شر زوجي و حماتي

لمحة نيوز

كنت فيها كل يوم بصحى من النوم حاسة إن في حاجة ناقصة، بس في نفس الوقت في حاجة بتكبر جوايا، قوة غريبة كأنها بتتعوض عن كل لحظة ضعف فاتت، ما رجعتش للشغل بس عشان الفلوس، رجعت عشان أثبت لنفسي إني أقدر أقف على رجلي من غير حد، اشتغلت أكتر، اتعلمت أكتر، أخدت دورات، وطورت نفسي لحد ما بقيت في مكان عمري ما تخيلت أوصله وأنا قاعدة في المطبخ الساعة 12 بالليل بستنى حكم إيفلين على طبقي، بقيت أنا اللي بتتحكم في وقتي، أنا اللي بقول لأ ومحدش يقدر يعلي صوته عليا، وأبويا كان دايماً في ضهري بس المرة دي كان سايبني أمشي لوحدي، يتدخل بس لو احتاجته، وده كان أهم درس، إن القوة مش إن حد يحارب بدالك، القوة إنك تعرف إنك تقدر تحارب لوحدك.
في يوم من الأيام، جالي اتصال غريب من رقم مش مسجل، ترددت لحظة وبعدين رديت، الصوت كان واطي ومكسور، كان كول، خرج بعد ما خلص مدة حبسه، حاول يتكلم بثقة مزيفة، قال إنه اتغير وإنه عايز يقابلني عشان يعتذر، سكت شوية وأنا سامعة أنفاسه المتلخبطة، زمان كنت هترعش، كنت هتوه، إنما دلوقتي حسيت بحاجة واحدة بس شفقة، مش عليه، لكن على البنت اللي كنتها زمان، اللي كانت ممكن
تضعف قدام كلمتين، قلت له بهدوء إن حياتي مفيهاش مكان للي كسرني، وإن الاعتذار الحقيقي مش كلمة، الاعتذار إنك تسيب اللي أذيته يعيش في سلام، وقبل ما يقفل حاول يقول اسم ابني، أول مرة ينطقه، ساعتها قلبي دق جامد، بس ما بكيتش، قلت له الاسم ده مش من حقك، وقفلت.
الموضوع ما انتهيش عند كده، لأن الماضي أوقات بيحاول يرجع يطرق الباب، إيفلين حاولت توصل لي عن طريق ناس، تبعت رسائل إنها كانت مضغوطة وإنها ما كانتش تقصد، لكن الحقيقة إن القسوة مش غلطة لحظة، القسوة طبع بيتكرر، وأنا كنت دفعت تمنه غالي، اخترت أسامح جوايا عشان أرتاح، بس أسامح مش معناها أرجع، ولا أفتح باب اتقفل بدموعي.
بدأت أشارك في مبادرات لدعم الستات اللي بيتعرضوا لعنف، أول مرة وقفت قدام مجموعة كبيرة أحكي قصتي، صوتي كان ثابت، بس جوايا بحر مشاعر، حكيت عن أول قلم، عن أول إهانة، عن اللحظة اللي فقدت فيها ابني، وعن الكلمة اللي غيرت كل حاجة كلم أبويا، البنات كانوا باصين لي بعيون مليانة دموع وأمل في نفس الوقت، واحدة منهم جت بعد المحاضرة حضنتني وقالت إن قصتي خلتها تاخد قرار تسيب بيت كان بيموتها بالبطيء، ساعتها حسيت إن ابني
ما راحش هدر، إن ألمه بقى نور لطريق حد تاني.
السنين عدت، وبيتي الصغير كبر بأحلامي، حطيت نباتات في البلكونة، لونت الحيطان بألوان دافية، عملت ركن صغير فيه مكتب وكتب وصورة السونار اللي لسه محتفظة بيها، بقيت أكتب، أكتب عن كل حاجة حسيتها، عن الخوف، عن الغضب، عن القوة اللي بتيجي بعد الانكسار، الكتابة بقت علاجي، وكل كلمة كانت بتشيل طوبة من جبل كان على صدري.
وفي يوم غير متوقع، عرفت إني حامل تاني، الخبر جالي زي نسمة هادية بعد عاصفة طويلة، خوفت في الأول، خوفت أفرح، خوفت أعيش نفس الوجع، لكن المرة دي كنت في بيت آمن، في حياة مستقرة، في دايرة ناس بتحبني وتحترمني، قعدت على سريري حاطة إيدي على بطني وبعيط، مش من الحزن، لكن من الامتنان، قلت في سري إن المرة دي مش هسمح لحد يكسر اللحظة دي.
فترة الحمل كانت مليانة قلق، كل كشف عند الدكتور كان بيرجع لي ذكريات المستشفى الأولى، بس كل مرة كنت بخرج باسمة وأنا سامعة النبض، النبض اللي كان بيدق زي وعد جديد، أبويا كان بيجي معايا أوقات، يقعد مستني بره العيادة بعصبيته اللي بيحاول يخبيها، ولما أطلع يقول لي بصوت جاد بس عينه بتلمع ربنا يعوضك
خير، وكنت بحس إن التعويض مش بس طفل جاي، التعويض هو الرحلة كلها، من الضعف للقوة.
يوم الولادة كان صعب وطويل، بس لما حطوا بنتي على صدري، الدنيا كلها سكتت، بصيت في وشها الصغير وحسيت إن قلبي اتصلح حتة حتة، سميتها أمل، لأن ده كان أكتر إحساس مسكني في أصعب لحظة في حياتي، وعدتها وأنا ببوس جبينها إني عمرها ما هتشوف أمها مكسورة، وإنها هتتعلم من أول يوم إن كرامتها خط أحمر.
كبرت أمل وسط حب وأمان، وأنا كبرت معاها، بقيت أضحك أكتر، أخرج أكتر، أعيش من غير ظل الماضي ورايا، يمكن الندبة لسه موجودة، يمكن في ليالي قليلة بفتكر كل حاجة وأعيط في هدوء، بس الفرق إن العياط دلوقتي مش ضعف، ده تفريغ، ده ذكرى بتعدي من غير ما تدمرني.
وفي مرة شفت كول صدفة في مكان عام، عينه جات في عيني للحظة، شفت فيها ندم وتعب وسنين ضاعت، لكنه بالنسبة لي كان مجرد فصل قديم اتقفل، مسكت إيد بنتي ومشيت من غير ما أغير سرعتي، لأن أقسى عقاب للي حاول يكسرك إنك تبقى بخير من غيره.
دلوقتي لما أقف قدام المراية وأبص لنفسي، ما بشوفش الست اللي وقعت على أرض المطبخ والدم حواليها، بشوف واحدة عدت من النار وطلعت أقوى، بشوف
أم، بشوف
تم نسخ الرابط