بأسبوع مع طفله.
أسبوع واحد.
فقط.
ثم جاء الموت وأخذ حتى هذا الحلم البسيط.
قلت بصوت متعب
لم
أجاب جيمس فورًا، وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة منذ سنوات
بل حصلت.
نظرت إليه.
قال
حصلت على ما تركه في الناس.
سكتُّ.
أكمل بصوت خفيض
هناك رجال عاشوا لأن والدك لم يهرب. وهناك رجال حافظوا على إنسانيتهم لأنهم رأوه يفعل الصواب عندما كان الأسهل أن يفكر في نفسه فقط. وأنا واحد منهم حتى وإن ضعت بعد ذلك.
كانت الجملة الأخيرة موجعة في صدقها.
ليس لأنه يدعي البطولة لنفسه، بل لأنه لا يفعل.
كان يتكلم كرجل يعرف تمامًا أنه فشل في أن يكون على مستوى التضحية التي قُدمت من أجله.
وهذا، على نحو ما، جعلني أصدقه أكثر.
في تلك اللحظة، تقدمت كاتبة المحكمة نحونا بخطوات مترددة.
قالت بصوت لطيف
أيها الضابط جونسون حضرة القاضي يسأل إن كنت بحاجة إلى إنهاء مناوبتك لهذا اليوم.
نظرت إليها.
ربما لو سألتني قبل ساعة لقلت لها إنني بخير، وإن العمل عمل، وإن القاعة لن تضبط نفسها بنفسها. لكنني لم أعد الرجل نفسه الذي دخل هنا في الصباح.
قلت
نعم أظن أنني بحاجة إلى بعض الوقت.
أومأت برأسها وتراجعت.
ثم أضافت بعد لحظة
كما أن حضرة القاضي طلب أن يُسمح للسيد باترسون بالجلوس في الغرفة الجانبية إلى أن تأتي موظفة الخدمات الاجتماعية.
شكرتها بعيني فقط.
بعد قليل، انتقلنا إلى غرفة صغيرة خلف القاعة، فيها طاولة مستديرة، وموزع ماء، وكراسٍ بسيطة من البلاستيك المقوى. غرفة رأيتُ عشرات المتهمين يجلسون فيها من قبل، لكنها بدت لي يومها مكانًا مختلفًا تمامًا، كأنها صارت غرفة اعترافات متأخرة لا تخص القانون بل الحياة نفسها.
جلس جيمس أمامي.
كانت يداه لا تزالان ترتجفان بين الحين والآخر.
قلت له
أخبرني عن اليوم الذي سبق المعركة.
نظر إلى السقف قليلًا، كما لو أنه يبحث عن الذكرى في مكان مادي يمكن الوصول إليه.
ثم قال
كان الجو خانقًا. الرطوبة تلتصق بالجلد. لم نكن نعرف أن اليوم التالي سيصير جرحًا في ذاكرتنا جميعًا. كنا مرهقين، متسخين، نائمين واقفين تقريبًا. لكن والدك لا أدري لماذا كان أكثر هدوءًا من المعتاد.
بسبب الرسالة؟
ربما.
ثم ابتسم ابتسامة صغيرة، وقال
قال
شعرت بأنفاسي تتعثر.
قلت بسرعة
قال ذلك؟
نعم.
هل كان خائفًا؟