وصية الندم: عندما ينطق الحق في وجه الجحود

لمحة نيوز

نرمين اللي بتعرف تلبس وتضحك مش اللي قضت عمرها بين الشاش والقطن!
ضحى بذهول 10 سنين يا طارق! شلت أبوك وأنت بتهرب من ريحته بعت دهبي عشان أجيب له علاج وأنت بتصرف فلوسك على السهر.. بتجازيني بالطلاق وفرحك بكرة
طارق المقام بقى عالي يا ضحى.. ومقامي مش معاكي.
ذهبت إلى بيت والدي البسيط مكسورة الجناح. لكن بعد أسبوع اتصل بي المحامي الخاص بحماي الراحل وطلب حضوري فورا لمنزل العائلة.. وبحضور طارق ونرمين. دخلت والأنظار اتجهت لي باحتقار من طارق وزوجته الجديدة.
المحامي بما أن الجميع حاضر سأقوم بقراءة الوصية التي كتبها الراحل قبل وفاته بشهرين.. حين استرد وعيه بشكل جزئي واستطاع الكتابة.
طارق بلهفة أكيد الفيلا والشركات كلها ليا أنا ابنه الوحيد!
فتح المحامي الظرف وقرأ بصوت جهوري هز أركان الغرفة
أنا الحاج عبد الرحمن أكتب وصيتي وأنا بكامل قواي العقلية. لقد تركت ابني طارق تائها في ملاذاته بينما كانت ضحى هي ابنتي التي لم أنجبها. لذا قررت نقل ملكية الفيلا و من أسهم الشركات وكافة حساباتي البنكية باسم ضحى.. أما ابني طارق فله حق السكن في ملحق الخدم وراتب شهري بسيط لا يتجاوز ما كان يدفعه لزوجته كمصروف للمنزل.
سقطت الكأس من يد نرمين وشحب وجه طارق حتى صار كالأموات.
قام طارق من مكانه يصرخ دي تزوير! دي
كانت خدامة عندك يا بابا! إزاي تديها شقاي
المحامي الوصية موثقة بالفيديو يا طارق بيه والحاج قال فيها جملة واحدة ضحى هي اللي شالتني في مرضي وطارق استخسر فيا حتى الزيارة.. اللي يصون العرض يصون المال. نظرت لطارق الذي كان يطردني منذ أيام وقلت له بهدوء
ضحى ال 500 جنيه اللي اديتهم لي يا طارق خليهم معاك.. عشان دي تقريبا هتكون ميزانية بيتك الجديد في أوضة السواق اللي هتعيش فيها إنت والهنمية بتاعتك.
لم تكتف ضحى باسترداد حقها بل أدارت الشركات بحكمة لم يتوقعها أحد مستعينة بالصبر الذي تعلمته في سنوات التمريض. أما طارق فقد هجرته نرمين بعد أسبوع واحد من صدور الوصية حين أدركت أنه أصبح مفلسا. عاد طارق يزحف تحت قدمي ضحى يطلب السماح
طارق سامحيني يا ضحى أنا غلطت.. الدنيا لفت بيا.
ضحى الدنيا ملفتش يا طارق الدنيا اتعدلت.. الميزان اللي كان مقلوب بقاله 10 سنين ربنا عدله في لحظة. ريحة المطهرات اللي كانت بتخنقك هي اللي طهرت حياتي من وجودك.
بعد صدور الوصية لم تضيع ضحى دقيقة واحدة. دخلت الشركة لأول مرة بصفتها رئيسة مجلس الإدارة. كان الموظفون ينظرون إليها بذهول تلك السيدة الهادئة التي كانت تأتي فقط لتطمئن على حماها صارت هي صاحبة القرار.
ضحى للمدير المالي عايزة جرد كامل لكل مليم صرفه طارق من حسابات الشركة
على المصاريف الشخصية في آخر سنتين. أي مليم خرج لنرمين أو لسهراته هعتبره تبديد لأموال القصر والشركاء.
طارق مقاطعا بغضب أنت بتعملي إيه دي شركتي! أنت آخرك تعملي شوربة خضار وتغيري شاش!
ضحى دون أن تنظر إليه شوربة الخضار هي اللي خلتني أصبر والشاش هو اللي علمني إزاي أداوي الجروح.. والنهاردة أنا بداوي جرح الشركة من سياستك الفاشلة. اتفضل بره يا طارق مكتبك الجديد في المخازن.. لو حابب تستلم شغلك ك موظف أرشيف.
في شقة طارق الصغيرة التي لجأ إليها وقعت المواجهة التي كان يخشاها. نرمين التي كانت تعده بالحب الأبدي كانت تلملم آخر زجاجات عطرها الثمينة.
طارق رايحة فين يا نرمين أنا محتاجك جنبي دلوقت هنرفع قضايا ونرجع كل حاجة!
نرمين ببرود مستفز نرفع قضايا بمين يا طارق إنت معاك تمن أتعاب محامي وبعدين أنا مقامي مع أصحاب الشركات مش مع موظف أرشيف ريحته بقت غم ونكد. ضحى طلعت أذكى منك وأنا مش بضيع وقتي مع خسرانين. خرجت نرمين وصفعت الباب خلفها ليجد طارق نفسه وحيدا مع صدى كلمات والده الراحل.
مرت الشهور وذاق طارق من نفس الكأس. اضطر للعيش في غرفة بسيطة يعمل ليل نهار ليؤمن قوته بينما كان يرى صور ضحى في المجلات الاقتصادية وهي تكرم كأفضل سيدة أعمال قامت بمبادرات خيرية لبناء مستشفيات مجانية لكبار السن. في
ليلة باردة مرض طارق بشدة ولم يجد من يغطي قدميه أو يعطيه شربة ماء. تذكر كيف كانت ضحى تسهر تحت قدمي والده وكيف كانت تبتسم في وجهه رغم تعبها.
طارق باكيا يا ريتني كنت ربع وفائك يا ضحى.. أنا دلوقت اللي ريحة المرض والوحدة بتخنقني ومش لاقي اللي يطهر جروحي.
قررت ضحى زيارة المصنع القديم وهناك رأت طارق وهو يحمل بعض الصناديق ظهره انحنى وشعره غطاه الشيب المبكر. رآها فسقط الصندوق من يده.
طارق ضحى.. أنا مش طالب فلوس ولا طالب ورث. أنا طالب بس تقولي لي إزاي قدرتي تسامحي أبويا وهو فاقد النطق كل السنين دي
ضحى سامحته لأنه كان إنسان ولأنه شاف فيا بنته قبل ما أكون مرات ابنه. الوفاء يا طارق مش سلعة بنشتريها الوفاء ده عبادة. أنا مش جاية أشمت فيك أنا جاية أقولك إن القسط الأخير من ديونك للشركة أنا اتنزلت عنه.. مش عشانك عشان خاطر الراجل اللي شلته في عيني وصان غيبتي وهو ميت.
تزوجت ضحى بعد سنوات من رجل يقدر قيمتها طبيب كان يشرف على حالة حماها وشهد بعينه صبرها ومعجزاتها. أسست مؤسسة الوفاء لرعاية المسنين وأصبحت قصة بنت المستشفيات ملهمة لكل امرأة صابرة. أما طارق فظل يعيش على هامش الحياة كلما مر بجوار فيلا والده شم رائحة المطهر فابتسم بمرارة لأنها الرائحة الوحيدة التي كانت تذكره بأن هناك جنة كان يمتلكها
يوما.. وأضاعها بجحوده.

تم نسخ الرابط