باعت بيتها وأرضها لتعلّم أبناءها… وبعد 20 سنة عادوا بطائرات وأخذوها لمكان أبكاها!
المحتويات
يمض.
بدأ الجيران يخرجون من بيوتهم عند سماع البكاء.
لقد عدنا يا أمي قال باولو.
وهذه المرة لم يكن وعدا.
في اليوم التالي اصطحباها إلى مطار بينيتو خواريز الدولي.
كانت تيريزا تمشي ببطء تنظر حولها بدهشة.
أحقا سأصعد سألت بتوتر.
لن تصعدي فحسب أجاب ماركو اليوم أنت ضيفة الشرف.
داخل الطائرة وقبل الإقلاع أمسك ماركو بالميكروفون.
سيداتي وسادتي لدينا اليوم على متن هذه الرحلة المرأة التي جعلت وجودنا هنا ممكنا. أمنا باعت كل ما تملك كي ندرس الطيران. هذه الرحلة مهداة لها.
ساد صمت في المقصورة.
وتابع باولو
أشجع امرأة نعرفها ليست مشهورة ولا ثرية. إنها أم آمنت بنا حين لم نكن نملك شيئا.
بدأ الركاب يصفقون.
وبكى بعضهم.
كانت تيريزا ترتجف تأثرا بينما أقلعت الطائرة.
وحين انفصلت العجلات عن الأرض أغمضت عينيها.
أنا أطير همست.
لكن ذلك لم يكن الوجهة الحقيقية التي أعدها لها ابناها
ما ستراه عند نزولها من الطائرة سيغير حياتها إلى
وشعرت أن تضحيات السنوات الطويلة بكل ما حملته من تعب وصبر ودموع خفية قد وجدت أخيرا مكافأتها التي تأخرت كثيرا لكنها جاءت في الوقت الذي اختارته السماء.
بعد انتهاء الرحلة لم يعودوا مباشرة إلى المدينة بل اصطحباها بالسيارة نحو فايي دي برافو. كانت الطريق متعرجة تصعد بين الجبال وتهبط برفق كأنها تحاكي رحلة حياتها نفسها صعودا شاقا وهبوطا مفاجئا ثم صعودا جديدا بإصرار.
كانت تيريزا تجلس في المقعد الخلفي تنظر من النافذة بدهشة طفلة ترى العالم للمرة الأولى. الأشجار الخضراء تمتد بلا نهاية والهواء يبدو أنقى مما اعتادت عليه والجبال تحيط بالمكان كأذرع عملاقة تحرسه.
إلى أين نحن ذاهبون سألت بصوت خافت.
تبادل ماركو وباولو نظرة صامتة في المرآة الأمامية ثم ابتسم ماركو وقال
إلى مكان تستحقينه منذ زمن طويل.
كلما اقتربوا بدأ يظهر لمعان البحيرة من بعيد سطحها يعكس ضوء الشمس مثل مرآة ذهبية. كان المشهد ساحرا إلى حد جعل قلبها
توقفت السيارة أخيرا أمام منزل جميل يطل مباشرة على الماء. كان أبيض الجدران تحيط به شرفة خشبية واسعة وحديقة صغيرة مزروعة بالزهور البرية. بدا المكان هادئا كأنه قطعة من حلم.
نزل ماركو أولا ثم فتح الباب لأمه. ساعدها على النزول برفق كما لو كانت كنزا هشا يخشى عليه من الريح.
وقفت تيريزا أمام المنزل تحدق فيه غير مصدقة.
مد ماركو يده وفيها مفاتيح تتلألأ تحت الشمس.
أمي قال بصوت مبحوح من التأثر هذا بيتك.
نظرت إليه ثم إلى المفاتيح ثم إلى باولو الذي اقترب وأمسك بيدها الأخرى.
لم تعودي مضطرة للعمل بعد اليوم قال باولو الآن حان دورنا لنعتني بك كما اعتنيت بنا.
لم تستطع الوقوف.
سقطت على ركبتيها ودموعها تنهمر بلا محاولة لإخفائها.
كان كل شيء يستحق العناء قالت بين شهقاتها كل تامال بعته كل فجر استيقظت فيه قبل الشمس كل ليلة بكيت فيها بصمت حتى لا تشعرا كل شيء.
انحنى ابناها واحتضناها على الأرض كما احتضنتهما يوما
دخلوا المنزل ببطء.
لمست الجدران كما لو كانت تتحقق من أنها حقيقية. مررت يدها على الطاولة الخشبية على الأريكة النظيفة على النوافذ الواسعة التي تطل على البحيرة.
تذكرت سقف الصفائح المعدنية الذي كان يقرع بقوة عند هطول المطر.
تذكرت الغرفة الضيقة المستأجرة والجدران الرطبة والبرد في الشتاء.
تذكرت الليالي التي كانت تضع دلاء تحت نقاط التسريب ثم تعود لتغطي ولديها كي لا يستيقظا.
وتذكرت يديها المتشققتين وظهرها المنحني وصوت السوق الصاخب والناس الذين كانوا يساومونها على سعر التامال كأنه لا يساوي شيئا.
ثم نظرت حولها من جديد.
وأدركت أمرا عميقا.
لم تكن فقيرة يوما.
قد تكون عاشت بلا مال كاف بلا بيت فاخر بلا ضمان للمستقبل لكنها لم تكن فقيرة.
لأنها كانت دائما غنية بالحب.
غنية بالإيمان بحلم لم تر ملامحه بوضوح لكنها تمسكت به كما يتمسك الغريق بخشبة النجاة.
في تلك الأمسية جلس
متابعة القراءة