740 طفلًا على سفينة موت… والعالم كله قال “لا” إلا رجل واحد قال “نعم”!

لمحة نيوز

التي ستأخذهم إلى الميناء كان جام صاحب هناك.
لم يلق خطبا طويلة.
اقترب فقط من ماريا وبيوتر.
عدل وشاح بيوتر كما يفعل الأب.
ثم قال لماريا
وعدك لأمك مستمر.
لكن لديك الآن وعد آخر عيشي.
عضت ماريا على شفتيها لتمنع الدموع.
ثم انحنت برأسها احتراما كما رأت الآخرين يفعلون.
قالت له بالبولندية
شكرا.
كرر المترجم لكن جام صاحب أوقفه بابتسامة.
قال
لا حاجة للترجمة.
الامتنان مفهوم بكل اللغات.
أخرجت ماريا دبوس الزهرة من جيبها وأرته له.
قالت
سأرتديه دائما.
هز رأسه وقال
إذن أينما ذهبت ستحملين معك جزءا من هذا المكان.
تحركت المركبة.
ظل الأطفال ينظرون من النافذة حتى صارت بالاتشادي ضبابا بين الأشجار والغبار.
شعرت ماريا كأنها تودع جزءا من نفسها لا بيأس بل بحزن كريم.
بعد سنوات عندما انتهت الحرب وحاولت أوروبا إعادة بناء نفسها من الركام تفرق أطفال بالاتشادي في أنحاء العالم.
عاد بعضهم إلى بولندا ليجدوا بيوتهم مفقودة.
وبنى آخرون حياتهم في أماكن غريبة إفريقيا أوقيانوسيا الأمريكتين.
تزوج كثيرون وأنجبوا وعملوا وشاخوا.
لكن حتى في أهدأ الليالي عندما بدا أن العالم يعود إلى طبيعته كانت ذكرى واحدة تلمع كمصباح رجل يرتدي الأبيض راكعا في ميناء يقول أنتم مرحب بكم هنا.
احتفظت ماريا وقد أصبحت امرأة بثلاثة أشياء في صندوق
رسالة أمها والدفتر الذي كتبت فيه عن أيام السلام الأولى ودبوس الزهرة
الزرقاء.
وفي غرفة جلوسها علقت صورة باهتة مجموعة من الأطفال البولنديين في ساحة تحت أشجار النخيل ابتساماتهم خجولة.
وفي الوسط رجل بملامح هادئة.
أصبح بيوتر طبيبا.
قال إنه اختار هذه المهنة لأنه تذكر الأيدي التي شفته دون أن تطلب شيئا.
وكلما عالج طفلا مريضا تذكر تلك النعم التي أنقذت حياتهم وحاول بصمت أن يكررها بأفعاله.
في لقاء جمع لاجئين سابقين بعد سنوات طويلة روت ماريا القصة لشباب لم يتخيلوا المجاعة السوفيتية ولا الرفض عند الموانئ.
سألوها
كيف كان
ابتسمت ماريا وفي
ابتسامتها كان من الألم بقدر ما كان من النور.
قالت
كان شخصا فهم أن القوة الحقيقية لا تكمن في الأمر بل في الحماية عندما لا يريد أحد أن يفعل ذلك.
في أواخر حياتها عادت ماريا إلى الهند مرة أخرى.
لا كلاجئة بل كضيفة.
سارت في الأماكن التي كانت فيها طفلة.
في بالاتشادي كان الهواء لا يزال يحمل رائحة الملح والتراب.
وقفت تحت شجرة ما زالت هناك وأغمضت عينيها.
وفي ذهنها سمعت الضحك والغناء وخطوات صغيرة.
وضعت زهرة على الأرض وهمست
وفيت بوعدي يا أمي.
وساعدني أحد على الوفاء به.
ثم أضافت كأنها تخاطب الماضي
شكرا.
لأن ما فعله جام صاحب في النهاية لم يكن إنقاذ أرواح فحسب بل إعادة 740 طفلا إلى الإيمان من جديد.
في عالم أنكر عليهم حق الوجود منحهم شيئا أعظم من ميناء منحهم الكرامة.
وهكذا حين يروي التاريخ أهوال الحرب
ينبغي أن يروي أيضا هذه اللحظة الصغيرة والعملاقة في آن واحد اللحظة التي انتصرت فيها نعم على البحر والبيروقراطية والخوف.
لأن ضميرا واحدا أحيانا يكفي لإشعال منارة في أحلك السنوات.
وقد تبع 740 طفلا ذلك النور إلى الشاطئ 
السفينة كانت عايمة وسط المحيط والريحة فيها كانت ريحة موت.. الأطفال كانوا متكدسين فوق بعض وجوههم شاحبة من الجوع. كل ما السفينة تقرب من ميناء تترفع المدافع أو تيجي أوامر برفض الرسو. حتى كيب تاون في أفريقيا رفضتهم! بريطانيا بعتت برقية سرية للقبطان بتقول لا تسمح لهم بالنزول عودوا بهم إلى إيران أو أي مكان آخر نحن في حالة حرب ولا نملك طعاما لغرباء. تخيلوا.. 740 طفل بيسمعوا الكلام ده وهما بيبصوا لليابسة من بعيد وهما بيبكوا! وفجأة.. ظهر قارب صغير عليه علم غريب بيقرب من السفينة.. تفتكروا مين اللي عليه 
القارب كان عليه الحرس الخاص للمهاراجا ديغفيجايسينجي. الرجل ده لما عرف باللي بيحصل مقدرش ينام. دخل مكتبه وضرب الأرض بعصايته وقال لمستشاريه لو بريطانيا العظمى خايفة من شوية أطفال أيتام فأنا مش خايف!. أمر القبطان فورا بالرسو في ميناء ولايته ناواناجار ضاربا بكلام الإنجليز عرض الحائط. الموظفين البريطانيين في الهند حاولوا يمنعوه وقالوا له ده خرق للقانون الدولي وهيكلفك كتير.. رد عليهم ببرود أنا لا أخرق القانون.. أنا أطبق شريعة الإنسانية
التي نسيتموها! بس اللي عمله المهاراجا لما الأطفال نزلوا من السفينة كان صدمة للكل.. 
الأطفال نزلوا من السفينة وهما مرعوبين فاكرين إنهم داخلين سجن جديد. لكنهم لقوا المهاراجا واقف بنفسه على الرصيف ومنحني ليهم وهو بيبتسم. قالهم جملة مترجمة بلغتهم البولندية لا تذرفوا الدموع يا أبنائي.. من اليوم أنا والدكم وهذه الأرض هي بيتكم. وبالفعل محبسهمش في خيم.. ده بنى لهم مدينة كاملة اسمها بالاتشادي. تخيلوا إنه أمر الشيفات بتوعه يتعلموا الأكل البولندي عشان الأطفال ميحسوش بالغربة! وبنى لهم كنيسة صغيرة وسمح لهم يمارسوا طقوسهم بحرية كاملة وسط مجتمع هندوسي! لكن بعد الحرب ما خلصت.. حصلت لحظة وداع بكت فيها الهند كلها.. 
سنة 1946 الحرب خلصت وكان لازم الأطفال يرجعوا بلدهم بولندا اللي بدأت تتبني من جديد. يوم الوداع الأطفال مكنوش عايزين يمشوا كانوا بيحضنوا المهاراجا وبيقولوا له بابا. المهاراجا قبل ما يمشوا قالهم اذهبوا وابنوا بلدكم لكن لا تنسوا أبدا أن لكم أبا في الهند ينتظركم دائما. والوفاء مخلصش هنا! بعد سنين طويلة لما بولندا استقلت قررت الحكومة البولندية تكريم المهاراجا بعد وفاته وسموا واحدة من أرقى المدارس في العاصمة وارسو باسمه وعملوا له نصب تذكاري مكتوب عليه إلى الرجل الذي أنقذ أطفالنا عندما أدار العالم ظهره لنا.
العبرة أحيانا الغريب بيكون أحن عليك
من القريب.. والنخوة ملهاش علاقة بالدين أو الجنسية هي مجرد قلب حي!

تم نسخ الرابط