رواية خطايا بريئة بقلم ميرا كريم
بعيون زائغة
خير يا مرات بابا هو ايه اللي حصل
تنهدت ثريا وأخبرتها بأسى
مش خير يا بنتي حسن اتجوز على مراته ويامن ما رضهوش الوضع
حانت منها بسمة ساخرة وقالت مستخفة
وفيها ايه
تعجبت ثرياوقالت بتلقائية شديدة دون أن تفكر بتبعات حديثها
ازاي بس يا بنتي ده خرب بيته بإيده ومفكرش في ولاده ولا في مشاعر مراته اللي طول عمرها سنداه و واقفة جنبه دي غلبانة و متستاهلش كده ابدا
دفاعها المستميت عن رهف ورؤيتها لها كضحېة كان بمثابة نزع فتيل لذلك البركان الخامل من الذكريات البائسة بداخلها فكيف تدعي المثالية الآن وهي ارتضت على أمها نفس المصير من قبل لذلك باغتتها متهكمة
وأمي هي اللي كانت تستاهل مش كده يا مرات بابا
رغم تهكمها ولكن صدر سؤالها پقهر وبنبرة متخاذلة جعلت ثريا تنفي برأسها وتغيم عيناها قائلة بأسى
أمك دي كانت ست الناس كلها وكانت تستاهل كل خير وربنا يعلم كنت بعزها أد أيه
يالك من سيدة عطوف ذو قلب حاني حقا إن لم أكن على يقين تام أنك سبب نكبت والدتي لكنت صدقت تلك البراءة التي تقطر من حديثك
ذلك ما كان يدور برأسها وهي تطالعها بعيون لائمة احزنت ثريا وجعلتها تتيقن أن تلك هي اللحظة المناسبة لتبوح لها
بينما نادين لم تصمت واستأنفت بنبرة كارهة يحفها لوم مقيت نهش قلب ثريا
وعلشان كده خطفتي جوزها وموتيها بحسرتها
دافعت ثريا عن ذاتها
انا يا بنتي حرام عليك انت ظلماني
احتدت نبرة نادين وهي تفرغ ما بجعبتها
محدش اتظلم غيري انا وامي يا مرات
بابا امي كانت بسببك مش بتنام ودمعتها مكنتش بتنشف
على خدها أنت اللي كرهتيها في الدنيا لما عصيتي ابويا عليها وخلتيه كل يوم يتخانق معاها بسببك
فرت دمعات ثرياهاربة على وجنتها واستنكرت
محصلش مكنش بسببي في حاجات كتير أنت متعرفهاش يا بنتي
نفت نادين برأسها وقالت وهي تضع صنية الطعام اعلى الكومود و تحاول أن تنهض من الفراش
مش عايزة أعرف ومعنديش استعداد اسمع منك حاجة وحتى لو سمعتك مش هصدقك
ثريا تحاول أن تستعطفها قائلة
علشان خاطري يا بنتي اسمعيني انا عمري ما كنت وحشة كده ربنا وحده اللي يعلم أمك كانت زي اختي ومن يوم ما عرفتها وانا واقفة جنبها وعمري ما أذتها ولا شافت مني حاجة وحشة اسمعيني يا بنتي وانت حرة يا تصدقي يا لأ بس المهم إني أكون ريحت ضميري
حانت من نادين بسمة مټألمة لابعد حد فعن أي ضمير تتحدث هيوتعمدت أن تترك الفراش كي تبتعد وتوفر عليها عناء أن تحيك كڈبة واهية تقنعها
بها وتدافع بها عن ذاتها ولكن ثريا لم تيأس وقالت بصدق شديد
انا كنت اقرب واحدة لأمك قبل ما ټموت مكنتش بترتاح لحد غيري وعلشان كده انا أول حد عرف بخبر مرضها اللي كانت رافضة تقوله لحد حتى لأبوك وقتها
جعدت نادين حاجبيها المنمقين وقالت مستنكرة
أنت بتقولي ايه امي مكنتش تعبانة
نفتثريا برأسها وتقدمت منها عدة خطوات تسحبها معها كي تجلسها بجوارها واستأنفت
صدقيني يا بنتي انا مش هكدب عليك لتتنهد بعمق وهي تتذكر تلك الذكريات الحزينة التي كلما تذكرتها تشعر بلأسى على رفيقتها وتستأنف بعيون باكية
امك كانت ست مفيش منها اتنين
وكانت علاقتنا ببعض زي الأخوات كنا بنزورها وبتزورنا كان بينا ود زي الأهل بالظبط لغاية ما جه فترة عليها حالها اتقلب و مبقناش عارفين مالها وزنها كان بيقل وعلطول حزينة وسرحانة ده غير انها بقت منعزلة وحابسه نفسها في البيت ولما كنت اروح ازورها كانت تقعد ټعيط وتقولي انها حاسة بالذنب علشان مقصرة مع عادل و محملاه فوق طاقته وهو مستحملها حالتها كانت مطمنش ابدا بس أنا فضلت وراها ومكنتش بسيبها لغاية ما في مرة كنت عندها وتعبت اوي ولقيتها بتاخد مسكنات وحبوب تانية كانت بتخبيها من عادل ولما اصريت عليها وحلفتها إني مش هفتح بوقي قالتلي أن عندها المړض الخبيث وفي مرحلة متأخرة وإن الحبوب دي هي اللي بتخليها تعرف تتحمل الۏجع وتتعايش معاكم من غير ما تتحسسكم أنها تعبانة وقتها حاولت اقنعها تتعالج بس هي كانت رافضة وبتقول انها أضعف بكتير انها تخوض مراحل العلاج على الفاضي
نفت نادين برأسها پجنون وصړخت قائلة وهي توجه لها أصابع الاتهام
كدب كدب أنت بتقولي كده علشان تبرأي نفسك أمي مكنتش تعبانة
هزت ثريا رأسها وأخذت تربت على خصلاتها القصيرة بحنو شديد مسترسلة بلا يأس كي تقنعها
ميهمنيش أبرء نفسي في عينك أد ما يهمني أنك تعرفي الحقيقة أمك كانت بتحبك وكنت أنت نقطة ضعفهاوكانت دايما تبرر أن معندهاش استعداد تقضي الباقي من عمرها في المستشفيات ومع العينين كانت شايفة أن وجودها جنبك بالدنيا كلها وكأنها كانت عايزة تشبع منك قبل ما ربنا ياخد أمنته
نفت برأسها من جديد وهي في حالة صدمة عارمة تحاول أن تستوعب تبعاتها بعيون تغرغر الدمع بهم وبقلب ممزق ينعي فراقها
لتستأنف ثريا وهي تتناول كفوف يدها وكأنها تدعمها وتأذرها
حالتها النفسية كانت بتسوء يوم عن يوم وفي الوقت ده ابوك كان هيتجنن ويعرف فيها أيه وكان دايما بيلتمسلها الأعذار بس هي كانت مصممة أن مفيش حد يعرف علشان ميتهمهاش بالجبن والضعف انها رافضة العلاج
وفي مرة كنت بزورها طلبت مني صمتت لبرهة تتطلع لملامح نادين المستنكرة تتوجس خيفة من مدى استيعابها للأمر ولكن الأخرى أخبرتها بنبرة مخټنقة متحشرجة على حافة البكاء
كملي طلبت منك أيه
أجابتها ثريا بتلعثم بعض الشيء
اني اتجوز أبوك واربيك
نزعت يدها من بين راحتها پعنف وانتفضت من جلستها وهي تنفي بسبابتها مستنكرة الأمر بكامل صوتها
لا لا لا لا لا لا لا مستحيل أصدق انت بتكدبي عليا صح كل ده من نسج خيالك أمي اكيد مكنتش بالسذاجة دي
أنت كدابة وانا مستحيل أصدقك
تنهدت ثريا بعمق وقالت بنبرة حزينة بائسة
الله يسمحك يا بنتي بس ربنا يعلم إني مكدبتش عليك ولا عمري قصرت معاك أنا رعيت ضميري وحافظت على امانة أمك ليومنا ده ومفيش يوم فرقت فيه بينك وبين ابني
لا تعلم لم استشعرت الصدق من حديثها و وجدت ذاتها تود أن تعرف المزيد ولذلك قالت بنبرة مخټنقة مغلفة بأنين قلبها
كملي
هزت ثريا رأسها واستأنفت
انا عارضتها موافقتش وحتى ابوك رفض وقتها وكان هيتجنن لما اضطرت تقوله وحلفته ميجبلكيش سيرة عن مرضها كانت فاكرة أنها لم قالتله هتخليه يقبل بس هو رفض وكان علطول بيحاول يأثر عليها انها تتعالج بس هي خيرتنا يأما نتجوز انا وهو يأما مش هتتعالج وقتها كنا
عملنا كل حاجة علشان ترجع في كلامها بس
هي كانت دماغها ناشفة ومكنش قدامنا غير نوافق علشان بس نريحها وتقبل تتعالج
لتفر دمعة من عين ثريا وتستأنف پألم
لكن هي مكنتش أد كلمتها ومقدرتش تتغلب على خۏفها وده كان خلاف دايم بينها وبين ابوك
لغاية ما في يوم جالي وقالي أنه اټخانق خناقة كبيرة معاها بسبب رفضها وأن يأس من اقناعها واضطر انه يتهمها بالأنانية ويهددها انه هيقولك علشان يأثر عليها مجاش في باله ابدا أنه هيخسرها بعدها
مهلا الآن ترابطت خيوط الحقيقة مع بعضها فما قصته هي لتوها هو ذاته ما استمعت له بتلك الليلة المشؤومة التي لا تنساها مهما حيت فكانت تستمع لها بأنفاس متعالية وبعيون دامية يهطل منها دمعات حاړقة مټألمة تنعي بها سنين عمرها التي اضنتها وهي تسعى لأنتقام واهي ليس له أي أساس من الصحة أيعقل!
لا محال أن تستوعب كم الحقائق تلك دفعة
كانت تقف مفطورة من البكاء أمام غرفة العمليات لا تستوعب ما آل له حال رفيقتها فجارهم الطبيب اتى بها إلى المشفى التي يعمل بها وقام بإسعافها بنفسه تأهبت عندما وجدت بابها يفتح ويظهر الطبيب لتهرول له متسائلة
طمني عليها الله يخليك
تنهد وأخبرها بملامح آسفة
هتبقى كويسة بس للأسف البيبي نزل ربنا يعوض عليها
شهقت سعاد
وزاد بكائها بينما هو واساها قائلا
قدر الله وما شاء فعل المهم انها بخير ولسه العمر أدامها
أومأت سعاد وشكرته من بين دمعاتها
ونعم بالله انا متشكرة اوي يا لمساعدتك مش عارفة من غيرك كنت عملت أيه
أجابها برحابة
انا معملتش حاجة غير الواجب
حمد الله على سلامتها تقدري تدخليلها بعد ما ينقلوها أوضة عادية ولو احتجتوا حاجة انا موجود وهتلاقيني في مكتبي
اومأت له بامتنان وتساءلت وهي تكفكف دمعاتها
بس انا متشرفتش بأسمك
أبتسم بسمة عابرة وعرف عن ذاته وهو يعدل من وضع نظارته الطبية
أنا دكتور نضال توفيق
اهلا بحضرتك انا سعاد العشري
هز رأسه بمجاملة وببسمة عملية غادر ليباشر عمله تاركها تحاول أن تتمالك اعصابها كي تهون على رهف وتواسيها في خسارتها
بعد مرور ساعات الصباح الأولى التي قضتهم صاحبة الفيروزتان في جلسة علاج مع طبيبها النفسي الذي كان يسعى جاهدا أن يحفزها على الصمود ويساعدها كي تغير مسار أفكارها وأولوياتها
فكانت
أما هو فكان ينتظرها بلا كلل أسفل بناية الطبيب وعندما أتت لموضع السيارة وصعدت بجانبه تساءل بنبرة مهتمة
إيه الأخبار طمنيني
هزت رأسها ببسمة واسعة وأخبرته وهي تجلس بزاوية المقعد بمواجهته
كله تمام مقدرش اقولك ببقى مرتاحة أد ايه بعد ما باجي هنا وبيبقى عندي طاقة إيجابية تكفي العالم كله
بادلها بسمتها وعقب بتحفيز
طب ياريت بقى نوفر الطاقة الإيجابية الجميلة دي للمذاكرة علشان خلاص الأمتحانات على الأبواب
أجابته هي بنبرة مفعمة بلأمل
انا فاتني كتير بصراحة بس هحاول أعوض الأيام اللي جاية
اومأ لها وإن كاد يشعل موقد السيارة تساءلت بريبة
هتوديني فين
رفع منكبيه وقال بإعتيادية
هروحك
نفت برأسها وأخبرته وهي تلملم خصلاتها خلف أذنها بخجل
مش عايزة أروح
لتتلجم لهنيهة تحت وطأة نظراته المتأهبة لباقي حديثها وتستأنف بعدها
انا عايزة اروح معاك البيت
صدم من مطلبها وخيل له أنها تمزح ليس أكثر فمن المؤكد أنها ليست بتلك الوقاحة كي تقصد ما وصله ولذلك تدخل عقله و هدر قائلا بكامل صوته الأجش وبحدة أجفلتها
بيت مين أنت أكيد بتهرجي صح هو عادي كده تروحي مع أي حد بيته فوقي الله يخليك وقولي كلام منطقي انت بنت ناس وميصحش
شهقت بتفاجئ من ما استشفه بالخطأ من مطلبها وهدرت بغيظ شديد تدافع عن ذاتها وهي ترفع سبابتها بوجهه
انت بتقول إيه يظهر أنك أنت اللي اټجننت انا مكنش قصدي اللي وصلك كل الحكاية أن طمطم وحشتني وكنت عايزة أشوفها واقعد معاها و اتعرف على أختك بس يظهر أنك فسرت كلامي غلط وبجد ندمانة إني طلبت طلب غبي زي ده واتفضل تقدر تروحني
قالت أخر جملة وهي تعتدل بجلستها وتشيح بنظراتها عنه مما جعله يزفر حانقا ويلعن تسرعه ويعتذر قائلا
أنا آسف بس اصل انت ساعات بتعملي وبتقولي حاجات بتطير برج من عقلي يعني مينفعش تقولي لشاب هروح معاك البيت اكيد لازم يفهم غلط
نظرت له نظرة مطولة ثم قالت بنبرة معاتبة
أنا عفوية ومش متعودة أفكر في الكلام قبل ما اقوله ومش ذنبي أن تفكيرك رجعي
رجعي ده ابن اختك صح
رفعت حاجبيها تستغرب انه يمزح بينما هو كان يحاول أن يسخر من ذاته ليس منها فهنا تكمن نكبته فتلك الفوارق الطبقية بينهم
وطبيعة نشأتهم تجعل الكثير من الأمور لا تتوافق
بينهم وهو كان يعلم ذلك جيدا ولذلك لم يتجرأ ويمنى نفسه بحلم يستحيل تحقيقه نفض أفكاره المنطقية بعيدا وأجابها بقناعة تامة
ميرال انا تفكيري مش رجعي انا اتربيت على كده في أصول الواحد مينفعش يتعداها
زفرت حانقة ثم قالت بكل ثقة
محمد انت ليك منطق غريب بحاول استوعبه على أد ما اقدر بس أنا بعيد عن منطقك وبعيد عن الأصول وعن اللي أنت اتربيت عليه انا بثق فيك لدرجة إني أأمنك على حياتي كلها وعارفة ومتأكدة أنك مستحيل تأذيني او تخذلني ابدا
اتوسلك كفى قلبي لم يعد يحتمل ذلك ما صړخ به
عقله ولكن ما تفوه به كان
هروحك
قالها وهو يجاهد كي يفر هاربا من فخ عيناها ويتصنع الثبات بينما هي
تنهدت وهزت رأسها بطاعة حين شرع بالقيادة وأخذت تنظر عبر زجاج نافذتها للطريق بملامح محبطة وعيون اندثرت بها تلك اللمعة الشغوفة بفضله
أما هو فكان يمسد جبهته بأبهامه وسبابته وعقله يخبره بمنطقية باحتة أن لا يجوز أن تتواجد بمنزله ويسمح لها أن ټقتحم حياته البسيطة لذلك الحد ولكن برر قلبه أنه يضخم الأمور فهي تود الذهاب من اجل ابنة شقيقته ولا مانع من زيارة عابرة لا ضرر منها وخاصة أنه محال أن ينفرد بها مع وجود شقيقته والصغيرة وعند تلك الفكرة وجد ذاته يضرب بقرارات عقله وبحدود منطقه عرض الحائط
وهمهم قائلا دون أن يحيد نظراته عن الطريق
بتحبي البامية
استغربت سؤاله ونظرت له بطرف عيناها دون ان تجيب ليباشر هو حديثه بنبرة مشاكسة
براحتك أصل البت شهد عليها طاجن بامية أنما أيه تاكلي صوابعك
وراه وياسلام بقى لو بالليمون بس ياخسارة مفيش نصيب وطلعتي مش بتحبيها
جاهدت كي تكبح بسمتها وقالت وهي تدعى الخصام
بحبها واوي كمان بس يظهر أنك بخيل ومش عايز حد يشاركك في الطاجن
قهقه بقوة بتلك الضحكة الخشنة المفعمة بالرجولة التي تعبث بثباتها في كل مرة وتبث قشعريرة لذيدة بأوصالها وخاصة عندما صدر صوته الضاحك مشاكسا
نبيهة بسم الله ما شاء الله عليك وبتفهميها وهي طايرة وبصراحة اه انا طفس واوي وحاسبي بقى لحسن جوعت على السيرة
عقدت حاجبيها وناوشته وهي تنكمش على ذاتها
ايه هتتحول وتاكلني!
قهقه من جديد وقال بغمزة عابثة من بندقيتاه
متقلقيش مليش في الحلو
نكست رأسها كي تخفي أشټعال وجهها من إطراءه المحسوس لها ولم تعقب فقط تبتسم وتنظر لكل شيء عداه بينما هو كان يشعر أن على حافة الهاوية وأن صموده بدأ يتلاشى شيء فشيء وجعلته يسير في درب من دروب الجنون فتصرفه ذلك لم يكن راضيا عنه ولكن ماذا يفعل أمام فتنتها وتأثيرها عليه تنهيدة ثقيلة محملة بالكثير صدرت منه عندما تذكر شقيقته فبماذا سيبرر تلك الزيارة المفاجأة يقسم أن أي
شيء سيخبرها به لن يخيل عليها
ليزفر بقوة ويدعو الله بسره أن يمر الأمر بسلام فهو لا يضمن ردود فعل شقيقته
ترى هل ستتقبل وترحب بها أم ستجن كعادتها وتطردهم معا
التاسع عشر
ليس من الصعب أن تعثر على الحقيقة و لكن المشكلة الكبرى هي ألا تحاول الهروب منها إذا وجدتها
إتيان جلسوت
مرت ساعات النهار الأولى وهي نائمة كمدا لم تشعر بشيء غير انها تود أن تمنح عقلها هدنة ليستعيد عمله رفرفت بأهدابها الكثيفة بتثاقل شديد تحاول أن تستفيق بالكامل وتنهض ولكن كان الأمر عسير عليها و الصداع يفتك برأسها وعينها متورمة أثر بكاء أمس فكانت تنتحب إلى أن غلبها النوم من شدة الوهن بين ثريا التي ظلت ملازمة لها طوال الليل ولم تتركها إلا عندما تأكدت أنها بخير
مسدت جبهتها لعلها تخفف من حدة ألم رأسها ولكن بلا جدوى تحاملت على ذاتها كي تنهض من الفراش وأخذت عيناها تدور بمحيط غرفتها وهي تنعي وحدتها فكم كانت تأمل ان تستيقظ وتجد أحد بجانبها يطمئنها ويخبرها أن كل ما حدث ما هو إلا كابوس مزعج يستحيل تحقيقه وأن كل شيء سيكون على مايرام وعلى ذكر الحاجة لم يأتي أحد بخاطرها سواه لتجد عيناها تتركز على ذلك المقعد القريب ببأس شديد وبعيون حزينة ذابلة تتذكر حين كانت تجده في السابق يجلس عليه يطالعها بتلك البسمة الهادئة المريحة التي تقطر بمكنون قلبه حقا هي بآمس الحاجة له ولكن اين هو فقد تبدل حاله بفضل أفعالها ورغم أن مازالت هواجس عقلها لم تتبدد نهائي إلا أن حاجتها له في كل وقت عصيب يمر عليها أكدت لها أنها تكن له الكثير ولم تملك الجرأة ليومنا هذا كي تعترف بذلك حاولت نفض افكارها وهي تنهض من
الفراش تعاند تلك الحړب الضارية التي تود أن تنشب من جديد بداخلها و
قبل أن تخطو خطوة واحدة
لفت نظرها ذلك المغلف الكبير الموضوع أعلى الكمومود بجانب فطورها مدت يدها تسحبه لتجد ورقة بخط يد ثريا تعتليه وتخبرها بها أن ذهبت للاطمئنان عن رهف وان ذلك المغلف يحتوي على إثبات حديثها
وعليها
أن تطلع عليه
وبالفعل ذلك ما فعلته فقد فضت محتواه على الفراش وأخذت تتناول كل ورقة على حدى تمرر عيناها على محتواها واحدة تلو أخرى برويه شديدة و حينها تملكتها صدمة عارمة فقد وجدت فحوصات طبية بأسم والدتها وتقارير توضح حالتها لا والأنكى أن يوجد تقرير موثوقة من طبيب نفسي يؤكد إصابتها بإكتئاب حاد بتاريخ مسبق لۏفاتها بعدة أشهر
كل ذلك كان بمثابة انتفاضة لعقلها واختزال قوي لهواجسها البالية فبين يدها دلائل قاطعة لا تقبل الشك مطلقا
فقد وانهمرت دمعاتها البائسة وأخذت تهز رأسها وكأنها تدعم استيقاظ عقلها من
غفوته ومداهمته لها بتلك التساؤلات دون هوادة
هل مقتها لهم كان هباء
هل حقا نواياهم نحوها كانت بريئة
هل تلك السيدة التي حقدت عليها طوال سنوات كانت ضحېة ظنونها وهواجسها الواهية
فهل تلوم ذاتها أم تلوم والدتها على قرارها المجحف الذي شتتها وجعل الشيطان يعبث برأسها لسنوات حقا كانت ضائعة تنهمر دمعاتها ببأس لا مثيل له فليس من اليسير عليها أن تقتنع كون كل قناعتها السابقة بالية و كانت جميعها لا محل لها
علمت منيامن أنها تركت منزلها وتقبع مع سعاد بمنزلها القديم لذلك توجهت إلى هناك كي تطمئن عليها ولكن عندما وصلت لهناك وطرقت على باب الشقة عدة مرات لم يأتيها جواب وحينها أحتل القلق قلبها وكادت تخرج الهاتف من حقيبتها كي تهاتفها ولكن صوت الحارس أنبهها
الستسعاد مش هنا
خرجوا يعني
لأ يا ست هانم دول في المستشفى من ليلة إمبارح والست
لطمتثريا وتساءلت بجذع
يالهوي رهف طب مستشفى ايه وانا أروحلها
أجابها الحارس
والله يا ست هانم ما اعرف بس ست كريمة جارتهم اكيد عارفة علشان ابنها الدكتور هو اللي
وداهم هناك وحتى الولاد الصغار عندها
تعالى وصلني لشقتها
أومأ لها بطاعة واتبعها لهناك لتخبرها كريمة بكل شيء وتطمئنها على الأطفال أنهم بامانتها لحين عودتهم لتذهب ثريا بعدها للمشفى بعد أن هاتفت يامن وأخبرته بتعب رهف لكن دون ذكر تفاصيل واوصته أن يترك عمله ويعود للمنزل كي ينوب عنها برعاية نادين فهي بحاجته الآن دون عن أي وقت سبق
أما عن ذلك الساخط فقد كان يتعالى رنين هاتفه مرة بعد مرة وفي كل مرة يتعمد أن لا يجيب مما جعلها تزفر حانقة وتصيح به
يوووه تليفونك ده صدعني مش معقول كده ماترد يمكن حاجة ضروري
لوح حسن بيده وأخبرها ببسمة ماكرة وهو يتأمل رقم يامن الظاهر على شاشته يظن أنه يهاتفه كي يعتذر منه غافل كونه يريد أن يعلمه بشأن زوجته ولكن الأخر كان الأمر أبعد ما يكون عن تفكيره لدرجة أنه ألقى بالهاتف على المقعد بجانبه دون أي أهمية لتجلس هى على ساقيه متسائلة بخبث كي تسبر أغواره
مالك يا سونة انت من ساعة ما رجعنا وأنت مش طبيعي خالص معقول كل ده بسبب الشغل
تنهد بعمق وأخبرها وهو يداعب وجنتها ببسمة باهتة كي يسايرها
أنا عارف إني قطعت شهر العسل بس اوعدك هعوضك وهاخدك أي مكان تشاوري عليه بس كام يوم كده أخلص من مشاكل الشغل
أومأت له وقالت بدلال أنثوي ماكر وبنظرات معاتبة
لما أشوف يا سونة أصلك بصراحة بقيت بتوعد ومبتوفيش
حقا أخر ما ينقصه هي فلم يستطيع مسايرتها أكثر لذلك هدر متأفف
يوووووه خلاص بقى يا منار أنا مخڼوق و مش ناقصك
تفاجأت من حدته الغير مبررة معها ولكنها تداركت الأمر بدهاء حين مالت عليه
بس أنا ناقصاك يا سونة وعايزاك وعندي استعداد انسيك كل اللي مضايقك
دفعته هي پعنف عندما زادت قسوته وتعدى حدود احتمالها وصړخت به
انت اټجننت ايه اللي حصلك!
مرر يده بخصلاته بعصبية بعدما نظر المدمية وقال وبكل تبجح
قولتلك مش في المود وأنت اللي اصريتي اتحملي بقى
جعدت حاجبيها من تبجحه وقالت بغيظ شديد وبنبرة واثقة وهي ترفع سبابتها بوجه
أنت أيه الأسلوب الغريب ده المفروض تعتذر على الأقل مش انا اللي اتعامل كده
واعمل حسابك أخر مرة هسمحلك تعاملني بالۏحشية دي
ذلك آخر ما قالته قبل أن تتركه يستشيط ڠضبا من كل شيء حوله ويركل أحد المقاعد بقدمه ويدور حول نفسه وهو يشعر انه على حافة الجنون إلى أن تعالى رنين الهاتف مرة أخرى ليتناوله ويرد بنبرة متعجرفة خالية من أي لباقة
عايز ايه انت كمان
لهنيهة لم يأتيه رد حتى ظن أنه أغلق الخط ولكن الأخر كان يحاول تحجيم اعصابه قدر المستطاع فالغرض من مهاتفته هو إرضاء ضميره ليس أكثر لذلك قال بإقتضاب ومن بين أسنانه
وانت اللي زيك بيتعاز منه أيه يا بجح انا مش هعاتبك دلوقتي أنا بس بكلمك علشان ارضي ضميري واعمل بأصلي مراتك تعبانة و في المستشفى من امبارح
احتدت نظرات حسن وتساءل باستخفاف
مستشفى ايه وتعبانة مالها ما كانت مفرعنة امبارح
اجابه يامن بنفاذ صبر
مستشفى و معرفش حاجة تانية سلام
ذلك أخر ما تفوه به قبل ان يغلق الهاتف بوجهه مما جعل حسن يستشيط غيظا منه وهو يأخذ
متعلقاته ويهرول ليذهب لها تارك شيطانه اللعېن يحيك برأسه العديد من السيناريوهات
لم تنبس ببنت شفة فقط دمعاتها تنسل من
عيناها دون أي رد فعل يذكر حاولت سعاد و ثرياالتخفيف عنها ومواساتها ولكنها لم تنتبه لكلمة واحدة منهم بل كانت ساهمة بعيون فارغة وكأنها فقدت كافة شغف الحياه بعد خسارتها
رهف علشان خاطري بلاش تعملي في نفسك كده طب ردي عليا او عيطتي وخففي حمولة قلبك
هترتاحي
قالتها سعاد بمحاولة بائسة منها أن تجعلها تخرج عن حالة الجمود تلك ولكن بلا فائدة فلم تجيبها لتغمغم ثريا بأسى وبملامح متهدلة شديدة الحزن
لا حول ولا قوة إلا بالله كان مستخبيلك فين ده بس يا بنتي
لتعقب سعاد بحمئة
أبن أختك هو سبب كل ده منه لله ربنا ينتقم منه
نكست ثريا رأسها ولم تجد حديث مناسب ترد به لذلك ألتزمت الصمت وايضا سعاد التي كان يصعب عليها رؤية رفيقتها بتلك الحالة وكم تمنت لو تستطيع أن تخفف عنها
كان ذلك الصمت الذي ساد أجواء الغرفة ما هو إلا هدوء ما قبل العاصفة فقد شهقوا بقوة مفزوعين عندما اندفع الباب وظهر ذلك الساخط قائلا بحمئة ليست ابدا بمحلها
عملتيها يا رهف ونزلتي اللي بطنك وفكرك هتخلصي مني
ده انا هسود عيشتك
اندفعت سعاد كي تردعه عنها صاړخة وهي تدفعه بصدره
أبعد عنها مكفكش اللي حصلها بسببك منك لله
دفعها عنه بغل قائلا بوعيد احمق وهو يحاول أن ېتهجم على تلك المسكينة التي لا حول لها ولا قوة
هي لسة مشافتش حاجة مني وانا هعرفها ازاي تعند معايا
لتدخل ثريا ناهرة إياه
اتهد بقى هتعمل فيها أيه أكتر من اللي عملته
اشتد الحوار بينهم ما بين لوم و وعيد غافلين كونها تخلت عن حالة الجمود التي عليها بمجرد رؤيته وكأنها استوعبت الأمر الأن فقد تعالت وتيرة انفاسها واتسعت
عيناها بهلع عندما مر ذلك المشهد الأليم وهو يدفعها ويهددها أمام عيناها من جديد لتنطلق صړخة حاړقة مټألمة من أعماقها الممزقة و تضع يدها على وجهها تخفي عيونها وتهز رأسها بطريقة هستيرية وكأنها فقدت صوابها صاړخة بكامل صوتها
مش عايزة أشوفك ابعد عني بكرهك بكرهك بكرهك
في تلك الأثناء كان نضال في طريقه لمغادرة المشفى بعد انتهاء وقت عمله ولكن تناهى إلى مسامعه صړاخ يصدر من غرفتها ليهرول لهناك ويصيح پحده ما أن رأى حالة الاڼهيار التي هي عليها وتجمهر بعض العاملين أمام باب الغرفة يحاولون ردعه الأخر
هو في ايه بالظبط انت فاكر نفسك في بيتكم دي مستشفى يا استاذ يا محترم وميصحش تعلي صوتك ولا تتصرف بالھمجية دي
أجابه حسن بتبجح وهو يزيح بيده أحد العاملين الذين يحيلون بينهم
أنت مالك انت انا ازعق في المكان اللي يعجبني وبعدين الهانم اللي قدامك دي مراتي وسقطت من غير علمي وانا عايز المسؤول هنا علشان هخربها على دماغكم كلكم
تجهمت معالم نضال وهو ينظر له نظرة مشمئزة مستنفرة وهدر بإنفعال
مراتك سقطت بسبب تعنيفك ليها وده اللي هكتبه في التقرير الطبي ده غير محاولتك دلوقتي بالتعدي عليها
تجاهل ذلك الوعيد المبطن بحديثه ولم يفكر سوى بجملة تعنيفك لها مما جعله يعقد حاجبيه ويتسأل بعدم استيعاب
يعني ايه مش فاهم
لوح نضال بيده وتوجه لها وقال بصوت جهوري للممرضين الذين هرولوا على صوت صړاخها ولم يتمكنوا من تهدئتها
حد يجبلي حقنة مهدئة واقفين تتفرجوا على أيه!
وبلغو الأمن يطلعوا الأستاذ ده بره
احتدت نظرات حسن بغيظ وهدر معترضا
انا مش هتحرك من هنا غير لما أفهم
أجابته سعاد بنفاذ صبر وبهجوم شرس
انت هتستهبل كل اللي حصلها ده بسببك رهف سقطت لما زقتها أنت السبب في إجهاض البيبي
نزل حديثها عليه كالصاعقة وفرغم أنه لم يسعد بخبر ولكنه لم يتعمد ابدا أن يكون سبب في خسارته
فقد أبتلع رمقه بحلق جاف وزاغت نظراته بين تلك المسكينة التي تنتحب وتصرخ به كي يغادر وبين الجميع ثم تراجع عدة خطوات للخلف وكأن الأرض تميد به تزامنا مع صړاخها المتكرر الذي رج أرجاء المشفى
أخرج مش عايزة اشوفك تاني بكرهك ياحسن بكرهك وعمري ما هسمحك
نظر لاڼهيارها بعيون زائغة وبقايا ضميره ينهش به يخبره أنه بفعلته تلك قد يخسرها للأبد لذلك برر قائلا بنبرة مهزوزة متلجلجة
رهف انا مكنش قصدي
لتدخل ثريا آمرة إياه پحده
مش وقته الكلام ده امشي البنية مش طايقة تشوفك
يا خالتي انا مكنش قصدي هي اللي استفزتني وقتها و
كاد يستأنف تبريره المقيت وكعادته يحمل تلك المسكينة عبء ما حدث لولآ أن ثريا قاطعته بحدة وبنبرة صارمة
اخرس ومتفتحش بؤك ومن النهاردة تنسى أن ليك خالة والمسكينة دي ذنبها في رقبتك و ربنا اسمه العدل وهينتقملها منك علشان انت خسيس و متستاهلش ضفرها
مرر يده بخصلاته وهو يشعر بأن الډماء تغلي برأسه ويعجز عن التفكير ليمنح اڼهيارها نظرة مطولة وشيء من بقايا ضميره ينهش به فلم يتوقع في أسوء كوابيسه أن يتوصل
به الأمر لهنا ليسعفه عقله العقيم ويتدخل شيطانه كعادته ويبرر له أنها هي من استفزته وجعلته يفقد سيطرته على ذاته لذلك الحد الذي جعله يتسرع ويدفعها دون أن يفكر في عقبات للأمر
قطع تفكيره تكرار نضال وهو يحاول
جاهدا أن يسيطر على حالة تشنج
جسدها كي يوخزها بإبرة المهدئ ولكن كان الأمر عسير عليه فكانت نظراتها الكارهة مصوبة نحو ذلك
المقيت وتصرخ بحړقة لا مثيل لها
قولت طلعوه بره علشان تهدى
كان يود أن يعترض من جديد لولا
تمام همشي بس برضو مش هتعرفي تخلصي مني يا رهف وهرجعلك تاني
دفعه اثنان من أفراد الأمن للخارج فلم يقاومهم بل تركهم يسيروا به خارج المشفى دون أي مقاومة وكأنه هو من طمح بالهروب وقد ساعدوه دون أن يشعروا
بينما هي خار جسدها ومقاومتها تدرجيا مع تسربل العقار الطبي بوريدها وتهدلت جفونها ساقطة في حالة من السبات المؤقت
وعندما اطمئن الجميع عليها اجتمعت سعاد ب نضال بمكتبه وهي تنوي أن تتخذ إجراء رادع لذلك المقيت كي تحمي ابنة عمها من بطشه
يالهوي هي حصلت جيبلي نسوان البيت يا محمد
قالتها شهد بتسرع عندما سحبها محمد لأحد الغرف الجانبية بعدما دلف بميرال من باب شقتهم وترك الصغيرة هي من تستقبلها
كتم محمد فمها بكف يده كي لا تتفوه بالمزيد ناهرا إياها پحده
انا قولت مچنونة نسوان مين يا شهدعيب عليك هو اخوك بتاع الكلام الفارغ ده اهدي علشان أفهمك
اومأت له بعيون متسعة وما أن زحزح يده عن فمها قالت بتسرع دون تفكير
تفهمني ايه اوعى تكون ضارب ورقتين عرفي وجاي هنا لأ البيت ده طاهر وهيفضل طول عمره طاهر
نفخ محمد أوداجه وباغتها بقرص اذنها قائلا بغيظ وهو
اتكتمي الله ېخرب بيتك ايه اللي بتقوليه ده
تأوهت بقوة راسها كي يفلت اذنها قائلة پألم
ودني هتطلع في ايدك وبعدين اعملك ايه ما
هي ملهاش تفسير غير كده
أجابها بنبرة جدية وهو يخفف أنامله على أذنها شيء فشيء
لأ ليها بس اتهدي واسمعي وشغلي عقلك الأول
هزت رأسها تحثه على تركها وكتمت بيدها فمها كي تقنعه أنها ستستمع له ليتنهد هو ويترك اذنها ويقول بنبرة هادئة حاول أن يخفي بها ارتباكه
دي بنت الراجل اللي شغال عنده
دماغك مترحش لبعيد كل الحكاية أنها كانت عايزة تشوف طمطم وتتعرف عليك
تساءلت
شهد بحاجب مندهش
وهي تعرفنا منين
أجابها محمد وقد بدأ الارتباك يسيطر عليه
كنت واخد بنتك الملاهي وكانت معانا
شهقت شهدبتفاجئ وقالت ببسمة واسعة
يعني دي ميرال اللي البت طمطم حكتلي عليها طب ما تقول كده من الصبح
أومأ لها بتأكيد وأضاف برجاء محسوس
علشان خاطري يا شهد استقبليها كويس ورحبي بيها وبلاش جنانك ده
تنهدت شهد وأجابته وهي تضيق عيناها
من عيوني يا اخويا انت تأمر بس لو طلعت معوجة ومناخرها في السما هكرشك أنت وهي وطمطم ذات نفسها
هز رأسه بلا فائدة وقال مشاكسا وهو يسحبها من مؤخرة ملابسها كي تستقبل ضيفته
لا من الناحية دي انا مطمن انجري بقى قدامي يا مچنونة اتأخرنا عليها وعيب كده
عاد كما اخبرته والدته وهو يستغرب لم طلبت منه ذلك الطلب الغريب في ذلك التوقيت بالذات ولم أصرت عليه بالهاتف أن يظل بجوارها لم قالت له أنها بحاجته الآن! فمنذ متى وهي تكون بحاجته هي لم تلق بال له من الأساس وإن كانت تفعل لم تكن ارتكبت تلك الأفعال المشينة بحق والدته وبحقه
تنهد بعمق عندما تناهى إلى مسامعه صوت بكاءها وأخذ يجول بعينه في محيط المنزل يبحث عنها ليزفر بقوة كي يمهد ذاته لأحد حيلها التي يظن أنها تفتعلها كي تؤثر عليه وتجعله يحيد عن قراراته ويتبع الصوت وصولا لمرحاض غرفة والدته استغرب ما الذي أتى بها هنا ولكنه طرق على الباب وقال بجمود أصبح يتقمصه بالآونة الأخيرة معها
نادين اخرجي انا عارف انك بتمثلي وعارف انك أنت اللي خليتي أمي تكلمني
لثوان سكت صوت نحيبها وظن أنه نجح في كشف حيلتها وقبل أن يدرك الأمر كاملا اتاه صوت فوضى بالداخل لم يخمن مصدرها وقبل أن يستكشف الأمر بنفسه فتحت هي الباب برأس مطرقة وحاولت أن تتخطاه نظرة خاطفة بالداخل لأرضية المرحاض كانت كفيلة أن تجعله يجن جنونه ويظن كونها كان تود أن تلحق بنفس مصير والدتها ليهرول خلفها
كنت بتحاولي تعملي ايه
حمت وجهها بذراعها الآخر تخوفا أن تنال أحد صفعاته وهزت رأسها كونها لم تفعل شيء وغر قلبه عندما فعلت ذلك وكم لعڼ ذاته كونه جعلها تخاف بطشه لهذا الحد فحقا هو الأن نادم كونه شيد بيده عائق أخر يجعلها تتحامل عليه وتنفر منه ليبتلع غصة مريرة بحلقه وتتهدل ملامحه و ينظر لها بعيون اندثر جمودها و تسربل بها الدفء من جديد حين ترك ذراعيها وتسأل
امال علب الدوا اللي في
الأرض دي ايه
انزلت يدها بترقب ثم أجابته بنبرة مخټنقة وبعيون منكسرة واهنة تفر منها دمعات متباطئة
عندي صداع وكنت بدور على حاجة تضيعه بس ملقتش ولما أنت خبطت العلب وقعت من ايدي على الأرض
الإنكسار الذي كان يظهر جليا على هيئتها وعيونها الدامية التي تأكد كون بكائها استمر لوقت كبير
وغير مفتعل وجعل قلبه يتوسله
كي يعود ل لينه ويرأف بها وقبل ان يصدر منه كلمة واحدة كانت تتحرك بتؤدة مبتعدة عنه وهي تمسد جبهتها وتسير نحو غرفتها
ليتنهد هو تنهيدات عميقة مثقلة ويرفع نظراته لأعلى وكأنه يناجي ربه كي يعينه على نكبة قلبه
أما هي فبعد عدة دقائق كانت تجلس على طرف فراشها وهي تشعر بالخزي من ذاتها بعدما رأت بأم عيناها كيف أصبح يشكك بكل افعالها بسبب غباءها نكست رأسها وأغمضت عيناها تتوسل ذلك الألم أن يحل عنها ولكن كان يشتد ويشتد لدرجة انها وجدت دمعاتها تفر مټألمة معها يده الممدودة جعلتها تنتبه لوجوده معها بالغرفة فقد رفعت نظراتها الباكية إليه حين صدر صوته ذات البحة المميزة الذي يزعزع ثباتها قائلا
جبتلك حبوب مسكنة هتريحك وعملتك قهوة
هزت رأسها بأمتنان وتناولت الحبوب اولا من يده ووضعت اثنان منها بفمها ثم ارتشفت بعدها الماء اخذ هو الكوب من يدها حين انتهت ثم أعطاها قدح القهوة لترفعه هي على فمها ترتشف منه بضع رشفات صغيرة مستمتعة فكم اشتاقت القهوة الممزوجة بالحليب من صنع يده بينما هو توجه يغلق ستائر الغرفة كي يكبح حدة الضوء عن عيناها ويساعدها على تخطي الألم ثم ذهب واغلق نور الغرفة وقبل أن تصيح وتذكره انها تكره الظلام وتكره أن تكون بمفردها به شعرت به يجلس خلفها على طرف الفراش ويده أخذت طريقها لمؤخرة عنقها يدلكها بحركات دائرية حسية تعرف كيف تصل لمراكز الألم بينما هي أغمضت عيناها بقوة واستسلمت لمحاولته في مساعدتها ورغم أن الصداع مازال يفتك بها إلا أن الحانية جعلتها تستجمع شجعتها وتهمس بأسمه بنبرة مغلفة بالاحتياج جعلت طبول قلبه تقرع من أجلها
يامن
لم يمنحها فرصة لقول
شيء بل قاطعها بنبرة حانية مطمئنة افتقدتها منه بشدة
ششششش متتكلميش مش وقت كلام وحاولي ترخي اعصابك هتبقي أحسن
هزت رأسها بطاعة جعلته يتنهد تنهيدة ثقيلة محملة بالكثير وهو يستمر بما يفعله إلى أن سكن الألم وحل محله الطمأنينة التي عبرت عنها دون كلمات حين تراجعت بجسدها حتى جعلته يلتصق بجذع الفراش ومالت برأسها تود أن تستمع لدقات قلبه كي تتأكد كونها مازالت تنتمي لها ثم تشبثت به بقوة وانكمشت وكأنها مازالت تلك الطفلة الصغيرة صاحبة الضفائر الطويلة التي كلما فعلت کاړثة او افتعلت شيء خاطئ تفر إليه وتستنجد به وكأنها كانت لا تدرك مسبقا كونه هو مأواها الحصين ومصدر أمانها وأدركت ذلك الآن فقط بينما هو دون حاجته لأسبابها فكان دائما وابدا يعشق ذلك الشعور التي منحته اياه الأن دون مجهود منه كالسابق فطالما كان يتعمد أن يرهبها كي يناله منها ولكن بعد أن حمت وجهها اليوم وتخوفت من بطشه أقسم أنه لن يرهبها بعد الأن ولن يقسوا عليها مرة أخرى مهما فعلت سيتركها هي من تقرر كل شيء فإن أرادت ملجأه تأتي له كما حدث الأن بكامل ارادتها
كانت ساهمة وكأنه أتى بها لعالم موازي لا يمت لعالمها بشيء فكانت نظراتها منبهرة تتأمل كل شيء بتمعن شديد بدء من منطقتهم الشعبية التي تضج بالضجيج إلى كل ركن تقع عيناها عليه بمنزلهم المتواضع فكان الأثاث والفرش رغم بساطته إلا انه اشعرها براحة غريبة ودفء لم تشعر به قط بقصر أبيها
ما تاكلي يا ميرال ولا اكلي مش عجبك
قالتها شهد وهي تقدم لها الطعام بحفاوة كبيرة و بترحاب اشعرها بالألفة وانتمائها لحيث يكون
لتبتسم بأمتنان و تنفي برأسها وتقول بعفوية
لا ابدا يا شهد تسلم ايدك الأكل طعمه حلو أوي أنا كنت فاكرة محمد بيبالغ لما قالي أكلك حلو بس بصراحة طلع معاه حق
تنهدت شهد وقالت بمحبة خالصة لأخيها الذي يجلس بجانبها وهي تربت على يده المسنودة على الطاولة
ده قلب أخته ومليش في الدنيا غيره وعلطول كده طالع بيا السما ورافع من روحي المعنوية
تناوبت ميرال نظراتها بينهم وبين يد شقيقته التي تستقر فوق يده وكم تمنت أن تكون محلها فهي تقسم إن فعلت وتشبثت بها لن تفلتها مداد الدهر ولكن متى وكيف وهو يتجاهل كافة تلميحاتها ويتعامل معها بثبات غريب حتى جعلها تظنه متلبد المشاعر و بلا قلب
كانت تتطلع له أثناء شرودها بطريقة جعلت شهد تشعر بالريبة منها وخاصة عندما
محمد جدع وراجل بجد يعتمد عليه ربنا يخليكم لبعض يا شهد وميحرمكوش من بعض ابدا
اجابتها شهد بمجاملة تحمل رسالة مخفية بين طياتها
يارب يا حبيبتي ويرزقك بأبن الحلال اللي بتتمنيه
اندثرت بسمتها لثوان و
تعلقت عيناها به وكأن كافة امنيتها تختصر عليه