تظاهر بأنه عامل بناء فقير… وعندما دافعت عنه بلا تردّد، بدأت حربٌ صامتة داخل إمبراطورية كاملة
اتسعت عينا جيني وشعرت بنظرات مسلطة عليها من كل جانب نظرات تحمل حكما قاسيا وأخرى ازدراء صريحا وقليل منها شفقة خجولة. غير أن أشد ما آلمها كان صوت السيدة فيرا صوتا حادا كالسكين يمزق كرامتها مرة بعد مرة.
قالت جيني بصوت هادئ لكنه مرتجف
سيدتي ليس متسولا. إنه عامل بناء يعمل في موقع الإنشاء خلف المركز التجاري. لديه بطاقة تعريف
قاطعتها فيرا بحدة
بطاقة تعريف! حتى لو كانت لديه بطاقة من السماء فلن أسمح لهذا الرجل أن يسيء إلى صورة متجري! أيها الحراس!
تقدم حارسان. وقف تونيو وهو في الحقيقة ترافيس منتصبا. لم يتراجع ولم يرفع صوته. نظر إلى جيني وابتسم ابتسامة خفيفة ثم أومأ برأسه كأنه يقول لها لا تخافي.
قال أحد الحراس باعتذار
سيدي نأسف عليكم مغادرة المكان.
أجاب تونيو بهدوء
لا بأس. سأغادر من تلقاء نفسي.
صرخت جيني محاولة منعه
لا! أنا معه.
ارتفع صوت فيرا غاضبا
جيني! هل تريدين أن تفقدي وظيفتك مكالمة واحدة إلى الموارد البشرية
قاطعتها جيني بثبات مفاجئ
إن فقدت عملي فسيكون لأنني اخترت الدفاع عما هو صواب.
ساد الذهول. لم تكن فيرا معتادة على أن يرد عليها. احمر وجهها من شدة الغضب.
صرخت
اخرجا من هنا! كلاكما!
وقبل أن يتحرك الحراس دوى صوت خطوات ثقيلة من الخلف. دخلت مجموعة من الرجال يرتدون بدلات رسمية أنيقة. كانوا يحملون أجهزة
في المقدمة تقدم رجل مسن هو مدير العمليات في المركز التجاري.
قال بصوت مهذب لكنه بارد
سيدتي فيرا ما سبب هذه الفوضى
أشارت فيرا إلى تونيو قائلة
سيدي كنت فقط أطرد شخصا دخيلا يسيء إلى صورة المتجر
لم تكمل عبارتها.
في تلك اللحظة تقدم تونيو خطوة إلى الأمام. نزع القبعة الباهتة عن رأسه ومسح آثار الفحم عن وجهه وعدل وقفته. تغير حضوره فجأة لم يعد عاملا بسيطا بل بدا قائدا.
وانحنى الرجال أصحاب البدلات واحدا تلو الآخر.
قالوا بصوت واحد
مساء الخير سيدي ترافيس.
كأن دلوا من الماء البارد أفرغ على المتجر بأكمله.
تمتمت فيرا بتلعثم وارتجفت ركبتيها
أنا لم أكن أعلم ظننت
قاطعها ترافيس بصوت هادئ لكنه ثقيل المعنى
ظننتم أنكم تستطيعون الدوس على إنسان بناء على ملابسه ورائحته.
ثم التفت إلى جيني وكان في عينيه إعجاب صريح.
قال لها بصوت منخفض
شكرا لك.
بعد ذلك واجه الجميع وقال بوضوح
اسمي ترافيس. نعم أنا مالك هذا المركز التجاري.
جلس بعض الحاضرين من شدة الصدمة ووضع آخرون أيديهم على أفواههم واغرورقت عيون بالدموع.
تابع قائلا
على مدى ثلاثة أشهر عملت كعامل بناء لأرى كيف يعامل من لا يبدو لائقا. واليوم رأيت الحقيقة.
ثم نظر إلى فيرا وقال
سيدتي فيرا اعتبارا
تعالت الأصوات بين تصفيق وهمس وذهول.
ناداها ترافيس
جيني.
تقدمت نحوه وما زالت ترتجف.
قال لها أمام الجميع
أريدك أن تعلمي أنك لم تخجلي يوما من الحق. وهذا هو النوع من الأشخاص الذي أريد أن يكون إلى جانبي.
وأمسك بيدها.
وأضاف
إن وافقت لا بصفتي مديرا تنفيذيا بل بصفتي ترافيس أود أن أتقدم لخطبتك.
انسابت دموع جيني وارتسمت على شفتيها ابتسامة صادقة.
قالت
أوافق.
وفي ذلك اليوم تعلم الجميع في المركز التجاري أن الغنى الحقيقي لا يقاس بما نرتديه وأن الكرامة لا تشترى وأن من تظنه عاملا بسيطا قد يكون هو من يمسك بزمام إمبراطورية كاملة.
ولم تكن جيني رغم كل ما حدث قادرة على استيعاب الأمر.
حتى بعد أن انتهت الفوضى وبعد إغلاق المتجر لاجتماع طارئ وبعد أن رأت المديرين التنفيذيين يرافقون ترافيس بأنفسهم ظلت يداها ترتجفان.
قالت له بصوت خافت وهما يجلسان جنبا إلى جنب في صالة خاصة داخل المركز
ترافيس هل أنت فعلا المدير التنفيذي
ابتسم بتعب صادق وقال
نعم. لكنني كنت تونيو لوقت أطول في الأشهر الماضية.
انخفض رأس جيني وشعرت بثقل في صدرها.
قالت والدموع تترقرق في عينيها
هل خدعتني هل كنت مجرد اختبار تجربة
نهض ترافيس فورا وجثا أمامها بلا
قال بحزم
لا. إن كان هناك شخص لم ألعب بمشاعره فهو أنت.
تنفس بعمق وأكمل
دخلت حياتي نساء كثيرات أحببن اسمي ومالي ونفوذي. أما أنت فقد أحببت رجلا ظننت أنه لا يملك شيئا.
ظلت جيني صامتة.
تابع قائلا
أطعمتني حين كنت أنت بحاجة. دافعت عني حين كنت أنت من أهين. وحين كان بوسعك التمسك بالسلطة اخترت التمسك بالكرامة.
رفعت جيني رأسها وانهمرت دموعها.
قالت بصدق
لكن الأمر ما زال مؤلما. كأن العالم تغير فجأة.
أومأ ترافيس برأسه وقال
للحقيقة ثمن.
في اليوم التالي انتشر الخبر في كل مكان
مدير تنفيذي يتخفى كعامل بناء وإيقاف مديرة بسبب الإهانة.
تصدر اسم جيني مواقع التواصل الاجتماعي.
منهم من نظر إليها بإعجاب صريح ومنهم من استقبل الخبر بشك مكتوم ومنهم من اكتفى بهز كتفيه قائلا إنها لم تكن سوى محظوظة صادفها القدر في لحظة نادرة. تباينت الآراء وتعددت الألسنة لكن اسم جيني ظل يتردد في أرجاء المكان يسبقها أينما ذهبت كأنه صار عبئا جديدا لم تطلبه يوما.
في المتجر لم تكن كل النظرات ودية كما كانت من قبل. بعض الزملاء ابتسموا لها ابتسامات باردة لا تخلو من الترقب فيما همس آخرون من خلفها دون أن يكلفوا أنفسهم عناء الخفض الحقيقي لأصواتهم
ها قد جاءت يبدو أنها ستترقى بسرعة.
وقال آخرون بنبرة امتزجت فيها السخرية بالحسد
غدا
كانت جيني تسمع كل شيء حتى ما لم يقصد أن يسمع. كانت