عدتُ من الغيبوبة قبل لحظات من إطفاء الأجهزة… وما رأيته بين الحياة والموت لن يُصدّق!
فقدت بصري قبل ثلاثة أشهر إثر حادث سيارة. غرق عالمي في ظلام دامس فانتقل بي والداي إلى فيلا معزولة ليعتنيا بي. لكن هذا الصباح حدثت معجزة. رمشت بعيني وتلاشت الضبابية. استطعت أن أرى من جديد.
كدت أندفع خارج الغرفة لأخبرهما بالخبر السعيد حين لمح بصري شيئا غريبا منديلا ورقيا مجعدا تحت سريري. تحركت في داخلي نزعة النظافة المعتادة فانحنيت لألتقطه. وهناك رأيت الكتابة.
فردته ببطء وأنا أقطب حاجبي. كان الخط فوضويا مرتجفا.
لا تخبرهم أنك تستطيع الرؤية.
توقف قلبي. لم يكن في المنزل أحد سواهم. كلمة هم تعني بوضوح والدي. لكن من الذي ترك هذه الرسالة الأشخاص الوحيدون الذين دخلوا غرفتي كانوا أمي وأبي وزوجي نوح.
في تلك اللحظة دوى طرق على الباب.
إيلا أعددت لك بعض الحساء.
كان صوت أمي اللطيف.
ألقيت المنديل في سلة المهملات متظاهرة بالهدوء لكن حين انفتح الباب تجمدت في مكاني.
كانت هناك امرأة تحمل وعاء وتبتسم لي. شفتاها حمراوان بلون فاقع وابتسامتها مريبة ممدودة أكثر مما ينبغي.
لم تكن أمي.
تراجعت مذعورة وقد ارتسمت الصدمة على وجهي. أمي امرأة ملامحها رقيقة وهادئة. أما هذه المرأة فكانت حادة النظرات ماكرة تكاد تبدو مفترسة. لكن أكثر ما أرعبني أن صوتها كان مطابقا لصوت أمي تماما.
إيلا ما بك ألست بخير اقتربت الغريبة وقطر القلق من صوتها المألوف.
تذكرت الرسالة. لا تخبرهم أنك تستطيع الرؤية.
قلت متلعثمة وأنا أحدق في الفراغ متظاهرة بالعمى ضعي الحساء هنا يا أمي. سآكله لاحقا. ما زلت أشعر بالنعاس.
ترددت قليلا وعيناها تفتشان وجهي. حسنا. كليه وهو ساخن.
ما إن أغلق الباب حتى انهرت على السرير يغمرني عرق بارد. من تكون تلك المرأة وأين أمي الحقيقية
انتظرت حتى خفت
أبي همست أختبر الأمر.
استدار الرجل واجتاح الخوف جسدي كله.
لم يكن أبي. كان رجلا غريبا بملامح جامدة وعينين باردتين لم أرهما من قبل.
إيلا ما الأمر
كان الصوت صوت أبي تماما. النبرة ذاتها الطبقة ذاتها. لكن الوجه كابوس.
لا شيء يا أبي! ابتسمت قسرا ويدايا ترتجفان خلف ظهري.
خرجت المرأة ذات الشفتين الحمراوين من ظل الرواق واتسعت ابتسامتها.
ظننتك تغفين يا عزيزتي. دعيني أساعدك في الحساء.
كنت محاصرة. في بيت يضم غرباء يرتدون أصوات والدي وإذا اكتشفوا أنني أرى فمصيري الموت.
ارتطقت الملعقة بحافة الوعاء الخزفي فدوى الصوت في الصمت المشحون كطلق ناري. جلست متصلبة على الأريكة ويداي متشابكتان في حجري حتى ابيضت مفاصلي وأظافري تغوص في راحتي. أجبرت عيني على البقاء شاردتين مثبتتين على نقطة خلف أذن المرأة اليسرى.
افتحي فمك يا إيلا قالت بنغمة مداعبة. كان صوتها متقنا إلى حد مرعب نفس اللحن الذي اعتادت أمي أن تخاطبني به منذ طفولتي نفس النبرة التي كانت تطمئنني بعد كابوس. أما الآن فكان يقشعر له جلدي.
فتحت فمي وتلقيت المرق الدافئ بطعم معدني خافت. ابتلعته بصعوبة وأنا أقاوم رغبة في التقيؤ. كل غريزة داخلي تصرخ بي أن أركض أن أصفع الوعاء وأفر نحو الباب. لكن لم أستطع. ليس بعد. الرجل الذي ينتحل صوت أبي كان جالسا في المقعد المقابل ولم يقلب صفحة صحيفته منذ عشر دقائق. كان يراقبني. أشعر بنظراته الثقيلة المفترسة تخترق جانب وجهي.
هل هو لذيذ يا صغيرتي سألت وهي تمسح قطرة حساء عن ذقني بمنديل خشن الملمس.
إنه... لذيذ يا أمي كذبت وصوتي يرتجف قليلا.
قال الرجل بصوت عميق يقلد دفء أبي إنه التعافي. دماغك يتكيف. تحتاجين إلى الراحة لكن عليك التغذية أولا.
أدرت رأسي نحوه ببطء وعيناي فارغتان. شكرا يا أبي. معك حق.
بينما اقتربت المرأة بالملعقة التقطت رائحة تنبعث منها. لم تكن عطر اللافندر الذي اعتادت أمي وضعه. بل شيء آخر خافت لكنه واضح. رائحة أرض رطبة وهواء قبو مغلق منذ سنين ممزوجة بعبير أزهار متعفنة. رائحة ركود قديم. حبست أنفاسي.
أنت تتعرقين يا إيلا قالت بنبرة تغيرت إلى فضول بارد. هل أنت خائفة
لا أجبت سريعا. فقط الجو دافئ. هل يمكنني العودة إلى غرفتي أظنني بحاجة للنوم.
توقفت. ساد صمت مشدود. كأن الغرفة كلها تحبس أنفاسها. لمحت بطرف عيني أنها تحدق في عيني تبحث عن انعكاس يدل على أنني أرى ابتسامتها المشوهة.
بالطبع قالت أخيرا. دعيني أساعدك.
أستطيع بنفسي قلت بسرعة ثم خففت نبرتي. لقد تنقلت في هذا المنزل ثلاثة أشهر. أعرف الطريق.
نهضت متحسسة الجدران كما كنت أفعل حين كنت عمياء. لامست أصابعي ذراعها كان باردا برودة لحم في ثلاجة. قاومت رجفة وسرت نحو الدرج.
قال الرجل سنكون في الأسفل إن احتجت شيئا. لا تقفلي الباب فقد نطمئن عليك.
حسنا يا أبي.
صعدت الدرج أعد الخطوات بصوت خافت. ما إن ابتعدت عن مجال رؤيتهما حتى ركضت إلى غرفتي وأغلقت الباب وأدرت المفتاح. بدا صوت الإغلاق مدويا.
ظللت أحدق في الخشب أنتظر أن يتحرك المقبض أو أن يتشقق الباب تحت ضربة مفاجئة.
لا شيء.
أطلقت زفيرا كان أقرب إلى شهقة مخنوقة ثم سقطت على السرير. كان عقلي يركض بلا توقف يحاول أن يلم شظايا الواقع الذي تهشم دفعة واحدة.
قبل ثلاثة أشهر أخذ مني الحادث كل شيء بصري استقلالي إحساسي بالأمان. كان
مثالية للتعافي فقط ليتفرغا لرعايتي. أما زوجي نوح الطيار في شركة طيران كبرى فقد كان مكسورا من أجلي. اضطر إلى الاستمرار في العمل ليؤمن حياتنا لكنه كان يزورني كلما استطاع.
نظرت حولي. الغرفة نفسها التي عشت فيها أشهرا لكن بعدما أبصرتها بدت غريبة. ورق الجدران يتقشر عند الزوايا والستائر ثقيلة رمادية تحجب ضوء النهار.
كنت بحاجة إلى نوح.
اندفعت إلى المنضدة قرب السرير أبحث عن هاتفي. كانت يداي ترتجفان حتى كدت أسقطه. قربته من وجهي وخفضت سطوع الشاشة إلى أدنى حد مذعورة من أن يتسرب الضوء من تحت الباب فيفضحني.
اتصلت برقم نوح.
أجب أرجوك أجب.
رنت مرة. مرتين.
إيلا
كان صوته طوق نجاة. ضغطت الهاتف على أذني بقوة حتى آلمتني. نوح همست وانفجرت الدموع أخيرا. نوح هل أنت معي
أنا معك يا حبيبتي. لقد هبطت للتو. كنت على وشك أن أتصل بك. ما الذي حدث صوتك هل تبكين
اسمعني قلت بصوت هامس حاد بالكاد يخرج من بين شفتي. عليك أن تأتي إلى هنا. الآن. هناك شيء غير طبيعي. شيء فظيع.
اهدئي يا إيلا. ماذا حدث هل سقطت هل تأذيت
لا أنا أنا أرى يا نوح. عاد إلي بصري هذا الصباح.
ساد صمت قصير في الطرف الآخر. أنت ماذا إيلا هذا هذا مذهل! إنها معجزة! لماذا تهمسين هل أخبرت والديك
هنا المشكلة قلت وصوتي يتشقق. نوح الأشخاص في الأسفل ليسوا والدي.
ماذا تقصدين انقلب صوته من الفرح إلى الحيرة. إيلا يا حبيبتي مررت بصدمة كبيرة. ربما رجوع البصر يربكك. الأطباء قالوا
لا! قاطعته بعنف. أنا أعرف شكل أمي! أعرف شكل أبي! الذين في الأسفل أصواتهم مثلهم يعرفون اسمي يعرفون البيت لكنهم غرباء. هم وحوش يا نوح. المرأة