زيارة معلنة
المحتويات
كل ركن في البيت كان فيه ذكرى، وكل حاجة كنت ببص لها كانت بتفكرني بأيام فاتت. لكن مع الوقت، بدأت أفهم إن الحياة مش بتقف عند حد.
مريم كانت أسرع مني في التأقلم. الأطفال عندهم قدرة عجيبة إنهم يتجاوزوا الألم لو حسوا بالأمان. بقت ترجع من المدرسة وهي تحكيلي عن صحابها، وعن المدرسين، وعن الرسومات اللي بتعملها في الكراسة. أوقات كنت ألاقيها قاعدة على الأرض في الصالة تبني بيوت من المكعبات، ولما أسألها بتقولي
ده بيتنا الجديد يا ماما فيه أوضة كبيرة ليكي وأوضة ليا وشباك كبير للشمس.
كنت أبتسم وأنا سامعاها، لكن جوايا كان فيه إحساس إن البنت الصغيرة دي أقوى بكتير مما كنت متخيلة.
عدى حوالي ست شهور.
في يوم كنت واقفة في المطبخ بعمل الغدا لما سمعت صوت الجرس. فتحت الباب لقيت واحد واقف ماسك ظرف. قال إنه تبع مكتب محاماة وسلمهولي ومشي. قفلت الباب وأنا مستغربة الظرف كان فيه أوراق رسمية.
فتحتها ولقيت رسالة قصيرة مكتوبة بخط أشرف.
كان أول مرة يكتب لي من يوم الحكم.
الرسالة كانت بسيطة جدًا
عارف إن الكلام دلوقتي مش هيغير حاجة. بس حبيت أقول إني غلطت. يمكن متأخر، بس دي الحقيقة. أتمنى إن مريم تبقى كويسة ولو يوم احتاجتني، أنا موجود.
قعدت شوية أبص للورقة.
ماحستش بغضب
قطعت الورقة بهدوء وحطيتها في سلة المهملات.
في اللحظة دي دخلت مريم تجري من أوضتها وهي ماسكة ورقة كبيرة وقالت بحماس
ماما ماما بصي! رسمت حاجة.
فتحت الورقة كانت رسمة لبيت صغير، وشجرة كبيرة، وأنا وهي واقفين قدام الباب بنضحك. وفوقنا شمس كبيرة.
سألتها مبتسمة
فين بابا في الرسمة؟
بصت لي لحظة وبعدين قالت ببساطة
يمكن في بيت تاني.
الكلمة كانت بسيطة لكن معناها كبير.
وأنا حاسة إن كل التعب اللي عديت بيه كان يستاهل اللحظة دي. لحظة إن بنتي تبقى مطمئنة، وعارفة إن البيت مش مكان كبير ولا عدد ناس كتير البيت هو الأمان.
مرت سنين بعد كده.
مريم كبرت وبقت في المرحلة الإعدادية، وبقت تحب الرسم جدًا. كل حيطان البيت بقت مليانة لوحاتها. في مرة سألتها ليه دايمًا بترسم بيوت وشمس.
ابتسمت وقالت
عشان البيت اللي فيه نور بيبقى آمن.
وقتها بس فهمت إن اللي حصل زمان ماكسرناش بالعكس، بنانا من جديد.
وأحيانًا كنت أفتكر يوم الباب الموارب.
لو كنت دخلت ساعتها وصرخت، يمكن حياتي كانت هتمشي طريق تاني. لكن اللحظة
اللي اخترت فيها الهدوء كانت اللحظة اللي غيرت كل حاجة.
علمتني إن القوة مش دايمًا في الصوت
أحيانًا القوة الحقيقية في إنك تمشي بهدوء وتبدأ حياة جديدة من غير ما تبص وراك.
لما دخلت عليهم، الصمت كان مرعب.. أشرف قام وقف وهو بيحاول يغطي وشه بيده من الكسوف، والعروسة اللي جنبه بصت لي بمنتهى البرود وقالت أنتِ مين وداخلة كدة ليه؟. حماتي الحاجة زكية اللي كانت بتمثل المرض، لسانها طول فجأة وقالت دي أم مريم يا بنتي، كانت زوجته السابقة.. وممنوع تيجي هنا تاني من غير إذن!. الكلمة نزلت عليا زي السكين.. زوجته السابقة؟ هو طلقني في غيابي؟ بصيت لأشرف وقلت له أنت طلقتني يا أشرف؟. رد بصوت واطي وهو باصص في الأرض يا سمر افهمي، أنا كان لازم أعمل كدة عشان أريح أمي، هي اللي اختارت لي العروسة وقالت لي مش هرضى عنك غير لما تتجوزها. في اللحظة دي، مريم بنتي صرخت صرخة عمري ما هنسها وقالت له أنا بكرهك يا بابا.. وخرجت تجري على السلم.
نزلت ورا بنتي وركبنا العربية، كنت بسوق وأنا مش شايفة الطريق من الدموع، بس كان فيه فكرة شيطانية بدأت تلمع في دماغي. أشرف فاكر إنه ذكي، وفاكر إن المنيرة بعيدة عن أكتوبر فمحدش هيعرف.. ميعرفش إن قائمة المنقولات والتوكيل العام اللي كان عاملهولي عشان أخلص إجراءات الشقة الجديدة لسه في إيدي! وصلت البيت، وأول حاجة عملتها إني كلمت
الساعة كانت 2 بعد نص الليل، الجرس رن بهستيريا.. فتحت الكاميرا ولقيته أشرف، جاي وشكله متبهدل، ومعاه حماتي وشايلة شنط هدومه. فتحت له الباب ووقفت على العتبة ومنعتهم يدخلوا. أشرف بص للشقة الذهول، لقاها فاضية تماماً، حتى النجف كان مشال! صرخ فيا العفش فين يا سمر؟ أنتي اتجننتي؟ ده عفشي بفلوسي!. رديت عليه ببرود وأنا ماسكة الموبايل وبسجل عفشك؟ قصدك العفش اللي في القائمة اللي مضيت عليها؟ أنا بعته عشان أصرف على بنتك اللي أنت نسيتها في شهر العسل.. وبعدين مش أنت طلقتني؟ يبقى ملكش مكان هنا، والبيت ده إيجاره باسمي أنا.
حماتي بدأت تصوت وتلم الجيران وتدعي عليا، بس أنا كنت عاملة حسابي.. طلعت فلاشة ووصلتها بالشاشة اللي كانت لسه متعلقة في الصالة الحاجة الوحيدة اللي مبعتهاش. عرضت قدام الجيران اللي اتلموا فيديو أشرف وهو بيخونني في بيت أمه، وصورتها وهي بتمثل المرض وصوتها وهي بتقول عروستك الجديدة. قلت للجيران بصوت عالي يا ناس، يرضيكم الراجل
متابعة القراءة