عدتُ من الغيبوبة قبل لحظات من إطفاء الأجهزة… وما رأيته بين الحياة والموت لن يُصدّق!

لمحة نيوز

الشوكي.
تحطم الباب خلفي. يد رمادية طويلة بأظافر سوداء امتدت عبر الشق.
لم أفكر. تسلقت النافذة.
لن تهربي! جاء صوت الرجل لم يعد يشبه أبي إطلاقا.
نظرت خلفي. كانا في المدخل والجلد على وجهيهما ينزلق كما لو كان قناعا يذوب. تحت الملامح لم يكن سوى ظلام وعينين بيضاوين شاسعتين.
قفزت على التعريشة. مزقت الأشواك ملابسي ويدي لكنني لم أشعر بالألم. انزلقت حتى وصلت الأرض.
الحديقة صارت تتبدل أمام عيني لحظة مشذبة ولحظة مليئة بالأعشاب اليابسة والخردة الصدئة.
إيلا! جاء صوت أعرفه.
رأيته. نوح. يركض نحوي حاملا أداة حديدية.
نوح! اندفعت نحوه.
كان حقيقيا. دافئا. رائحته مألوفة.
أنت بخير. معي الآن.
نظر نحو النافذة. رأيت ظلالا شيئا يتحرك.
أمسك بيدي وسحبني نحو السور. قفزنا إلى الخارج واستقللنا السيارة المتوقفة على جانب الطريق.
انطلق بها بسرعة. نظرت في المرآة الجانبية. تحطمت الصورة تماما الفيلا بدت خرابة متداعية.
أنت آمنة الآن قال وهو يضغط على يدي.
انحنيت في المقعد أتنفس بصعوبة. أين أمي وأبي
سنذهب إلى الشرطة. لكن أولا نبتعد.
ساد الصمت. بعد دقائق بدأت أشعر بثقل غريب في جسدي. الصوت حولي صار خافتا.
نوح إلى أين نذهب
إلى مكان آمن. صوته بدا مسطحا.
أي مركز شرطة
ليس مركز شرطة.
نظرت إليه. لم يكن يرمش.
انظر إلي يا نوح.
لم يفعل. لا أستطيع. علي أن أقود.
الخوف عاد كالسيل. أوقف السيارة.
نحن قريبون. لا تقاومي.
لا أقاوم ماذا حاولت فتح الباب لكنه كان مقفلا.
أنت متعبة يا إيلا. تحتاجين إلى النوم.
صار صوته يتداخل مع صوت الرجل في الفيلا.
أنت لست نوحا همست.
التفت نحوي.
كان وجه نوح لكن العينين كانتا بيضاوين تماما.
أنا نوح ولست نوحا قال الصوت داخل رأسي.
تلاشت السيارة.
وجدت نفسي في حقل مغطى بضباب رمادي. السماء بنفسجية كدمة.
إيلا.
التفت. أمي. أبي. نوح. يقفون ممسكين بأيدي بعضهم.
بدا عليهم الشحوب كصور باهتة.
تعالي معنا قالت
أمي ببرود.
حان وقت الراحة قال أبي.
هل أنا ميتة سألت.
ليس بعد قال نوح لكن ملامحه تشوهت لحظة إلى جثة متحللة ثم عادت. لكن قريبا جدا.
تذكرت الرسالة. لا تخبريهم أنك تستطيعين الرؤية.
كانت تحذيرا من هذا المكان.
أنتم لستم عائلتي قلت وأنا أتراجع.
نحن كل ما لديك قال الصوت وقد بدأ الغضب يتشكل على وجوههم.
اندفعوا نحوي.
ركضت.
كان الضباب
يزداد كثافة. ثم رأيت نورا ذهبيا بعيدا. صغيرا لكنه ثابت.
ركضت نحوه.
صار النور أقوى نابضا كقلب حي.
إيلا! صوت حقيقي مكسور بالعاطفة. عودي! قاتلي!
قفزت نحو النور.
تحطم الضباب. سقطت.
انفجر الألم في صدري. شهقت هواء مليئا برائحة المطهرات.
إنها تتنفس!
فتحت عيني.
إضاءة مستشفى بيضاء قاسية.
وجوه حقيقية فوقي.
امرأة بشعر أشيب ووجه متعب تمسك بيدي.
أمي
انهارت باكية. الحمد لله عدت.
وراءها أبي الحقيقي. وبجانبه نوح نوحي الحقيقي بعينين دافئتين دامعتين.
أنا هنا قال وهو يقبل يدي.
نظرت حولي. أجهزة. أنابيب. غرفة مستشفى.
ماذا حدث
كنت في غيبوبة منذ الحادث قال أبي. ثلاثة أشهر.
كنا سنفصل الأجهزة اليوم أضافت أمي وهي تبكي.
همست الفيلا الرسالة
كان حلما يا صغيرتي قالت أمي برفق.
نظر إلي نوح. كنت أتحدث إليك كل يوم. قلت لك أن تتبعي صوتي.
تذكرت الضوء.
سمعتك همست.
أغمضت عيني لحظة.
العالم كان مؤلما ضبابيا غير كامل.
لكنه كان حقيقيا.
وكان أجمل شيء رأيته في حياتي.
كانت المرأة الغريبة تقترب مني ببطء، وعيناها تدققان في كل حركة لعينَيّ. تظاهرتُ بالنظر إلى الفراغ، وجسدي يرتجف داخلياً. لماذا أنتِ صامتة يا إيلا؟ ألا يعجبكِ الحساء الذي تحبه ابنتي؟ قالتها وهي تمد الملعقة نحو فمي.
في تلك اللحظة، لمحتُ على معصمها وشماً صغيراً لجمجمة، وهو وشم لا يمكن أن تضعه أمي الرقيقة أبداً. شربتُ الحساء بصعوبة، وكان طعمه مريراً.. شعرتُ بالدوار يبدأ في غزو رأسي.
سأترككِ ترتاحين الآن.. قالتها بابتسامة صفراء وخرجت. بمجرد أن أُغلق الباب، ركضتُ إلى الحمام وتقيأتُ كل ما أكلته. لقد حاولوا تخديري! نظرتُ من النافذة الصغيرة، ورأيتُ نوح زوجي وهو يدفن شيئاً ضخماً في الحديقة الخلفية.. شيئاً ملفوفاً بسجادة منزلنا القديم! 
انتظرتُ حتى حلّ الليل. كان المنزل هادئاً هدوء القبور. خرجتُ من غرفتي حافية القدمين، أتحسس الجدران كأنني ما زلتُ عمياء، لكن عينيّ كانت تمسح المكان بدقة.
فجأة، سمعتُ صوت أنين خافت يأتي من قبو المنزل. نزلتُ السلالم بحذر، وعندما وصلتُ للقاع، كدتُ أصرخ.. رأيتُ والدي الحقيقي مقيداً إلى كرسي، وعلى وجهه آثار ضرب مبرح، لكنه كان لا يزال يتنفس!
أبي! همستُ وأنا أجري نحوه. فتح عينيه بصعوبة ونظر إليّ برعب إيلا؟ هل ترينني؟ اهربي يا ابنتي.. نوح ليس نوح!
إنه توأمه المجرم الذي هرب من السجن.. لقد قتلوا أمكِ وهم الآن ينتظرون توقيعكِ على أوراق التنازل عن الثروة!
كان نوح أو الشخص الذي يشبهه يقف على أول السلم، وفي يده مسدس وبجانبه تلك المرأة التي تدعي أنها أمي. يا لها من معجزة! قال بضحكة باردة، العمياء استعادت بصرها في الوقت المناسب تماماً لتوقع على وصيتها الأخيرة.
لم يعد هناك مجال للتمثيل. وقفتُ بصلابة وقلتُ أنا أراك بوضوح يا سيمون.. وأعرف أنك قتلت أمي. لن تأخذ قرشاً واحداً، الشرطة في طريقها إلى هنا!
ضحكت المرأة وقالت الشرطة؟ لقد قطعنا أسلاك الهاتف وعطلنا شبكة الإنترنت.. لا أحد سيسمع صراخكِ في هذه الغابة المعزولة.
تذكرتُ شيئاً واحداً.. والدي كان مهندساً وعلمني أن في القبو نظام إطفاء حرائق قديم يعمل بالحرارة. بدون أن يلاحظوا، سحبتُ ولاعة كانت في جيب قميص والدي الملقى على الأرض، وأشعلتُ كومة من الأوراق القديمة بجانب الحساسات.
في ثوانٍ، انطلقت صفارات الإنذار وانهال الماء بقوة في كل مكان، مما تسبب في حالة من الفوضى والظلام التام بعد أن حدث ماس كهربائي.
استغلتُ معرفتي الدقيقة بالمنزل حتى وأنا عمياء، وسحبتُ والدي من قيوده وهربنا عبر ممر التهوية الذي لا يعرفه سوى أهل البيت. ركضنا في الغابة المظلمة، والكلاب البوليسية التي أحضروها كانت تنبح خلفنا.
وصلنا إلى حافة الطريق السريع، وهناك رأيتُ ضوءاً قوياً.. لم تكن سيارة عادية، بل كانت دورية شرطة كنت قد أعددتُ لها بريداً إلكترونياً مجدولاً Scheduled Email قبل الحادث بأيام، ليُرسل تلقائياً إذا لم أدخل الكود الخاص بي كل 48 ساعة! بفضل خبرتي كبرمجية قبل الحادث.
تمت محاصرة الفيلا، وقُبض على سيمون والمرأة، واكتشفوا جثة أمي المسكينة مدفونة في الحديقة كما توقعت.
بعد أشهر، وقفتُ أمام المرآة.. كنتُ أرى بوضوح، ليس فقط بعينيّ، بل بقلبي أيضاً. والدي تعافى، واشترينا منزلاً جديداً في وسط المدينة، وسط الناس والضجيج، حيث لا يمكن للظلام أن يختبئ مرة أخرى.
الدرس أحياناً يكون فقدان البصر نعمة لأنه يكشف لنا حقيقة القلوب التي تعيش حولنا في صمت.. فالنور الحقيقي هو نور الحقيقة، مهما كان مؤلماً. 
بعد القبض على سيمون توأم زوجي المجرم، كنتُ أجلس في مركز الشرطة مع والدي، ننتظر أخباراً عن نوح الحقيقي. كنتُ أبكي وأقول بالتأكيد
قتلوه ودفنوه مع أمي!
لكن المحقق دخل المكتب بوجه شاحب وقال جملة جعلت الدماء تتجمد في عروقي سيدة إيلا.. لقد فحصنا سجلات السجن، سيمون لم يهرب وحده.. لقد تم تهريبه بواسطة شخص من الداخل، وهذا الشخص هو نوح، زوجكِ! 
سقطت الكأس من يدي.. زوجي لم يكن ضحية، بل كان هو العقل المدبر الذي استبدل نفسه بأخيه المجرم ليقوم بالمهمة القذرة بينما يهرب هو بالأموال إلى الخارج!
انتقلنا أنا ووالدي لبيت محصن، لكن الرعب لم ينتهِ.
بدأت تصلني رسائل على هاتفي من رقم مجهول، صور لي وأنا نائمة، صور لي وأنا في الشرفة.. ومعها رسالة واحدةهل تعتقدين أن بصوركِ أعاد لكِ الأمان؟ أنا من أعطيتكِ النور.. وأنا من سأعيدكِ للظلام. 
اكتشفتُ أن نوح كان قد زرع كاميرات ميكروسكوبية في كل ركن من أركان البيت الجديد قبل أن نشتريه! لقد كان يخطط لهذه اللحظة منذ سنوات، منذ ما قبل الحادث الذي تسبب في عمائي..
انتظروا.. هل الحادث نفسه كان مدبراً؟
ذهبتُ لمستودع الخردة حيث توجد سيارتي المحطمة. وبصفتي خبيرة برمجة، استخرجتُ شريحة التحكم في المكابح. النتيجة كانت صادمة المكابح تم تعطيلها عن بُعد عبر تطبيق هاتف!
نوح هو من تسبب في عمائي ليجعلني فريسة سهلة تحت رحمته، وليستولي على شركة التكنولوجيا التي أملكها. وفي تلك اللحظة، شعرتُ بظل خلفي في المستودع المظلم..
ذكية كعادتكِ يا إيلا.. لهذا السبب أحببتكِ، ولهذا السبب يجب أن تختفي الآن. كان صوت نوح الحقيقي.. كان يقف خلفي وبيده جهاز تحكم غريب.
لماذا يا نوح؟ لقد أعطيتك كل شيء! صرختُ وأنا أتراجع للخلف. ضحك بمرارة أنتِ كنتِ دائماً الأذكى والأنجح.. كنتُ مجرد زوج المليارديرة. أردتُ كل شيء لي وحدي.
عندما حاول ضغط الزر، كنتُ قد أعددتُ فخي الخاص. بفضل بصرتي الذي استعدته، كنت قد برمجتُ فيروساً في شبكة المكان بمجرد دخولي، ليعكس إشارات التحكم.
بمجرد أن ضغط الزر، انفجرت كشافات الإضاءة العالية في وجهه مباشرة، مما أصابه ب عمى مؤقت من شدة الضوء. سقط على الأرض يصرخ وهو لا يرى شيئاً. اقتربتُ منه بهدوء وهمستُ في أذنه الآن أنت من يعيش في الظلام يا نوح.. لكن الفرق أن ظلامك أبدي.
وصلت الشرطة وقبضت عليه متلبساً. اليوم، أعيش حياتي وأنا أقود شركتي بنفسي، وخصصتُ جزءاً كبيراً من ثروتي لأبحاث إعادة البصر للمكفوفين.
الدرس
المجرم قد يسرق نور عينيكِ، لكنه أبداً لن يستطيع سرقة نور عقلكِ.. والحقيقة دائماً تظهر، مهما طال الظلام.

تم نسخ الرابط