ما خفي داخل الكيس غيّر كلّ شيء

لمحة نيوز

بدأت تفهم الرابطة الصامتة التي تجمعهما.
وانتشرت حكاية الأم السبعينية وكيس المعكرونة المليء بالحب في أرجاء الحي كتذكرة رقيقة.
وبالنسبة لدونيا دولوريس لم يكن أغلى ما نالته المال بل الحب الذي صمد تحت طبقات الكبرياء والخۏف.
كانت تجلس كثيرا قرب نافذتها تبتسم في هدوء وتقول
ذلك الكيس من المعكرونة كان أجمل هدية قدمها لي ابني.
مهما بلغنا من نجاح 
فلنحرص ألا ننسى
من وهبونا الحياة. فلفتة حب صغيرة تجاه والدينا كلمة عناق أو زيارة بسيطة
قادرة على تدفئة قلوبهم مدى العمر.
تمت
كانت الساعة تشير إلى السابعة مساءً حين وقفت الأم فاطمة أمام بوابة القصر الحديدية. قلبها الذي يعاني من ضعف شديد كان ينبض بصعوبة، ليس فقط بسبب المرض، بل بسبب الرهبة. ابنها ياسين أصبح من كبار تجار مواد البناء، وهي لم تره منذ أشهر. ضغطت الجرس وهي تهمس يا رب، لا تردني خائبة، العملية لا تحتمل التأجيل.
فُتح الباب، لكن لم يخرج ياسين. ظهرت زوجته سوزان وهي ترتدي
ثياباً غالية الثمن وتنظر لساعة يدها بضيق. نظرت للأم من رأسها حتى قدميها وقالت ببرود أهلاً يا أمي.. ما الذي جاء بكِ في هذا الوقت؟ ياسين مشغول جداً بحسابات الشركة، هل الأمر طارئ؟. شعرت الأم بغصة في حلقها، لكنها دخلت بخطوات مرتجفة دخلت الأم المكتب، وجد ياسين يحيط نفسه بالأوراق والخرائط. لم يقم ليقبل يدها كما كان يفعل قديماً. قالت بصوت يخنقه البكاء يا بني، الطبيب قال إن صمامات قلبي تلفت، والجراحة تتكلف مبلغاً لا أملكه.. أنت أملي الأخير بعد الله. نظر إليها ياسين بصمت طويل، لم يعانقها، ولم يقل أبشري، بل فعل شيئاً جعلها تتمنى لو انشقت الأرض وابتلعتها!
قام ياسين من مقعده دون أن ينطق بكلمة، ودخل إلى المطبخ الداخلي. عاد وهو يحمل كيساً من المكرونة سريعة التحضير إندومي، وضعه في يدها المرتجفة وقال يا أمي، التجارة حالياً في ركود، والسيولة كلها في السوق. خذي هذا الكيس ليكون عشاءك الليلة، ولا تتعبي نفسك بالمجيء مرة أخرى، سأطمئن
عليكِ بالهاتف.
خرجت الأم من القصر وهي لا ترى الطريق من الدموع. كيس المكرونة في يدها كان يزن أطناناً من القهر. كانت تقول في نفسها هل هذا ابني الذي بعتُ قرطي الذهبي ليدخل الجامعة؟ هل تساوي حياتي عند قطعه من كبدي كيس مكرونة بجنيهات معدودة؟. وصلت لبيتها وهي تقرر أن تترك نفسها للموت، فالحياة بلا كرامة لا طعم لها.
في صباح اليوم التالي، شعرت الأم بجوع شديد. أمسكت بالكيس وقررت أن تطبخه. بمجرد أن شقت الكيس بسكين المطبخ، لم تجد مكرونة! سقطت من الكيس لفافة بلاستيكية سوداء ثقيلة. فتحتها بيد ترتعش، لتجد رزمات من الدولارات، ومعها أوراق رسمية مختومة!
داخل الكيس، وجدت رسالة صغيرة بخط يد ياسين يقول فيها أمي الغالية.. سامحيني على تمثيلي البارد أمام زوجتي. هي تسيطر على حساباتي البنكية وتراقب كل قرش، ولو علمت أنني سأدفع ثمن العملية لمنعتني وأفسدت عليكِ راحتك. لقد بعتُ مخزناً سرياً أملكه بالأمس، وهذا المبلغ يكفي للعملية ولأفضل مستشفى
في البلاد.
لم تكن الأموال هي كل شيء، بل وجدت مفتاحاً صغيراً معلقاً بخيط حريري. أكملت القراءة أما هذا المفتاح، فهو لشقة صغيرة قمت بشرائها باسمكِ في حي هادئ، بعيداً عن سوزان ومشاكلها. لقد رتبتُ مع سيارة إسعاف خاصة ستصلكِ بعد ساعة لتنقلكِ للمستشفى. أرجوكِ لا تخبري أحداً، واعتبري كيس المكرونة كان حصان طروادة الذي حمل لكِ النجاة.
بينما كانت الأم في المستشفى تستعد للجراحة، اكتشفت سوزان اختفاء مبلغ ضخم من حسابات ياسين السرية. جن جنونها واتهمته بالخيانة والتبذير على أمه. هنا وقف ياسين بكل قوة وقال لها المال مالي، والأم أمي. لقد بعتُ كل شيء لأشتري دعوة منها تنقذني من نيران جحودكِ. والآن.. الباب الذي دخلتِ منه عروساً، يخرجكِ مطرودة، فلا مكان لمن لا يحترم من أنجبتني!.
نجحت العملية، وعادت الأم فاطمة لتمشي على قدميها مرة أخرى في شقتها الجديدة. وياسين، رغم أنه خسر الكثير من تجارته، إلا أن الله فتح له أبواباً لم يتخيلها، وأصبح
أكبر تاجر في منطقته.

تم نسخ الرابط