جواب من عجوز
لفت بيا.. أبويا مات مقتول؟ وأنا حفيد باشا؟ وفين الصندوق ده والبيت محاصر؟
الساعة 2 بعد نص الليل.. نطيت من شباك المنور ودخلت المطبخ. ريحة الموت والوحدة كانت في كل مكان. بدأت أخبط على البلاط لحد ما سمعت صوت فراغ. شلت البلاطة ولقيت صندوق خشب قديم جداً.
شلت الصندوق، ولسه هخرج، لقيت النور ولع.. عاصم كان واقف وماسك مسدس وبيهددني بدم بارد كنت عارف إن العجوزة هتسلمك السر.. هات الصندوق يا شاطر، وكفاية لحد كدة تمثيلية المهندس الفقير.
عاصم كشف لي الحقيقة البشعة أبوك كان عايز يوزع الأرض على الغلابة، فكان لازم يختفي.. والست هانم خبتك السنين دي كلها عشان تحميك، بس النهاردة مفيش حماية!
في اللحظة دي، سمعت صوت جرس الباب.. بس المرة دي كان البوليس ومعاهم هبة الجارة اللي كانت بتساعد الست هانم، واتضح إنها ضابطة مباحث كانت مراقبة البيت من شهور!
فتحنا الصندوق في مديرية الأمن.. مكنش فيه ذهب ولا مجوهرات. كان فيه عقود مسجلة بأملاك خرافية، سبائك ذهب من العهد الملكي، والأهم من ده.. مذكرات الست هانم اللي بتشرح فيها بالدليل والتواريخ كل جرايم عاصم.
عاصم انهار واعترف بكل حاجة.. والباشمهندس ياسين، اللي كان بيدور على تمن الكتب، لقى نفسه صاحب إرث يشتري كليات هندسة بحالها! بس الصدمة كانت في آخر سطر في الورقة اللي الست هانم سابتهالي ياسين.. أبوك قبل ما
رحت لشيخ الحارة، وسلمني علبة تانية.. لما فتحتها، مريم شافت صورة الست هانم وهي شابة.. وكانت واقفة جنب أبويا في يوم فرحه!
الست هانم مكنتش مجرد صاحبة بيت.. الست هانم كانت داية الحارة اللي ولدت أبويا، وهي اللي خبته لما عاصم حاول يقتله وهو صغير، ولما أبويا مات، فضلت مراقباني من بعيد، ولما لقيتني محتاج، عملت إعلان الشغل عشان تجرني لبيتها بكرامتي.
الست هانم كانت الأم البديلة اللي ضحت بحياتها وعاشت في فقر مدقع وهي تملك الملايين، بس عشان تحميني من عيون الطماعين لحد ما أكبر وأبقى راجل وأقدر آخد حقي.
ياسين النهاردة مخلص هندسة، وبنى مجمع خيري في السيدة زينب باسم الست هانم، وبيوزع فيه وجبات لطلاب العلم المغتربين اللي زي ما كان هو زمان. عاصم خد حكم مؤبد، والعدل رجع لأصحابه.
وقفت في قاعة المحكمة، عاصم كان في القفص وعينيه بتطلع شرار. المحامي بتاعه وقف وقال ببرود يا سيادة القاضي، العقود اللي مع ياسين دي باطلة.. لأن الست هانم أصلاً مكنش ليها أهل، ومحدش يعرف هي مين، والبيت ده وضع يد من 40 سنة!
الكل سكت.. وأنا قلبي وقع في رجلي. هل كل اللي عملته راح؟ وفجأة، الباب اتفتح ودخل راجل عجوز جداً، ساند على عكاز، وقال بصوت جهوري أنا المحامي الشخصي ل عيلة الباشا
نور الهانم؟ الست اللي كنت بمسح لها البلاط وبنضف لها الراديو؟ المحامي طلع شهادة ميلاد قديمة جداً وصورة لنور الهانم وهي شابة.. كانت لابسة عقد ألماس، وكانت هي اللي في الصورة اللي شفتها في الدرج التالت!
المحامي العجوز حكى الحكاية اللي بكت القاعة كلها نور الهانم ليلة الحريق شافت عاصم الكبير أبو عاصم اللي في القفص وهو بيولع في القصر عشان يسرق العقود.. هربت وهي شايلة طفل صغير كان هو والد ياسين اللي كان ابن أخوها!
نور الهانم ضحت باسمها، وبثروتها، وبجمالها، وعاشت في حارة السيدة زينب باسم الست هانم الغلبانة عشان تحمي الطفل ده من غدر عيلة عاصم. غيرت اسمها وعاشت 40 سنة بتخيط الهدوم وبتمسح السلالم وهي تملك نص القاهرة، بس عشان ياسين يفضل عايش ومحدش يعرف مكانه!
بصيت لعاصم في القفص، كان وشه أصفر.. أبوه قتل عيلة ياسين، وهو كان عايز يكمل على ياسين. القاضي سألني يا ياسين.. هل عندك أقوال تانية؟ قلت له عندي صوت الست هانم وهي بتموت.. كانت مسجلة كل حاجة على الراديو القديم اللي كنت بصلحه لها!
اشتغل التسجيل في المحكمة.. صوت الست هانم كان طالع بوهن بس بحكمة يا ياسين يا ابني.. لو بتسمع ده، يبقى أنا عند ربنا. عاصم حاول يسممني زي ما سم
التسجيل كشف إن عاصم مكنش بس عايز الأرض، عاصم كان خايف من ياسين لأن ياسين هو الوريث الوحيد اللي يقدر يفتح خزنة البنك المركزي اللي فيها مجوهرات العيلة الملكية!
عاصم صرخ في القفص كذابة! العجوزة دي كذابة! بس القاضي أمر بالقبض على الممرضة.. واعترفت بكل حاجة. اتحكم على عاصم بالاعدام، والعدل اللي اتأخر 40 سنة، رجع في دقيقة واحدة.
فتحت الخزنة في البنك.. كان فيها فعلاً مجوهرات خرافية، بس في نص المجوهرات كان فيه علبة صغيرة فيها نضارة القراءة بتاعة الست هانم و مسبحة خشب صندل. وجنبهم ورقة مكتوبة بخط إيدها يا باشمهندس ياسين.. المال بيروح وبيجي، بس الجدعنة بتعيش. أنا عشت فقيرة وأنا غنية عشان أعلمك إن القيمة في
البني آدم مش في الجيب. ابني بفلوسك دي بيوت للناس الغلابة، وخلي اسمي الست هانم يفضل يتردد بالخير.
ياسين النهاردة مش بس مهندس، ده بقى صاحب أكبر مؤسسة إعمار للفقراء في مصر. البيت القديم في السيدة زينب محدهوش، بالعكس.. حوله ل مكتبة ومتحف بيحكي قصة الوفاء والتضحية.
وكل يوم جمعة، ياسين بيروح يزور قبرها، ويقرأ الفاتحة، ويحط وردة فل زي اللي كانت بتحبها.. ويقول لها حقك رجع يا هانم.. وحفيدك بقى