إختيار في أخر دقيقه.

لمحة نيوز

أحمد كان بيعدل ياقة قميصه للمرة العاشرة، والتوتر واكل قلبه. المكان كان مطعم ستيك هاوس شيك جدًا في التجمع، من اللي أنوارهم هادية ومزيكتهم واطية. قدامه على الترابيزة
بقلم منال علي
كانت ليلي، بنته اللي عندها ٥ سنين، قاعدة في عالم تاني خالص، بتشخبط بألوانها الخشب في ظهر المنيو ومش دريانة بالبركان اللي بيغلي جوه أبوها.
سنتين عدوا على وفاة مراته، والليلة دي بالذات كان لازم تبقى مثالية. أحمد كان ناوي يطلب إيد ندى، البنت اللي بقاله ٨ شهور مبهور بجمالها وشياكتها وطريقتها الهاي كلاس.
بس كالعادة، النصيب بيتدخل في الوقت الضايع.. المربية كلمته قبل المعاد بساعة وقالتله عندي ظرف طارئ، وأحمد ملقاش حل غير إنه ياخد ليلي معاه، ودعا ربنا إن السهرة تعدي على خير.
أول ما ندى دخلت المطعم، الصمت حلّ. فستان براند غالي، كعب عالي بيخبط في الأرض بثقة، وريحة برفيوم قلبت المكان. بس أول ما عينها جت على البنت الصغيرة وهي قاعدة.. الابتسامة اللي كانت مرسومة ب إيتيكيت اختفت تماماً متوفره على روايات واقتباسات 
أحمد؟ هي بتعمل إيه هنا؟ قالتها بنبرة حادة وهي بترمى شنطتها على الترابيزة بعصبية.
أحمد حاول يلطف الجو بصوت واطي
معلش يا ندى، المربية تعبت فجأة ومحبتش أكنسل الموعد.. ليلي هادية خالص، مش هتحسي بيها.
ندى سحبت إيدها وبصت لليلي نظرة

فيها كمية تعالي وقرف تخوف. البنت الصغيرة انكمشت في مكانها وسكتت، ووطت راسها وهي ماسكة القلم.
على بعد كام متر، كانت دعاء، نادلة عندها ٢٨ سنة، واقفة متابعة المشهد. دعاء بحكم شغلها عارفه وشايفة الدنيا على حقيقتها، وفاهمة كويس الفرق بين المنظر والأصل.
العشا كان تقيل كأنه جنازة. ندى مقضياها شكوى من زحمة المحور، ومن قد إيه صعب إن واحدة في وضعها ترتبط بواحد عنده حمول ومسؤوليات قديمة. وفجأة، طلعت ظرف أبيض من شنطتها وحطته قدامه
أنا كنت صبورة معاك يا أحمد.. بس لو في نصيب بينا، لازم الأمور تتغير. دي تذكرتين لباريس، طيارتنا كمان ٣ أيام.
أحمد سألها بذهول وليلى؟
ندى ضحكت ضحكة صفرا
مامي لقت مدرسة داخلي إنترناشونال في الساحل بتقبل من سن صغير.. أو وديها تقعد عند أهل مامتها في إسكندرية، أكيد هيشيلوها. إنما أنا؟ أنا مش هربي ذكريات قديمة يا أحمد. اختار.. يا أنا، يا هي. قدامك دقيقة.
الصمت ساد المطعم كأن الهوا اتسحب منه. أحمد بص للظرف، وبعدين بص لندى اللي قاعدة واثقة في نفسها، وأخيراً بص لليلي اللي كانت بتترعش في صمت.
أحمد مد إيده ومسك الظرف.. ندى ابتسمت بانتصار.
لكنه فجأة، وبحركة قوية، قطع الظرف نصين.. وبعدين أربعة، ورماهم قدامها ببرود
بنتي مش حمل ولا ذكرى قديمة.. بنتي هي حياتي اللي جاية كلها. الغلطة الوحيدة اللي عملتها هنا
هي إني فكرت في لحظة إنك ممكن تبقي أم ليها.
وش ندى اتحول من الصدمة لغل رهيب، وقفت وزعقت بصوت عالي لفت انتباه الناس
إنت فاشل! ومحدش هيرضى بيك وإنت شايل الشيلة دي فوق كتافك!
وسابت المطعم وهي بتخبط بكعبها في الأرض بغل. بقلم منال علي 
أحمد قعد مكانه وهو منهك، لحد ما ليلي شدت كم قميصه براحة وقالت بصوت مكسور
بابا.. هي مشيت عشاني؟ أنا تقيلة عليك؟
قلب أحمد اتعصر، وقبل ما ينطق، لقى دعاء بتقرب منهم بابتسامة زي الشمس. وطت لمستوى ليلي وقالتلها بحنان
يا مساء الجمال على أحلى أميرة.. عارفة؟ الشيف جوه عامل شوربة لسان عصفور تجنن، مخصوص للبنوتات الشاطرين اللي زيك.. تحبي أجيبلك طبق؟
ليلي رفعت عينيها بدهشة بجد؟
دعاء غمزتلها ومعاه عصير مانجو فريش كمان، لو بابا وافق طبعاً.
أحمد بص لدعاء وابتسم لأول مرة من قلبه طبعاً يا فندم، تعيشي.
دعاء بصت لأحمد بتفهم وحضرتك؟ أجيبلك قهوة تريح أعصابك؟
أحمد اتنهد يا ريت.. وميّة ساقعة.
الدفا رجع للترابيزة. ليلي أكلت وهي فرحانة ورجعت ترسم.. المرة دي رسمت نفسها وهي ماسكة إيد باباها، وجنبهم دعاء.
مين دي يا ليلي؟ سألها أحمد.
دي إنت وأنا.. وطنط الطيبة دي. شكلها مش بتزعق خالص.
أحمد ضحك من قلبه. ولما جه يدفع الحساب، دعاء حكتله قصتها في ثواني.. إنها عاشت يتيمة وعارفة يعني إيه طفل يحس إنه زيادة. وقالتله
اللي
عملته النهارده يا أستاذ أحمد أنقذ روح بنتك. خليتها تحس إنها أغلى حاجة في الدنيا.. وده بالدنيا كلها.
أحمد دفع الحساب وساب تبس كبير، بس وهو بيقوم، لقى دعاء كاتبة كلمة على ظهر الفاتورة
أنا إجازتي كل يوم حد.. وفي محل حلواني قريب من هنا عنده أحلى شوكولاتة في مصر وفيه ركن للأطفال. ده مش موعد.. دي مجرد دعوة للسلام بين ناس فاهمين قيمة الحياة بجد.
أحمد خرج وليلي نايمة على كتفه، بص للفاتورة وابتسم.
عرف إن الحب مش دايما سفر وشكليات.. ساعات بيكون في طبق شوربة دافي وقلب بني آدم حاسس بغيره.
أحمد.. المطعم ده مش مكان للأطفال، إنت أكيد بتهزر! 
ندى قالت الجملة دي وهي بتشيل المنيو من قدام ليلي بقرف، كأن ألوان البنت الخشب هتبوظ البرستيج بتاعها. أحمد بص لبنته اللي كشت في نفسها، وبدأت شفايفها تترعش وهي بتبص لأبوها وكأنها بتعتذر له إنها موجودة.
أحمد حاول يهدي اللعب وقال بصوت واطي ندى، المطعم واسع وليلي هادية جداً، هي بس هترسم شوية لحد ما نطلب الأكل. ندى ضحكت ضحكة صفراء وقالت ببرود أحمد، أنا جاية أسهر مع راجل، مش مع أب وأرمل شايل هم فوق كتافه.. المكان ده للناس اللي جاية تستمتع، مش للعيال اللي بتشخبط!
في اللحظة دي، جرسون المطعم جه عشان ياخد الطلبات.. ليلي رفعت عينيها البريئة وقالت عمو، عايزة عصير فراولة. ندى قاطعتها بسرعة
وقالت للجرسون هات لنا اتنين ستيك مديوم
تم نسخ الرابط