لما شوفت مراتي

لمحة نيوز

أشوف في عينيها خوف عليّ أنا.
مسكت إيدها الباردة وقلت بهدوء
لا يا ليلى الصبح جه خلاص.
أمي كانت واقفة ساكتة طول الوقت.
لكن فجأة قالت جملة هزت المكان كله
هو صحيح ليلى بتعمل كل ده لوحدها؟
محدش رد.
عيون أمي لفت على المطبخ على الأطباق المكدسة وعلى السبتين اللي لسه في البلكونة.
قربت من ليلى وقالت بصوت أخف
انتي اللي غسلتي ده كله؟
ليلى نزلت عينها وقالت بهدوء
عادي يا ماما البيت بيتنا كلنا.
أمي سكتت شوية وبعدين بصت لعصام وقالت
مراتك فين يا عصام؟
مراته خرجت من الأوضة وقتها وهي متضايقة
في إيه يا ماما؟ الصوت عالي ليه؟
أمي أشارت ناحية البلكونة وقالت
الغسيل ده بتاع مين؟
قالت ببرود
بتاعنا العيال وسخوا هدومهم.
أمي سألتها
وانتي كنتي فين وهي بتنشره الساعة اتنين بالليل؟
مراته اتلجلجت
أصل كنا تعبانين من السفر.
هنا أمي خبطت بعكازها في الأرض وقالت بغضب
تعبانين؟! والتعب ده كله على دماغ البنت الغلبانة؟
المفاجأة دي خلت الكل يسكت.
أمي لفت ناحيتي وقالت
أبوك الله يرحمه كان دايمًا يقول البيت اللي يظلم فيه الضيف صاحب البيت يبقى خراب.
وبصت لليلى بحنان لأول مرة من سنين
حقك علينا يا بنتي.
دموع ليلى نزلت في ساعتها بس المرة دي مش دموع قهر.
عصام حاول يتكلم
يا أمي انتي كمان؟!
ردت عليه بحدة
اسكت يا عصام.
أخوك عمل الصح ومتأخر كمان.
وبعدين قالت بصوت حاسم
كل واحد فعلاً يلم حاجته واللي عايز ييجي بعد كده ييجي ضيف محترم.
الساعة كانت قربت على ثلاثة الفجر لما البيت أخيرًا فاضي.
أول مرة من سنين الشقة بقت هادية.
ليلى كانت واقفة في الصالة كأنها مش مصدقة.
بصت لي وقالت بصوت مهزوز
أنا أنا كنت هقدر أستحمل يا سليم.
ابتسمت وقلت لها
بس أنا مقدرتش.
سكتت لحظة وبعدين سألتني
انت زعلان؟
هززت راسي وقلت
لأ أنا ندمان بس إني اتأخرت خمس سنين.
ليلى قربت خطوة لأول مرة من زمان وهي بتعيط.
لكن العياط ده كان مختلف كان عياط راحة.
بعد أسبوع
ليلى كانت واقفة في نفس البلكونة
بس المرة دي كانت بتسقي زرع صغير حطته هناك.
ضحكت وهي بتقول
غريبة البلكونة دي كانت أكتر مكان بكرهه.
قلت لها وأنا بسند على الباب
دلوقتي بقت مملكة الملكة.
لفت لي وابتسمت ابتسامة رجعت بعد غياب سنين.
وفي اللحظة دي فهمت حاجة واحدة
إن البيت مش بيت بالطوب
البيت هو الشخص اللي لما الدنيا كلها تقسى عليك يقف قصادها ويقول
كفاية.
ومن يومها
باب بيتنا لسه مفتوح لأهلي.
لكن المرة دي
الكل بيخبط قبل ما يدخل. 
ظنوا أن صمتي ضعف.. ولم يعرفوا أن البركان إذا انفجر سيحرق الجميع!
بعد الرسالة، نزل أخي الكبير عصام والشرر يتطاير من عينيه، وخلفه أختي هناء وهي
تصيح
يا عيب الشوم يا سليم! بتبعث رسالة زي دي على الجروب؟ بتصغّر أخوك الكبير قدام الحريم؟ وعشان مين؟ عشان شوية غسيل!
وقفتُ وسط الصالة، وليلى كانت تقف خلفي ترتجف، أمسكتُ يدها بقوة وقلتُ بصوت هز أرجاء المكان
ليلى مش شوية غسيل يا عصام.. ليلى هي اللي شالت وسخكم وتعبكم 5 سنين وإنتو نايمين في العسل. ليلى اللي كانت بتصحى الفجر عشان تجهز الفطار لولادك وإنت وهناء بتهانوها بكلمة ده واجبك.
هنا تدخلت هناء وقالت بوقاحة
دي بنت أصول وبتخدم أهل جوزها، إيه اللي جرى لك يا سليم؟ ليكون البنت دي سحرت لك؟
ضحكتُ بسخرية وقلتُ لها
السحر الحقيقي هو صبري عليكم كل ده. هناء.. من بكرة، إنتي اللي هتغسلي لولادك، وعصام.. مراتك اللي هتطبخ لك. ليلى من اللحظة دي إجازة مفتوحة من قرفكم، والشنط اللي جوا دي؟ دي شنط خروجنا من البيت ده بلا رجعة!
عصام حاول يمد إيده عليا وهو بيصرخ لو خرجت من هنا انسى إن ليك إخوات!
أول ليلة في شقتنا الجديدة.. كانت أول ليلة ليلى تنام فيها وهي مش شايلة هم منبه الفجر وطبخ العيلة!
خرجنا بشنطنا، مريم ابنتي كانت تضحك وهي لا تفهم شيئاً، وليلى كانت تنظر لي بعيون غير مصدقة. دخلنا شقتنا الجديدة، كانت هادئة، نظيفة، ورائحتها حرية. في اليوم التالي، أغلقنا هواتفنا تماماً. ليلى كانت تتحرك في
البيت كالفراشة، تضحك من قلبها، تصنع قهوتها وتجلس لتقرأ كتاباً.. مشهد لم أره منذ سنوات.
لكن في بيت العيلة، كانت الحرب قد بدأت! اتصلت بي زوجة أخي عصام وهي تبكي
إلحقني يا سليم.. عصام وهناء بيتخانقوا مين اللي هيغسل الهدوم، والأكل اتحرق، والبيت بقى زبالة.. مفيش حد عارف يعمل حاجة من غير ليلى!
قلتُ لها ببرود
مش إنتو كنتوا بتقولوا إن شغلها ده واجب؟ اديكو عرفتوا قيمة الواجب ده. اللي اتعود على الخدمة صعب يعيش من غير خدامين.. بس ليلى خلاص اعتزلت الخدمة وبقت ملكة في بيتها.
وفجأة، جرس الباب رن.. فتحتُ ووجدت أختي هناء واقفة، ومعاها كوم غسيل! قالت بكسرة ونفاق
حقك عليا يا سليم، إحنا غلطنا.. بس ليلى متعودة على الغسالة دي، ممكن بس تغسل لنا الهدوم دي المرة دي؟
نظرتُ إليها، ثم نظرتُ لليلى التي كانت تجلس بوقار، وقلت لهناء كلمة واحدة خلتها تلف وترجع تجري على السلم!
يا ترى سليم قال إيه لأخته؟ وهل فعلاً هيرجعوا يضعفوا ويرجعوا بيت العيلة؟
وقفت أختي هناء أمام بابي تحمل كومة غسيل، تظن أننا سنحنّ لمجرد رؤية وجهها.. لكنها نسيت أن سليم القديم قد مات!
نظرتُ إلى هناء وهي تمسك بكيس الغسيل وتتحدث بنفاق عن الأصول والتعود. ابتسمتُ بسخرية وقلتُ لها والجرس لا يزال يرن
ليلى فعلاً متعودة يا هناء.. متعودة
تكون ست أصيلة وتستحمل قلة أصلكم. لكن الغسالة اللي في شقتنا دي مخصوصة لهدوم الملكة وبنتها
تم نسخ الرابط