سيادة المستشارة: رد القضاء"
البداية رصيف الوجع
أنت آخرك غسيل المواعين يا ليلى.. القانون ده محتاج ناس تقيلة ناس ليها ضهر وأنت يدوبك بنت بياع خضار. قالها زياد وهو بيعدل نضارته الماركة ببرود ويحط رجله فوق رجله في كافيتريا كلية الحقوق. كنا في سنة رابعة وكان هو ابن المحامي الكبير منصور بيه اللي ضامن مكانه في النيابة من قبل ما يتخرج.
أنا كنت بحبه بصدق كنت بذاكر له بلخص له المحاضرات وبحلم باليوم اللي نبقى فيه ثنائي القانون الأشهر. بس في يوم النتيجة لما طلعت الأولى على الدفعة وهو يا دوب نجح بمقبول وشه اتقلب.
أسمعي يا ليلى.. الجواز ده قسمة ونصيب وأنا والدي رتب لي جوازة من بنت مستشار كبير.. مصلحة فاهمة وأنت.. كملي في المحاماة يمكن تلاقي لك مكتب صغير في حارة تكتبي فيه عقود إيجار.
سابني يومها وأنا دموعي نزلت على شهادة تقديري سابني وأنا مش بس مكسورة القلب أنا كنت مكسورة الكرامة.
الفلاش باك سنوات الجمر
مرت 10 سنين. اشتغلت فيهم ليل نهار. كنت بنام في المكتب وسط الملفات. خدت دبلومات وماجستير ودكتوراه من بره بمنحة تفوق. غيرت جلدي تماما. البنت اللي كانت بتلبس طقم واحد طول السنة بقت بتلبس أفخم البدلات الرسمية وبقى اسمها بيتردد في أروقة المحاكم كأشرس محامية شابة.
بس أنا مكنتش عايزة أكون محامية وبس.
اللحظة الحاسمة دعوة الغرور
في يوم جالي جواب رسمي. مش دعوة فرح المرة دي دي عزومة سحور سنوية بيعملها منصور بيه والد زياد بيجمع فيها صفوة المجتمع القانوني. عرفت إنه باعت لي عشان يستعرض قدامي ابنه اللي بقى وكيل نيابة تقيل وعشان يكسر عيني بنجاحهم.
رحت. لبست فستان أسود كلاسيك وحطيت دبوس ذهبي على شكل ميزان العدالة. دخلت الفيلا الأضواء كانت مبهرة والوجوه كلها باشوات. أول ما شافني زياد مشي ناحيتي بابتسامة صفرا وجنبه مراته اللي كانت شايلة شنطة بمبلغ خيالي وبتبص لي من فوق لتحت.
أهلا يا ليلى.. عاش من شافك! سمعت إنك فتحتي مكتب برافو.. أهو أحسن من مفيش. لو احتاجتي أي توصية في قضية صعبة
قولي لي.. أنا دلوقتي في مكتب النائب العام وصوتي مسموع.
ضحكت شيرين مراته وقالت يا حرام يا زياد ليلى أكيد تعبت أوي عشان توصل لهنا.. بس طبعا المقامات محفوظة.
الزلزال القرار الجمهوري
في اللحظة دي المذيع في التليفزيون الكبير اللي في الصالة بدأ يذيع خبر عاجل صدر الآن القرار الجمهوري بحركة التنقلات والتعيينات القضائية الجديدة..
الصالة كلها سكتت. منصور بيه وقف بزهو وهو بيقول ركزوا يا جماعة اسم زياد أكيد هيترقى لدرجة رئيس نيابة
المذيع كمل ومن ضمن التعيينات التاريخية تم اختيار نخبة من المحاميات المتميزيت للتعيين في منصب قاضيات بمحكمة الاستئناف..
زياد بص لي باستهزاء شوفي يا ليلى.. ده اللي كنت بقوله القانون محتاج ناس.. قاطعته وصوت المذيع بينطق وعلى رأسهم الدكتورة ليلى عبد الرحمن التي تم تعيينها قاضية بمنصة المحكمة الاقتصادية برتبة مستشار..
المواجهة انكسار الغرور
الكوباية وقعت من إيد زياد واتشطفت ميت حتة. والده منصور بيه وشه بقى أزرق. الناس اللي كانت واقفة حواليهم بدأت تنسحب وتروح ناحيتي عشان تبارك لي.. أهلا يا سيادة المستشارة! ألف مبروك يا فندم فخر لينا.
قربت من زياد اللي كان باصص لي بذهول ورعب.. لأني بقيت أعلى منه في الدرجة الوظيفية وبقى هو قانونيا تحت سلطة المنصة اللي أنا هقعد عليها.
قلت له بهدوء وثبات فاكر يا زياد لما قلت لي إن أخري غسيل المواعين الحقيقة أنا غسلت حاجات كتير أوي السنين اللي فاتت.. غسلت وجعي وغسلت الإهانة اللي شفتها منك لحد ما بقيت أنا اللي بحكم وأنت اللي بتنفذ.
بصيت لوالده وقلت شكرا على العزومة يا منصور بيه.. بس أنا عندي شغل كتير بكرة في المحكمة.. لازم أراجع ملفات وأتأكد إن العدالة بتطبق على الكل.. مفيش حد فوق القانون ولا فيه ضهر بيحمي اللي معندوش كفاءة.
الختام
خرجت من الفيلا ركبت عربيتي الأحدث موديل وبصيت في المراية. مكنتش شايفة بنت بياع الخضار المكسورة كنت شايفة سيادة المستشارة اللي قدرت ترجع حقها بذكاء وعمل مش بدموع ونواح.
زياد بعت لي رسالة بالليل ليلى.. أنا أسف خلينا نبدأ من جديد. عملت له بلوك وأنا ببتسم.. لأن الأرض اللي ظن إنها بور طرحت عدل.. والعدل لا يظلم أحدا.
مرت عشر سنوات على تلك الليلة التي نطق فيها بكلماته الجارحة. عشر سنوات لم يكن يعرف فيها عمر شيئا عن ليلى ابنة بياع الخضار سوى أنها اختفت تماما من الحارة ومن الوجود.
حين وصلتني الدعوة كانت مغلفة بورق مذهب فاخر يتشرف الأستاذ عمر المنشاوي المحامي بالنقض بدعوة سيادتكم لسحور رمضاني يجمع نخبة رجال القانون. ابتسمت ببرود هو لا يريدني هناك كضيفة هو يريدني ك خلفية باهتة يظهر من خلالها بريق نجاحه وزواجه الاستراتيجي.
دخلت القاعة الفخمة. العيون تلاحقني ليس لأنني ابنة بياع خضار بل لأن هيئتي كانت تفرض صمتا غريبا. كنت أرتدي فستانا أسود بوقار ملكي وفي المنتصف تماما كان يلمع دبوس ذهبي على شكل ميزان العدالة.
رآني عمر من بعيد اقترب بابتسامة نصر صفراء وبجانبه زوجته التي تضج بالمجوهرات.
عمر ليلى! مش معقول.. برافو إنك جيتي. كنت فاكر إنك لسه بتخافي من الأماكن