باعت بيتها وأرضها لتعلّم أبناءها… وبعد 20 سنة عادوا بطائرات وأخذوها لمكان أبكاها!

لمحة نيوز

البحيرة.
تلونت السماء بالبرتقالي ثم الأحمر ثم البنفسجي الخافت.
انعكست الألوان على الماء فبدت البحيرة كلوحة مرسومة بعناية إلهية.
جلس ماركو إلى يمينها وباولو إلى يسارها كل منهما يمسك بإحدى يديها كأنهما يخشيان أن تختفي إن تركاها لحظة.
كان النسيم لطيفا يحمل رائحة الماء والأشجار.
وشعرت تيريزا للحظة عميقة وصامتة كأن زوجها الراحل يبتسم من مكان بعيد راضيا فخورا مطمئنا.
الآن أستطيع أن أرتاح همست الآن فقط أشعر أن رسالتي اكتملت.
لكنها لم تكن رسالة عادية.
فابناها لم يتعلما الطيران فحسب.
لم يتعلما كيف يقودان طائرة وسط السحاب ويهبطان بها بأمان.
لقد تعلما كيف يردان الجميل.
تعلما أن الأحلام لا تتحقق بالموهبة وحدها بل بظهر ينحني في السوق ويدين تتشققان من العمل وقلب لا ييأس.
وتعلمت هي شيئا آخر.
أن الأم حين تزرع الحب
لا تنتظر الحصاد في اليوم التالي.
قد يمر موسم وقد تمر سنوات وقد يمر عقدان كاملان.
لكن الحياة لا تنسى.
تعيد ما زرع
مضاعفا مكررا بأجنحة.
في تلك الليلة نامت تيريزا في غرفة تطل على البحيرة.
لم يكن هناك صوت مطر على صفيح.
لم يكن هناك خوف من انقطاع الكهرباء.
لم يكن هناك قلق بشأن إيجار الشهر القادم.

كان هناك فقط صمت هادئ وأنفاس مطمئنة وذاكرة مليئة بصور صعبة تحولت أخيرا إلى نور.
وقبل أن تغفو فكرت في كل أم تستيقظ الآن قبل الفجر.
في كل امرأة تبيع وتنظف وتخيط وتكتم دموعها كي لا يرى أبناؤها ضعفها.
في كل أم لا تملك سوى الأمل.
ورفعت دعاء صامتا
أن يمنح الله كل أم يوما ترى فيه تعبها يتحول إلى ابتسامة.
واليوم قبل أن تنام أنت أيضا
هل ستتصل بأمك
هل ستخبرها أن ما تفعله ليس عاديا
أن تعبها لم يذهب سدى
أنك تطير اليوم لأن أحدهم سار حافي القدمين من أجلك
لأننا في النهاية مهما ارتفعنا
مهما سافرنا
مهما حققنا
نظل نحمل في قلوبنا يدا أمسكت بنا حين كنا ضعفاء.
فمن كان ذلك الشخص في حياتك
في ذلك اليوم المشؤوم بمدينة تولوكا لم يفقد ماركو وباولو والدهما فقط بل فقدا الأمان. مات الأب في موقع البناء وترك لتيريزا طفلين وجبالا من الديون. كانت تيريزا تنظر إلى سقف الصفيح في بيتها وتقول لن أسمح لهذا السقف أن يحبس أحلامكما. كان الولدان يحدقان في الطائرات المحلقة فوق حيهما الفقير فتعاهدت الأم سرا أن تجعل ابنيها يوما ما هما من يقودان تلك الطائرات.. لكن الثمن كان غاليا جدا فماذا ستقدم تيريزا
مرت السنوات وجاءت لحظة الحقيقة.
القبول في أكاديمية الطيران يتطلب ثروة لا تملكها تيريزا في مئة عام. جلست الأم مع ابنيها وقالت بلهجة حازمة سنبيع قطعة الأرض.. وسنبيع هذا البيت. ماركو صرخ وأين ستسكنين يا أمي. ردت بابتسامة باهتة سأسكن في دعواتي لكما. باعت كل شيء وانتقلت للعيش في غرفة متهالكة فوق سطح أحد المباني تعمل ليل نهار في غسل الملابس لتوفر لهما ثمن الزي الرسمي والكتب. كانت تعيش على الخبز والماء بينما يدرس ولداها بين أبناء الأثرياء!
غادر ماركو وباولو لمتابعة تدريبهما المتقدم في الخارج. خمس سنوات لم ترهما فيها تيريزا.. كانت الرسائل قليلة والمكالمات نادرة بسبب انشغالهما الشديد والعمل الجانبي الذي قاما به لمساعدة أمهما. بدأ أهل الحي يهمسون لقد نسياك يا تيريزا.. ضحيت ببيتك من أجل أبناء ناكرين للجميل. كانت تيريزا تغلق أذنيها وتستمر في العمل رغم أن يدها تشققت من كثرة الغسيل وظهرها انحنى من التعب. وفجأة.. انقطعت أخبارهما تماما لمدة عام كامل!
بعد عشرين عاما من الكدح وبينما كانت تيريزا تجلس على كرسيها الخشبي القديم بملابسها البسيطة حدث ما لم يتوقعه أحد. سيارتان سوداوان فارهتان دخلتا الزقاق الضيق الذي لا تدخله إلا العربات
المتهالكة. توقف الجميع عن الحركة.. نزل رجلان كأنهما خرجا من شاشات السينما.. ببدلات سوداء كحلية مخططة بالذهب وقبعات طيران مهيبة. إنهما ماركو وباولو! ارتميا تحت قدمي أمهما أمام ذهول الجيران الذين سخروا منها يوما. لكن ماركو لم يقل أهلا بل قال أمي
احزمي حقيبتك.. الطائرة تنتظرك!
لم يأخذاها إلى المطار كمنافسة بل ك قائدة لقلوبهم. صعدت تيريزا الطائرة الضخمة ولأول مرة في حياتها لم تجلس في المقاعد الخلفية بل أخذها ابناها إلى مقصورة القيادة! أمام مئات الركاب أمسك باولو بالميكروفون وقال بصوت يرتجف أعزائي الركاب قائد هذه الرحلة هو أنا وأخي لكن المحرك الحقيقي الذي يرفع هذه الطائرة هو هذه السيدة الجالسة بيننا.. أمي التي باعت بيتها لكي نطير. بكى الركاب وقفوا جميعا وصفقوا للمرأة التي كان يفوح منها رائحة التعب والصبر.
توقفت السيارة أمام قصر رائع يطل على الجبل وبابه يحمل لوحة ذهبية مكتوب عليها قصر الملكة تيريزا. ماركو أعطاها مفاتيح ذهبية وقال هذا البيت مكان البيت الذي بعته.. وهذه الأرض مكان الأرض التي ضحيت بها.. والآن يا أمي دورنا نحن لنكدح ودورك أنت لترتاحي. نظرت تيريزا للسماء وشكرت الله فقد أثمر غرسها
صقورا لم تنس أبدا من أين بدأت الرحلة.

تم نسخ الرابط