طفل يعثر على حصانٍ مقيّد في الصحراء… لكن ما اكتشفه غيّر كل شيء! 😱🐎
عليهما أن يتحركا معا. وفي تلك اللحظة انكسر صمت الليل بصرير خشب. تحرك باب الإسطبل. ظهر المراقب تحت ضوء القمر بعينين باردتين وقبضتين مشدودتين. زمجر كفى لعبا. عند السادسة تأتي الشاحنة. ستأتي لهذا الحيوان ولكل من يفيض. ابتلع أليف ريقه لكنه لم يتراجع. نهض ببطء وهو يمسح يديه في سرواله.
قال سأثبت لك أنه قد يستحق سترى. ضحك المراقب ساخرا ثم ابتعد وتركه وحده. شعر أليف بالدم يصعد إلى وجهه لكنه لم يتردد. عاد إلى رعد وربت عليه من جديد بقدر أكبر من الحنان. همس هذه وعود جراحنا أنا سأداويها وأنت ستصمد. سعال خفيف. أمال الحصان رأسه ونفخ كأنه يختم العهد. في تلك اللحظة فهم أليف أنه لا يقاتل قسوة الرجال وحدها بل يقاتل أيضا الخوف الذي جعله صغيرا وأنهمامن هذا الاعتناء المشتركسيصيران أقوى مما تخيلا يوما.
وبالرباط مشدودا والقلب مشتعلا عاد أليف إلى مخبئه مرة أخرى. لم يشعر في حياته بمثل هذا الإصرار ولا بمثل هذا الخوف لكن الوعد الذي قيل في العتمة وبريق تلك العينين الواسعتين سيدفعانه لتحدي أي كان كي ينقذ صديقه. في الليلة السابقة لم يكد أليف ينام. كانت رأسه ممتلئة بالصور وجه دون روكي وهو ينظر بازدراء إلى الرباط المرتجل لرعد هيئة المراقب وهو يعلن قدوم الشاحنة وضحكات العمال وهم يسخرون من الحصان.
وفي صباح ذلك اليوم حين استيقظ شعر بثقل الذنب وبإلحاح حماية صديقه الجريح. سار نحو الحظيرة بخطوات حاسمة رغم ألم ركبتيه من كثرة الاختباء. وحين وصل رأى عدة عمال مجتمعين عند الباب الخشبي. كانوا يضحكون ويشيرون إلى شيء على الأرض بين القش وروث حديث. كان كلب الحراسة ترينودو يشم بتوتر. فهم أليف فورا لقد مزقوا رباط رعد ودفعوه بعصا.
كانت القماشة الممزقة والدم الطازج في الوحل شاهدين على قسوة مجانية. قال أحد الرجال وهو يركل الرباط الملطخ انظروا كم هو عديم الفائدة مجرد عبء آخر للمسلخ. ضحك الآخرون وهم يرمون الحصان بالسخرية. شعر أليف بألم حاد في صدره. اقترب ببطء دون أن ينتبهوا إليه وجمع بقايا الرباط. كانت قطع القماش مملوءة بالوحل والشر. شعر بغضب لم يعرفه من قبل.
لكنه تذكر الوعد تحت القمر مداواة الجراح والصمود معا. دوى صوت مألوف خلفه ماذا تفعل هنا أيها الصغير سأل المراقب وهو يمسك مصباحا. قلت لك لا تعد حتى يتم إنجاز العمل. استدار أليف وواجهه ووجهه مشتعل بالغضب ودموع محبوسة. قال هم مزقوا رباط رعد ليس عملي أن أنظف شرهم. عقد المراقب حاجبيه وماذا تريدني أن أفعل هذا الحصان لا ينفع. وبصق وهو يشير إلى الحظيرة. ثبت أليف نظره ينفع للحياة ينفع للنضال ينفع ليثبت أن الرحمة أقوى من السوط. سكت العمال. نبح ترينودو مرة كأنه يساند الطفل. لعن المراقب واقترب بخطوات بطيئة لقد صرت شجاعا أكثر مما ينبغي لك. فكر جيدا فالبيت الذي يطعمك يستطيع أن يطردك. شعر أليف بقشعريرة لكنه لم يتراجع. كان يمسك قطع القماش بيمينه وباليسرى لمس جرح رعد المفتوح.
قال سأصلح هذا وهو سيشفى. نظر إليه المراقب بازدراء ثم استدار على عقبيه ورحل. عاد العمال إلى أعمالهم لكن الصمت لم يعد لامبالاة بل صار هروبا. جمع أليف ما تبقى من الرباط وبدلا من أن يختبئ جلس إلى جانب الحصان وبدأ ينظف الجرح بعناية. صنع مرهما صغيرا من شحم خنزير كان قد سرقه قبل أيام ممزوجا بأعشاب عطرية.
دهن الخليط على اللحم الجريح وهو يهمهم بأغنية كانت أمه تغنيها له وهو صغير. نفخ رعد وخفض رأسه كأنه يشكر تلك اللمسة. شعر أليف بحنان عميق. كان يعلم أن هذه الأفعال الصغيرة المتكررة ستقوي ليس لحم الحصان فحسب بل إرادته الجامحة أيضا. وحين انتهى جمع أدواته المرتجلة وانسحب إلى العتمة. وفي تلك الساعات قبل الفجر كان الطفل والحصان يتنفسان معا يتشاركان نفس العناية المتبادلة.
ظل ألم قسوة الأمس خلفهما لكن ذكرى القلوب الجبانة انطبعت في عقولهم كوشم. ومع أول خيوط الصباح التي صبغت الحظيرة بذهب خفيف عاد أليف إلى رعد. كان
بأصابع حذرة رفع القماش ورش الجرح بماء بارد ثم وضع قطرات من مرهمه المنزلي وأعاد لف المنطقة المصابة. كانت كل حركة بمثابة مداعبة وكل لمسة فعل إيمان. وحين انتهى عقد في نهاية الرباط عقدة صغيرة علامة على رابط لا يستطيع أحد كسره. همس للحيوان سنواصل القتال. وعلى الرغم من كل شيء فتح رعد عينا واحدة ونظر إليه بثبات. لم تكن تلك النظرة حيرة بل تواطؤا.
نهض أليف وربت على جانب الحصان على حرارة الجسد القوي الذي يشترك معه في المصير. خلف سياج الحظيرة كان الرجال قد بدأوا أعمالهم اليومية. صرير الخشب واحتكاك المعدن كانا يعلنان قدوم الشاحنة. ومع ذلك كان أليف يعرف أنه ما دام يبقي تلك العناية الليلية حية فلن يستطيع أحد أن ينتزع منهما الأمل.
بدأت ليلة الهروب بصمت كثيف كأنه تجمد في الهواء. استيقظ أليف قبل أن يلمع أول نجم في السماء وقلبه يخفق بعنف. كانت أنفه رطبة من الانفعال وعيناه تحترقان من السهر وظهره ممتلئا بألم بعد حمل أكياس الشوفان والبردي أياما طويلة. لكن شيئا من ذلك لم يكن مهما. كانت تلك الليلة التي سينفذ فيها أخطر خطة لديه. في مخبئه قرب الحظيرة راجع الطفل كل خطوة في ذهنه أولا فتح باب الحظيرة بحذر مستخدما الخطاف المعدني الذي وجده في الورشة. ثانيا ربط الحبل في عنق رعد دون أن يوقظ الحراس.
ثالثا قيادة الحصان عبر ممر الأشواك والحجارة إلى بوابة العربات القديمة. وأخيرا اجتياز السور الرئيسي قبل أن يطلع الفجر. كان ساذجا أن يظن أن كل شيء سيجري على نحو مثالي لكن أليف كان قد تدبر كل تفصيل. كان قد تمرن على كل حركة في رأسه مئات المرات. وبيدين مرتجفتين فتح المزلاج الخشبي الصغير المؤدي إلى الحظيرة. جعل الصرير الذي صدر منه أن يحبس أنفاسه. في الداخل كان رعد نائما واقفا والرباط محكما والساق تكاد لا تتحرك.
حين سمع الصوت خفض رأسه وحرك أذنا واحدة منتبها. أشعل أليف المصباح الصغير في لحظة وهو يخفيه خلف ظهره وهمس بصوت واهن إنها الآن يا صديقي ثق بي. أطلق الحصان صهيلا خافتا كزفرة ثم اقترب. أخرج أليف الخطاف وبدأ يدخله في القفل الصدئ. كان كل ثانية تمر عليه ثقيلة كمن ينتظر الموت. وحين شعر أخيرا بأن المزلاج قد انزلق ورضخ اجتاحه مزيج من النصر والخوف في آن واحد.
دفع الباب بحذر فصدر صرير غامق أعلن انتقال خطته إلى مرحلة لا رجعة فيها. خرج تروينو مترنحا من الحظيرة يعرج عرجا خفيفا بالكاد يلاحظ. توقف الحصان خلف الباب والتفت إلى الوراء كأنه متردد. ركع أليف وربت على عنقه وهمس في أذنه
نوميريس أترايس تقدم.
نعم بدا أن الحصان قد فهم. شد أليف الحبل حتى اقترب من الجلد نصف سنتيمتر فقط ثم سحب برفق. تقدم تروينو وحوافره تثير سحبا صغيرة من الغبار البطيء.
كان كل خطوة نصرا صامتا لكنها في الوقت ذاته خفقة قلب مكشوفة للخطر. سارا بمحاذاة ممر المخزن حيث بقايا القش والبرك الراكدة تشكل فخاخا خادعة. كان أليف ينحني ليتفادى العوارض المنخفضة وفي الوقت نفسه يقود الحصان بيد ثابتة حنونة. دوى صرير بعيد فأفزعه. كان ديك قد استيقظ قبل أوانه. حبس الطفل أنفاسه وألح على الصمت كأن إرادته قادرة على إيقاف الصياح.
سقط الطائر وعم العالم ظلام صوتي ارتج في أذنيه. وصلا إلى البوابة الخشبية القديمة المؤدية إلى طريق ترابي. هناك كانت الخطة بسيطة دفع الضلفة اليسرى بقوة بينما ينفذ أليف بالحبل إلى الحقل. لكن البوابة كانت متخشبة بفعل سنين الرطوبة. أسند أليف كتفيه ودفع بكل ما أوتي من قوة وهو يشعر بعظامه تكاد تتكسر. دفع تروينو من الخلف بصدره. انشقت البوابة بفرقعة جافة وسقطا معا في الجهة الأخرى بين الأعشاب والحجارة.
تلقى أليف ضربة في ركبته لكنه لم يتوقف. سرعان ما احتواهما الظلام.
التصق أليف بالحصان وتنفس بعمق وانتظر. ابتعد الهمس وحين عاد الصمت واصلا السير. كان كل متر أبدية. كل حجر يطعن قدمي أليف. وكل شوكة تغرز في جلد الحصان تخرج منه زفيرا كاد يفضحهما. ومع ذلك تابعا معا إيقاع الأمل. عند أطراف الملكية وجدا السور المعدني السميك ذو القضبان الصدئة. هناك كانت الخطة استخدام الكماشة التي سرقها أليف من الحدادة لقطع قضيبين وفتح فجوة.
أخرج الكماشة من حقيبة بالية وبدأ القطع. كل عضة معدن بأخرى كانت ترج يديه وعرق بارد يسيل على جبينه. وقف تروينو إلى جانبه كأنه يحميه بعينين ممتلئتين تعبا وثقة. أخيرا وبعد دقائق بدت دهورا أزاح قضيبا ووسع الفتحة بما يكفي لمرور رأس الحصان. حانت لحظة الحقيقة. انزلق أليف عبر الفجوة وشعر بالسور يخدش ظهره لكنه لم يهتم.
وحين أصبح في الخارج شد الحبل بقوة فمر تروينو رغم عرجه إلى الجهة الأخرى. كانا حرين. صفعهما هواء الخارج كإعلان نصر. أمامهما امتد طريق ترابي يتلوى نحو أقرب قرية تبعد ساعات. لم تكن هناك أضواء سوى خيط شاحب من الفجر. تنفس أليف بعمق ثم التفت لينظر إلى الحظيرة المظلمة خلفه حيث كان ينام الرجال الذين كانوا سيقتلون صديقه لو لم يهربا.
شعر بالغضب والراحة معا.
هيا همس علينا أن نصل قبل شروق الشمس.
وانطلقا. كان كل وقع لحوافر تروينو صدى للحرية وكل خطوة لأليف صرخة أمل مكتومة. كانا يعلمان أن الفجر قد يفاجئهما وأن الخطر ما زال يتربص لكنهما أدركا أيضا أنه منذ تلك اللحظة لم يعد هناك رجوع. والطفل ويده على ظهر الحصان شعر بأن قلبه لم يعد يخفق خوفا بل حبا.
وهكذا في تلك الليلة من الهروب أبرما عهدا أقوى من أي خوف عهد الحرية المشتركة المؤسس على التضحية والشجاعة والرابطة الصامتة بين كائنين تعلما كيف
يعتني أحدهما بالآخر. كانت الليلة قد انقضت حين بلغا أطراف المزرعة. لم يكن الفجر قد أشرق بعد لكن ضوءا باهتا لاح خلف التلال. تمسك أليف بالحبل بيدين مرتجفتين وقاد الحصان عبر ممر ضيق لا يتعدى كونه أخدودا في التراب.
كانت خطوات تروينو تثير غبارا يتسلل إلى حلق الطفل ويلهب عينيه. امتزج ألم الجرح بإرهاق الهرب وبخوف بدائي يضغط صدره الخوف من الانكشاف من فقدان صديقه من أن يعود وحيدا. عبرا منطقة مليئة بالأشواك. كان تروينو يعرج بشدة يرفع ساقه المصابة كلما وطئ حصاة.
كان أليف يشجعه بهمسات رقيقة
قاربنا اصمد يا تروينو اصمد.
رد الحصان بنفخة عميقة كأنها زئير مكتوم وعد بالاستمرار. شعر أليف بفخر ومحبة واثقا أن صديقه لن يخذله. كان الحقل من حولهما متاهة من صفوف الذرة ودوار الشمس الذابل. الريح تحرك السيقان اليابسة فتصدر همسا يشبه أصواتا بعيدة.
شد الطفل الحبل بحذر منتبها لأي طقطقة. نعب غراب في البعيد فارتجف أليف ورفع بصره فرأى ظلا أسود يعبر السماء. انقبض قلبه. أكان نذير شؤم لكنه تذكر وعده لتروينو بأن يصمدا معا فاستنشق الهواء بقوة ومسح دمعة وتابع. انتهى الممر إلى طريق ترابي أوسع تسلكه أحيانا عربات الصيادين المتجهين إلى النهر.
توقف أليف عند صخرة كبيرة وهمس مرتجفا
سأستريح قليلا يا صديقي نبضي متسارع.
جلس مسندا ظهره إلى الصخرة وأسند وجهه إلى ركبتيه وأغمض عينيه. شعر بنبض تروينو قريبا ثابتا. قبض يديه ليهدئ ارتعاشهما. كان يخشى أن ينام ويستيقظ في عالم لا حصان فيه. أجبر نفسه على التنفس ببطء والتركيز على دفء الزفير القادم عبر الحبل.
بعد برهة نهض وقدم لتروينو ما تبقى من خبز قاس. أخذه الحصان بحذر ومضغ ببطء كأنه يدرك أن تلك اللقمة ثمرة شجاعة. ركع أليف إلى جواره وقال
علينا عبور ذلك الجسر الخشبي. سيصر فلا تخف. أنا معك.
أمال تروينو رأسه وتقدم خطوة بثقة. شعر أليف بقشعريرة حين وطئت قدماه الألواح.
كان كل لوح يئن وينحني تحت ثقل الحصان. سار الطفل بمحاذاة رأسه متجنبا الألواح المتعفنة. ومع كل صرير يتسارع قلبه لكنهما عبرا سالمين كأن الخوف ذاب في ضجيج الجسر. بعده انحدر الطريق إلى واد كثيف الأشجار. لم ير أليف من قبل هذا العدد من الأشجار. كانت الأدغال كثيفة والعتمة شبه مطلقة. كان التنفس هناك كالدخول في كيس من الظلال.
أخرج المصباح المعطل وأشعله. ارتجف خيط الضوء بالكاد يضيء خطوات قليلة. تقدم بحذر ممسكا بالحبل شاعرا بنفس تروينو الدافئ إلى جانبه. ومع كل اهتزاز للضوء كان يتخيل أشباحا أغصانا كالأذرع جذوعا كهيئات بشرية. لعب عقله بالعتمة ملأها بمخاوف وهمية. قبض أصابعه على المصباح متمنيا نهاية الوادي. أخيرا خرجا إلى فسحة حيث بزغت شمس الصباح بين القمم.
توقف أليف وشعر بقشعريرة أمام الضوء الجديد. خفض تروينو رأسه وصهل بخفة كأنه يحتفل بانتهاء الظلام. ترك الطفل الحبل وربت على ظهر الحصان. كانت الساق المصابة رخوة لكن الحصان تحمل بكرامة. عقدت الغصة حلق أليف وفاضت مشاعر الارتياح والحب بدموع مكبوتة. جلس على صخرة وراقب الوادي خلفه حيث لا تزال الظلال متشبثة بالأدغال.
ثم نظر إلى الطريق أمامه يتلاشى بين تلال خضراء وجدول يتلوى بين أزهار برية. كان الهواء معطرا بالعشب والحرية. استعاد أليف قواه بصمت يتغذى على الشمس التي جففت دموعه ودفأت وجهه.
نجحنا همس لكن الطريق ما زال طويلا.
أسند تروينو رأسه على كتفه تأكيدا للعهد. مد أليف يده وربت على خده لمسة مفعمة بالامتنان والوعد. لم يبعد الحصان نظره.
كانت عيناه تعكسان إصرارا على المضي رغم الألم. بزفرة أخيرة التقط أليف الحبل ونهض وتابع مع تروينو. كان كل خطوة على ذلك الطريق الممزوج بالخوف تعمق رابطتهما وتحيل الرهبة شجاعة فقد تعلما أن الأمل والمحبة قادران على هداية من يعتني أحدهما بالآخر مهما اشتد وعثاء الطريق وسواد الليل. كانت الشمس تزحف ببطء فوق التلال لكن اليوم بدا لهما أبديا.
سارا ساعات طويلة على طرق منسية يعبران حقول العشب الجاف وتلالا لينة لا تمنح راحة. ضربت الشمس ظهريهما واختلط العرق بالغبار على جلد الطفل. كان تروينو يعرج أكثر فأكثر يجر ساقه المصابة بجهد ظاهر ونفسه يثقل ويبطؤ. أحيانا بدا أنه سيتوقف. حاول أليف ألا يحدق في الجرح كثيرا.
كان يعلم أن منظره سيصيبه بالهلع. كانت الضمادة متسخة وحافتها السفلى تعاود الاحمرار بالدم. المرهم البدائي الذي وضعه ليلا لم يعد ينفع ولا ماء ولا طعام سوى عزيمة عمياء على عدم العودة. عند منطقة صخرية محاطة بالشجيرات توقف أليف. كانت منخفضا صغيرا يحمي من الريح. ربط حبل تروينو بغصن منخفض وتركه يستلقي.
سقط هو أيضا على الأرض الساخنة. كان فمه جافا ولسانه ملتصقا بحنكه وبطنه خاوية منذ الليلة الماضية. كان جسده يطالب بالراحة لكن عقله ظل متيقظا مدفوعا بالخوف من أن يعثر عليهما أحد ومن أن يذهب تضحية تروينو سدى وأن يكون الأمل وهما طفوليا. أطلق تروينو حين استلقى صهيلا قصيرا كأن شكوى داخلية. زحف أليف ووضع رأسه على عنقه.
أعلم أنا جائع مثلك همس لكن اصبر قليلا. لا بد أن نجد شيئا.
بقي دقائق يستمع إلى دقات قلب الحصان بطيئة ثابتة كطبل يحدد إيقاع شجاعته. ثم نهض بصعوبة وبدأ يبحث حوله. لم ينتظر معجزات فقط لقمة ثمرة يابسة بركة ماء. فتش بين الشجيرات تحت الصخور والجذور اقتلع عشبا مر الرائحة كان يعلم أنه غير سام وجمع أوراقا عريضة.
حملها في قميصه وعاد إلى تروينو الذي لم يتحرك.
ليس وليمة لكنه أفضل ما وجدت قال وهو يضع الأوراق قرب فم الحصان.
شم تروينو العشب وأكل قليلا بلا حماسة. ابتلع أليف نصيبه بصعوبة. كان طعم التراب لاذعا لكن لم يشتك. تألم معدته واشتعل حلقه فشد على أسنانه. لم يكن مسموحا له بالضعف. استلقى بجوار الحصان وحدق في السماء.
كانت غيوم كثيفة تغزو الزرقة. شعر