تزوجت متسوله
المحتويات
خرج من أعماق قلب
متعب
شكرا لك لأنك رأيت ابنتي كما هي لا كما رآها الناس. شكرا لأنك لم تختصرها في ثيابها ولا في حالتها ولا في فقرها. لقد منحتها ما عجز المال عن منحه الأمان. المال والسيارات والعقارات وكل ما يتصارع عليه الناس يزول أو يورث أو ينسى أما القلب الصادق والبيت الذي تفتح أبوابه بمحبة فهما الثروة الوحيدة التي لا تخون صاحبها.
ساد صمت ثقيل في القرية صمت لم يكن فراغا بل كان محملا بمعان لم يعرفها الناس من قبل. صمت كشف هشاشة الأحكام وسذاجة الظنون وقسۏة الكلمات التي تقال بلا تفكير. أولئك الذين اعتادوا الهمس والسخرية الذين نظروا إلى هانه يوما نظرة شفقة ممزوجة بالازدراء وجدوا أنفسهم عاجزين عن رفع أعينهم. الكلمات التي قالوها في الماضي عادت إليهم الآن ثقيلة كأنها حجارة سقطت فجأة على صدورهم.
لم يتخيل أحد أن المرأة التي مروا بها يوما دون اكتراث أو رموها بنظرات قاسېة كانت ابنة واحدة من أغنى العائلات ولا أن الرجل الذي عاش بينهم حياة بسيطة يحرث أرضه ويربي دجاجه سيصبح يوما صهرا لتلك العائلة التي كانوا يظنونها بعيدة عن عالمهم بمسافات لا تقاس.
لكنني وسط هذا الانقلاب كله لم أشعر بأن شيئا تغير في داخلي. لم ينتابني شعور النصر ولا الرغبة في الرد ولا لذة المفاجأة. الألقاب الجديدة بدت لي فارغة والمكانة الاجتماعية لم
عندها أدركت أن الحب الحقيقي لا يفاجأ بالحقيقة لأنه لم يبن أصلا على وهم. أحببتها حين كانت لا تملك شيئا وحين لم يكن لها اسم ولا مكان فكيف لي أن أتغير الآن أحببتها لأنها شاركتني القليل دون تذمر وتحملت معي الشدة بصمت ومشت إلى جواري في طريق صعب لم يكن فيه ضمانات ولا وعود. كانت امرأة اختارت الكرامة حين كان بوسعها أن تختار الرفاه واختارت الصدق حين كان بإمكانها أن تختبئ خلف الأقنعة.
ومنذ ذلك اليوم تغيرت القرية أو لعل الناس هم من تغيروا. توقفت الثرثرة وانحسر التندر وحل محلهما صمت مختلف صمت التفكير والمراجعة. صاروا ينظرون إلينا نظرة أخرى لكنني لم أبحث عنها ولم أحتج إليها. بقيت كما كنت أستيقظ مع الفجر أعتني بأرضي وأعود في المساء إلى بيت أعرف فيه معنى السکينة.
وفي نهاية كل يوم حين يهدأ كل شيء كنت أرفع بصري إلى السماء وأشكر القدر شكرا لا ترافقه كلمات لأنه ساقني في تلك
الأمسية الشتوية البعيدة إلى زاوية السوق. هناك
حيث ظن الناس أنني
وجدت امرأة
عدت إلى السوق في اليوم التالي ثم الذي يليه. كانت لا تزال هناك تجلس في نفس الزاوية المنسية. سألت عنها أصحاب المحلات فقالوا إنها ظهرت فجأة منذ أسابيع لا تتحدث مع أحد ولا تطلب سوى ما يسد رمقها.
في اليوم الرابع حسمت أمري. اقتربت منها وقلت بلهجة لم تخل من الارتباك
يا ابنة الحلال أنا رجل أعيش وحيدا في بيت كبير وأبحث عن رفيقة تحترم شيبتي وأحترم إنسانيتها. إن كنت بلا مأوى فبيتي مفتوح لك كزوجة على سنة الله ورسوله.
رفعت رأسها ونظرت إلي بنظرة طويلة لم أفهم معناها حينها كانت مزيجا من الذهول الارتياح وربما.. الشفقة علي! وافقت بهزة رأس صامتة.
أخذتها إلى بيتي اشتريت لها ثيابا تليق بآدميتها وعقدنا قراننا في حفل بسيط لم يحضره سوى إمام المسجد وشاهدين من الجيران الذين لم يكفوا عن السخرية
انظروا إلى عادل ترك نساء القرية وتزوج متسولة لا يعرف لها أصلا ولا فصلا!
الفصل الثالث سنوات الهدوء الذي يسبق العاصفة
مرت السنوات الخمس الأولى كالحلم. كانت نور وهذا هو الاسم الذي اختارته لنفسها نعم الزوجة. صمتها كان بليغا وخدمتها لي ولبيتي كانت تفوق الوصف. أنجبت لي طفلين كأنهما قطعتان من القمر ياسين ومريم.
لكن شيئا
كنت أسألها من أنت يا نور فترد بابتسامة حزينة أنا المرأة التي أنقذتها من الرصيف وهذا كل ما يهم.
الفصل الرابع يوم الزلزال
في صباح يوم جمعة كان أطفالنا يلعبون في الفناء وأنا أصلح سياج الحديقة. فجأة ساد صمت غريب في القرية تبعه صوت محركات قوية لم نعتد سماعها في أزقتنا الضيقة.
توقفت أمام منزلي المتواضع ثلاث سيارات سوداء فاخرة من النوع الذي لا يملكه إلا الوزراء أو الأباطرة. ترجل منها رجال ببدلات رسمية سوداء يضعون سماعات في آذانهم ويحملون هيبة أرعبت الجيران الذين خرجوا من شرفاتهم يراقبون المشهد بذهول.
خرجت بملابسي الملطخة بالتراب وقلبي يخفق بشدة خيرا يا سادة ماذا تريدون. لم ينظروا إلي بل وقفوا بانتظام وفتحوا باب السيارة الوسطى وانحنوا باحترام شديد.
الفصل الخامس الحقيقة الصادمة
خرجت نور من المنزل. لم تكن خائفة بل كانت تمشي بخطوات ثابتة وظهرها مفرود للمرة الأولى منذ سنوات. نظرت إلى الرجال وقالت ببرود شديد
لقد تأخرتم كثيرا.. خمس سنوات وزيادة
تقدم رجل وقور يبدو عليه الوقار والثراء الفاحش وانحنى ليقبل يد زوجتي
يا صاحبة السمو..
متابعة القراءة