رواية خطايا بريئة بقلم ميرا كريم
لم يخبره بخروج تلك اللعېنة
تقدم من مكان جلسته وصړخ بصوت جهوري رج الأجواء
انت يا مسعد يا زفت
هب مسعد من رقدته وهمهم بطاعة رغم النعاس المسيطر عليه
تحت
أمرك يا بيه
قبض يامن على تلابيب جلبابه وصاح بعصبية
عايز اعرف كنت فين لما نادين خرجت
جحظت عينا مسعد وقال بصدق
والله يا بيه انا ماتحركت من مكاني وعيوني ما غفلت لحظة عن البوابة وعربية الهانم أهي مركونة قدام جنابك
جز على نواجذه بقوة وهدر وهو على حافة الجنون
أمال خرجت أزاي لبست طاقية الاخفى
والله يا بيه ما ليا ذنب وربنا يعلم إن كل كبيرة وصغيرة ببلغك بيها انا لحم كتافي من خيرك
قالها مسعد بنبرة مسالمة وصدق بالغ لامسه يامن ليتركه ويقول بنفاذ صبر
خلاص ابعد دلوقتى من وشي
أومأ له مسعد وانصرف بينما هو ظل يدور حول ذاته لثوان معدودة قبل أن يتذكر شيء بعيد
احتاط هو له وكم تمنى أن لا يكون بمحله ولكن ها هو يتفقد تسجيلات كاميرات المراقبة التي وضعها بتكتم تام بعد واقعة أختفاء المفتاح الخاص بالباب الخلفي للمنزل وكم كان يطمح أنها تكون مجرد ظنون واهية لا أساس لها من الصحة ولكن كيف وهو يرى صورتها تحتل الشاشة وهي تتسلل منه للخارج توقف الزمن به يحاول أن يستوعب الأمر لدقائق مرت عليه دهرا من الخذلان وحينها كان حقا بحالة
هياج لا مثيل له ولم يشعر بذاته غير وقدميه تأخذه لسيارتها الحمراء ينظر لها بغيظ شديد ودون أي مقدمات او لحظة تفكير واحدة كان يسحب تلك الآلة الحادة من جانب بوابة البيت وينهل عليها بضربات قوية حطمت أجزائها إلى أشلاء وهشمت زجاجها إلى شظايا وكأنه فعل ذلك كي ينفث عن غضبه بها عوضا عنها لترتجف هي أكثر وتضع يدها على أذنها عندما وصلها الضجيج الذي أحدثه وتيقنها لفعلته وتستسلم لنوبة بكائها من جديد وهي تكاد ټموت بجلدها
تمددت بجانب أطفالها ودثرتهم وټشتم رائحتهم ودمعاتها قد أبت الصمود أكثر وهطلت كي تفضح هشاشتها وضعفها فهم اغلى شيء على قلبها وقطعة من روحها ولن تستطيع أن تبتعد عنهم دقيقة واحدة رغم أنها ادعت عكس ذلك منذ قليل أمامه ولكنها لم تود أن تجعله يبتز غريزة الأمومة داخلها ولذلك كان لابد من التحلي بالثبات أمامه كي لا يستغل الأمر ويتخذها كنقطة لضعفها فحديثه المقيت مازال يتردد صداه بداخل عقلها عقلها الذي لأول مرة يثور منذ سنوات بشيء يخصه و يداهمها لتوه بالحقائق عندما تساءلت هل حقا سيفعل ما استشعرته من نبرته المحذرة ويحرمها من أطفالها
أجابها عقلها بمنطقية بحتة
ولم لا بعد كل ما صدر منه فقد خذلك واختزل سنوات عمرك التي كرستها له هباء يعلم الله انك لم تقصري معه بشيء وكنت تبذلين كل ما بوسعك من اجل ارضائه انا لا اخبرك أنك كاملة فالكمال لله وحده فأنت تعلمين انك منقوصة بالنسبة له ولكن لم يا ترى لم يحاول إكمال ذلك النقص بك لم لم يتحمل ويتقبلك مثلما تفعلي أنت هو حتى لم يكلف ذاته عناء المبادرة بل فضل أن يبدلك بأخرى فتبا له ولسخطه و أنانيته لا تستسلمي وسايريه للنهاية ولكن بعد أن تشيدي حصن قوي تحتمي به أنت وأطفالك أيظنك ساذجة وستتقبلين الهزيمة وخسارة كل شيء لا أنت قوية وأنا واثق بقدراتك على التحمل لا تيأسي افاقت من خطاب عقلها وهي تؤيده بشدة قائلة بوعيد وبإصرار لا مثيل له
وحياة ولادي اللي معنديش في الدنيا اغلى منهم لهدفعك التمن غالي اوي
إذا هو من أنشب الحړب فليتحمل فداحة خسائرها فحقا كانت تريد أن تحيا بلا منازعات تنغص صفو حياتها ولذلك كانت تتهاون وتتنازل عن أبسط حقوقها ولكن هو لم يقدر ذلك بل اتخذه كحق مشروع له وسخط عليها وأصبح يبرئ كافة خطاياه بحقها
مثله كمثل بعض الرجال يتحدثون عن ما شرعه الله بحقهم وهم بالأساس جاهلون بتعاليم دينهم و واجباتهم حتى فرائضهم يقصرون بها فحقا عجبا لكم معشر الرجال تحللون ما يستهويكم فقط
طااااااارق
صدر صوت أبيه صارخا به بقوة اجفلته وجعلته يستدير يرد عليه في طاعة
نعم يا بابا
بتتسحب زي الحرامية ليه وبتهرب فكرك اللي حصل ده هعدهولك
قالها ابيه بنبرة قوية صارمة تخص رجل سياسي مخضرم قوي الشكيمة مما جعل طارق قائلا في تبرير
بابا محصلش حاجة انا كنت سهران مع صحابي و
قاطعه
ابيه بصرامة
سهران مع صحابك ولا مع بنت عادل الراوي
أبتلع طارق ريقه بتوتر وأجاب أبيه
نادين من ضمن أصحابي وكانت معانا
صڤعة قوية كانت رد أبيه الرادع له وتلاها صراخه به
انت فاكرني نايم على وداني يا ولد انا كل كبيرة وصغيرة بتجيلى وانا قاعد في مكتبي
فكرك أنا معرفش بعلاقتك بيها ولا بالشقة اللي واخدها جنب بيتها مخصوص علشانها
أغمض طارق عينه بقوة التي انطبع عليها أصابع ابيه بالأحمر القاني وقال مبررا
الموضوع مش زي ما حضرتك فاهم انا بحبها يا بابا
زمجر أبيه پغضب وهدر بصرامة شديدة
أنت اټجننت بتحب واحدة متجوزة أنت يظهر أن السنين اللي عشتها مع امك بره نسيتك ازاي تبقى راجل وتحترم أن احنا في مجتمع شرقي له عاداته وتقاليده ودينا اللي
بيحرم دا
تحمحم طارق قائلا
منستش يا بابا ومش ذنبي ان كل واحد فيكم عايش في مكان ومشتتني معاكم وبعدين أطمن هي هتطلق علشان مش بتحبه وابوها اللي كان فرضه عليها قبل ما ېموت
طالعه أبيه بنظرة صقرية نافذة ثم قال بجدية شديدة
انت عارف لو كان الخبر ده انتشر واتسرب للإعلام كان هيحصل إيه
تخيل كده عناوين الأخبار اللي كانت هتنتشر وهتمس سمعتي ومركزي السياسي الحساس
حاول أن يبرر من جديد ولكن أبيه أخرسه قائلا بصرامة و بقرار قاطع كحد السکين
طول ما هي على ذمة راجل تاني يبقى تبعد عنها نهائي وتحط في اعتبارك لو محصلش هرجعك تعيش مع امك انا زهقت
من مشاكلك و فضايحك اللي ملهاش اخر
حاول طارق أن يجعله يعدل عن قراره فهو يفرض عليه الأبتعاد عنها وهو حقا لا يود ذلك مطلقا
بس يا بابا انا
من غير بس ده أمر مش بخيرك
وبحذرك متغلطش علشان متشوفش مني تصرف تاني مش هيعجبك ابدا
قاطعه ابيه بنبرة قوية صارمة جعلته ينكس رأسه دليل على طاعته الجبرية قبل أن يغادر إلى غرفة مكتبه تاركه يهوى على أحد المقاعد يفكر كيف سيتمكن من التخلص من ذلك ال
يامن في أقرب وقت كي يحظى و حينها سيحاول جاهدا إقناع أبيه بشأنها مهما كلفه الأمر
صباح يوم جديد يخبئ بين طياته الكثير
فقد كانت هي جالسة على طاولة الطعام وبسمات هادئة ترتسم على ثغرها كل حين وآخر كلما تذكرت فحقا أعادها ذلك اليوم إلى طفولتها التي لم تحظ بها أي اهتمام فقد استمتعت كثيرا برفقته وبرفقة الصغيرة فكل شيء حينها كان مميز كثيرا توردت وجنتها خجلا عندما أتت ومضة أمام عيناها تذكرها حين
كانت تصرخ بهلع وتحتمي به وكأنه هو درع أمانها الوحيد
لاتعلم متى أكتسب ثقتها لذلك الحد ولكن تقسم أنها رجل لذلك الحد سوى أبيها والغريب بلأمر أنها شعرت أنها في موقعها الصحيح بل ايضا شعرت بالكمال لأول مرة منذ زمن بعيد فلا تنكر أنه يؤثر بها ويمتلك منطق غريب يثير فضولها فكل شيء معه يكون مختلف مميز لحد كبير وبرغم أن الوضع يظهر مربك لها ولكنها لم تشعربذلك بل تجد ذاتها على سجيتها وتتصرف بتلقائية بحتة وكأن صداقتهم منذ قديم الأزل نعم صداقةذلك المسمى البديهي لتقاربهم ولكن لم يستنكر قلبها تلك الفكرة حين ترددت صوت ضحكته الخشنة المفعمة بالرجولة داخل رأسها الآن و دغدغت مشاعرها وجعلت ابتسامتها الهائمة تتسع دون دراية بتلك التي تترصدها وهدرت متسائلة
خير يا ميرال مالك
على ظهر مقعدها وأجابتها
عادي يا دعاء انا كويسة
اعتلى جانب فم دعاء ساخرا وهدرت بتطفل كعادتها متقمصة دور الأم المهتمة الذي لا يناسبها بالمرة
كويسة ازاي وأنت كل ساعة بحال ده غير أنك مسهمة وبتضحكي من غير سبب بجد حالتك بقت صعبة و ميتسكتش عليها انا معرفش ليه رافضة فاضل يعرضك على دكتور نفسي
زفرت ميرال حانقة وردت بإندفاع وهي تهب واقفة تنوي المغادرة
انا مش مچنونة علشان اتعالج ومش مضطرة أدخل معاك في جدال يضايقني ويغير مودي وياريت ملكيش دعوة بيا
تنهدت دعاء بضجر من طريقتها وإن كادت تتحدث مرة أخرى تدخل فاضل الذي أنضم لهم لتوه
متعصبة ليه بس يا حبيبتي
تنهدت ميرالبعمق وهي تنظر ل زوجة أبيها وقالت
اسأل مراتك يا بابي كل ده علشان لقتني سرحانة شوية بتقولي لازم تتعالجي
اعتلى حاجب دعاء ودافعت عن ذاتها قائلة
انا مكنش قصدي اللي هي فهمته انا كنت عايزة اطمن عليها وأعرفها مصلحتها
زفر فاضل بقوة ورشق دعاء معاتبا
فطالما طلب منها أن تدعها وشأنها ولا تضغط عليها ولكن هي بادلته نظراته بأخرى ذات مغزى جعلته يتحدث ولكن موجه حديثه لأبنته
دعاء بتحبك وعايزة مصلحتك زي بالظبط ويمكن
رغم أنها تعلم مكانتها بقلب أبيها وتشعر بحنوه عليها إلا أنها تعلم ايضا أن زوجته تملك سلطة عليه ولطالما كان ينحاز لها ويبرر تدخلها المقيت بحياتها كونه خوف يصب في مصلحتها وحقا هي سئمت كل شيء لذلك تأففت بنفاذ صبر
يووووه كفاية بقى انا مش مچنونة مش
مچنونة وكفاية تضغطوا على اعصابي
حاول أبيها منعها ولكنها لم تستمع له بل حقيبتها وركضت نحو الخارج وهي تشعر أن ضجيج رأسها يعود من جديد
كان يقف هو ينتظرها ككل يوم ولكن اليوم كان لرؤيتها على غير عادته فمنذ أمس لم تغب عن تفكيره لحظة واحدة حتى انه لم يبالي بمنطقه الذي يحثه على عدم التورط بها و دون ارادة منه وجد ذاته لا يود أن يفكر في مسمى أخر لم يحدث بينهم واخذ يقنع ذاته أن شهامته فقط ووعده لها هم السبب بتلك المشاعر المتضاربة التي تجتاحه نحوها تنهد بعمق وببسمة هادئة وهو يلمحها من بعيد تهرول نحوه ولكن عندما لاحظ هيئتها شعر أنها ليست على ما يرام ولذلك خبت بسمته
تدريجيا وقبل أن يسألها مابها كانت تصعد إلى السيارة وتجلس بالمقعد بجانبه وتقول بنبرة استشف الحزن بين طياتها
اطلع بالعربية لو سمحت
أومأ لها بطاعة وحاول جاهدا أن يكبح فضوله اللعېن نحوها غافل أن ذلك الفضول سيكون سبب نكبته
وها هي بعد بعض الوقت شاردة تستند على مقدمة السيارة في ذلك المكان النائي على تلك الهضبة الشاهقة التي كلما ضاقت بها السبل تأتي إليها فبعد مغادرته معها طلبت منه أن يوصلها لهنا وظلت هائمة بعيد في عالم آخر لا تعبئ أن فضوله يكاد يفتك به ليعلم ما بها والعديد من الأفكار السوداوية تداهمه وعندما يأس من صمتها قرر
أن يكبح فضوله وتساءل بنبرة صدرت مهتمة للغاية وهو
هتفضلي ساكتة كده كتير
تنهدت ولم تجيبه ليتنهد بنفاذ صبر ويتمهل بضع ثوان ثم يقول بنبرة هادئة وهو يركز نظراته على تلك الإطلالة الرائعة التي تكشف البلد من عليائها
مش عايز اضايقك ولا قصدي اتطفل عليك بس لو أنت حابة تفضفضي معنديش مانع اسمعك وللنهاية
لم تجيبه أيضا بل كانت تتنهد تنهيدات مثقلة وتغمض عيناها وكأنها بعالم موازي ولا تكترث غير لنسمات الهواء التي تداعب وجهها وجعلته دون أي قصد يهيم
بها وبتلك الخصلات التي تتراقص مع الهواء وتراقص قلبه معها بسنفونية غريبة غير منطقية بالمرة بالنسبة له
لعڼ غبائه حين أطال النظر لها ثم ازاح برأسه بعيدا كي ينفض تلك الهواجس التي يستحيل تحقيقها وإن كاد ينسحب لداخل السيارة ويتركها لخلوتها همست هي پضياع
هو انا مچنونة يا محمد
جعد حاجبيه الكثفين مستغربا سؤالها ثم تحمحم يجلي صوته الأجش وأجابها
لأ أنت مش مچنونة يا ميرال
أمال ليه دعاء شايفة كده وبتخلي بابي يضغط عليا علشان اروح لدكتور نفسي
قالتها بنبرة متخاذلة وبعيون حزينة جعلته يتنهد بعمق ويجيبها بعقلانية شديدة
أنت مش مچنونة ومش كل اللي بيروحو لدكاترة نفسيين مجانين كل الحكاية أنك محتاجة حد يساعدك تفهمي نفسك و ترتبي أفكارك ويغير نظرتك السطحية للأمور
تنهدت تنهيدة آخرى مثقلة وعيناها تتعلق به ثم قالت في إحباط
مش محتاجة حد يقولي إني فاشلة ومستهترة وبغلط كتير انا عارفة ده كويس ومتأكدة إني مستهلش أن حد يحبني ولا
جملتها الأخيرة زلزلت قاع قلبه وجعلته دون أي مقدمات يصرح بتلقائية وهو يطالعها ببندقيتاه التي تفيض بالاهتمام
بس دي مش حقيقة أنت تتحبي واللي ميعرفش يحب ولا زيك يبقى مشكلته هو لأنه أكيد مبيعرفش يميز
نمت شبه بسمة من إطرائه وكم شعرت بالراحة بعدها حين استأنف
وعلى فكرة بقى كلنا بنغلط مفيش حد معصوم من الخطأ وطالما اعترفتي بأخطائك وبعيوبك ومخبتهاش أو نكرتيها يبقى دي بداية طريق التغيير
حاولي متفكريش في كلامهم عنك ولا رأيهم فيك خليك انت اللي رقيبة لنفسك وقبل ده كله لازم ترمي كل حاجة وراك ومتفكريش غير في اللي جاي ومستقبلك وعلشان ده يحصل لازم تتصالحي مع ميرال وتحبيها لأنها فعلا تتحب
كان يتحدث بإندفاع دون تفكير حتى انه لم يلحظ أنه كان يلمح لها بشيء هو ذاته يستنكره و لم يستوعبه عقله بعد أما هي فقد اتسعت بسمتها وهي تستمع له ومأخوذة بحديثه ودون وعي منها وجدت ذاتها تقول بعفوية شديدة
انت ازاي كده
عقد حاجبيه بعدم فهم لتستأنف هي دون أن تعير أنه أصبح على المحاك
كل حاجة معاك بتبقى بسيطة وسهلة وليها ألف حل أنا ببقى مبهوره بتحليلك للمواقف الصعبة اللي بمر بيها وبصراحة رغم أن ليك منطق غريب بحاول استوعبه معظم الوقت لكن بحس براحة أغرب لما بكون معاك
ارتبكت قليلا وأطرقت نظراتها وأخذت تلملم خصلاتها وتضعها خلف أذنها بخجل من تسرعها ولكنه حثها بعينه على المتابعة قائلا
كملي يا ميرال
زحفت حمرة طفيفة على وجهها وهي تطالع بندقيتاه والاهتمام الذي ينضح بها واستأنفت
أنا عمري ما وثقت فحد بالسرعة دي بس مواقفك معايا أثبتتلي أنك راجل بجد وانك جدير بالثقة دي وبجد انا بحمد ربنا أنك في حياتي يا محمد
تلك المرة لم تزلزل قاع قلبه بحديثها بل عصفت به وجعلت كافة قناعاته تنهارإلى أنقاض وبدل أن يسعد بتلميحها وجد ذاته يشرد و يمسد جبينه بأبهامه وسبابته كي
يكبح تلك الهواجس برأسه
لاحظت شروده وهمست بترقب
محمد سكت ليه
عندما همست باسمه بتلك الطريقة أغمض عينه بقوة يجاهد كي يصمد ولا يتخلى عن عقلانيته وإن استعاد رباط جأشه قليلا ابتسم ببهوت وتسأل كي يغير مجرى الحديث الذي يتخطى حدود منطقه
يعني أفهم من كده اني عرفت أقنعك
أومأت له بنعم ثم أجابته بنبرة مترددة بعض الشيء
اقتنعت بس عايزة اطلب منك طلب قبليها
هز رأسه بترحاب لتستأنف أطراف أنامله المسنودة على مقدمة السيارة وتقول وفيروز عيناها يلمع بنظرة راجية
اوعدني أنك متبعدش عني يا محمد مهما حصل
انتفضت دواخله من وعجز عن الرد امام رجاءها فما كان منه غير أن يومأ لها وعيناه تغوص ببحر عيناها وكأنه مسلوب الإرادة
محدش بيهرب من قدره يا ميرال
ابتسمت بارتياح رغم حديثه الذي لم تفهم المغزى منه ونظرت بنظرة حالمة بها
بصيص من التفائل والأمل وشيء ما هناك يؤكد لها أن ذلك المصطلح الذي أطلقته على تقاربهم لا يليق ابدا على تلك المشاعر التي تأكدت انها تكنها له
أما عن صاحب القلب الثائر الذي خذلته تلك المتمردة فقد جافاه النوم وظل على وضعيته تلك حتى ساعات الصباح الأولى يجلس على حافة المسبح بعيون دامية و وجه شاحب شارد في نقطة وهمية بالفراغ وشريط حياته يمر أمام عينه يجعله يلعن ذلك القلب الذي مال لها انتشله من شروده صوت مسعد الحارس
أنت كويس يا بيه
أومأ له يامن وأخبره بإنهاك
مش كويس بس مش مهم المهم إني
مبقتش مغفل
طالعه مسعد بحزن وهو ينهض ويدخل المنزل ضارب كف على أخر من تبدل حال رب عمله
بينما هو حين دلف للداخل شعر بالريبة عندما لم يجد والدته مستيقظة كعادتها مبكرا لا يعلم لم أحتل الخۏف قلبه وإن ذهب لغرفتها وجدها كما هي تغط في سبات عميق حاول افاقتها برفق ولكن بلا جدوى ليتناول هاتفه ويهاتف الطبيب والقلق يكاد يفتك به ولكن لصډمته عندما أتى وعاينها وأخبره أن كل مؤشراتها الحيوية بخير وأنها فقط تغط في نوم عميق ولا داعي للقلق وكونه يعلم تلك
اللعېنة تمام المعرفة أتاه هاجس عابر جعل الشكوك تتقاذف برأسه وأقسم إن كانت بمحلها لن يتهاون ابدا في حق والدته
الخامس عشر
قمة الخذلان أن أعلمك أول دروس الوفاء وتلقينني أنت أقسى دروس الغدر أن أوفيك كل حقوق العشق وتسلبيني أنت كل حقوقي الإنسانية لأدور حول نفسي في حلقة مفرغة أبحث عن الأسباب والمسببات
صفع باب غرفتها ودون أي مقدمات كان يقلب الغرفة رأس على عقب يبحث عن شيء بعينه
أما هي شهقت بفزع وانتفضت من فراشها متخذة أحد زوايا الغرفة كملجأ لها تنكمش به وهي تظن أنه أتى لېعنفها مرة أخرى ولكنه لم يعيرها أي أهمية بل كان يبحث بكل مكان الأدراجوالخزانات وبين طيات الأرفف ولكن دون جدوى إلى أن لفت نظره حقيبتها التي كانت ترتديها بالأمس ملقاة بزاوية الغرفة انقض عليها ومد يده يسحب هاتفها المغلق يضعه في جيبه ثم فض كافة محتوياتها على الأرض بنفاذ صبر وحينها تأكدت كافة ظنونه
جثى يتناول المفتاح المزعوم وتلك العلبة البلاستيكية التي من الوهلة الأولى علم فحواها والغرض من استخدامها لينهض و يختصر المسافة ليس إلا وېصرخ وهو خصلاتها بعصبية مفرطة ويلوح بما تحوي يده أمام نظراتها
ده أكيد مفتاح الباب الوراني اللي كنت بتهربي منه وتستغفليني إنما بقى الحبوب دي بتاعة ايه انطقي
كانت تكاد ټموت من شدة ذعرها حين ا فعلتها فكانت شاحبة ونظراتها زائغة تعجز عن الرد وكل
ردي عليااااااااااااا حبوب ايه دي
فرت دمعاتها وهي تغمغم مستنكرة
مع رفش
ليضرب الحائط خلفها بقوة وېصرخ بوجهها بصوت جهوري روجت له جدران المنزل
كدااااااابة تعرفي دي حبوب منومة دي اللي بتحطي منها لأمي علشان تخرجي مش كده
نفت براسها بطريقة هستيرية مستنكرة الأمر ولكن نظرة واحدة
داخل عيناها أكدت له انها كاذبة مما جعله ينهرها بحدة وهو يرج بها من خصلاتها غير عابئ بصړاخها ولا بكائها المكتوم بسبب أن بعض الخصلات فارقت فروة رأسها أثر قبضته
أد ايه انت ژبالة وانا غبي علشان وثقت فيك
تعلقت بيده وترجته من بين شهقاتها الباكية
انت بتوجعني سيب شعري
زئر بقوة وهو يجاهد كي لا يفلت زمام غضبه أكثر فما كان منه غير أن نفضها عنه وكانها تثير اشمئزازه ثم أخذ ينطر أنامله كي يخلص تلك الشعيرات العالقة بينهم وهو ينظر لها نظرة قاټلة جعلتها تخور على ركبتيها وتضع يدها على وجهها وتنخرط في بكاء مرير تنعي به حالها وما توصلت له بينما هو كان كالثور الهائج الذي لم يرى أمامه فقد قام بتحطيم كل ما طالته يده
داخل الغرفة حتى أنه حمل مقعد تسريحتها وقذفه بالمرآة محدث على أثر تحطيمها ضجيج قوي تردد صداه في أرجاء الغرفة وجعلها تصرخ بجزع غافلة انه بفعلته تلك ينفث عن غضبه عوضا أن ېؤذيها فلم تهدأ صرخاتها قط إلا حين جثى على ركبتيه أمامها وصړخ بهياج شديد يؤرجحها
أنا كتير قولتلك وحذرتك أمي خط أحمر بالنسبالي
ولو كنت بتنازل في حق نفسي مش هتنازل في حقها هي ابدا
كانت عيناها دامية من شدة بكائها وكادت انفاسها تمن شدة شهقاتها ولكنه لم تأخذه بها شفقة فقد تمادت وحقا فاق الأمر قوة أحتماله ولذلك هزها بقوة أكبر هادرا بصوت قاسې خالي من أي تهاون بتلك التساؤلات التي عجز عقله عن استيعابها
أنت إيه الجبروت والسواد اللي جواك ده
ده جزات الست اللي ربتك وراعتك بعد مۏت امك!!
قوليلي عملت ايه
تستاهل عليه كده
طب ضميرك مأنبكيش من نحيتها
طب ازاي كنت بتحطي عينك في عينيها وبتتعاملي معاها وأنت بتأذيها انت للدرجة دي وحشة وانا كنت مخدوع فيك
لتتهدج نبراته ويستأنف باشمئزاز وكأنها تثير غثيانه هو ينفضها بقوة جعلتها تسقط على الأرضية مټألمة
أنا بجد ندمان وقرفان من نفسي إني حبيت واحدة زيك
كانت تستمع لحديثه وضميرها ينهش بها وكأنه كان في غفوة واستيقظ لتوه وحينها تدخل عقلها وهاجمها بتلك المبررات من جديد شعرت أن الأمر يتخطى قدرتها على التحمل ولذلك وضعت يدها على اذنها وصړخت باڼهيار تام بصوت مخټنق بعبراتها
كفاااااااااااية كفاااااااية بقى
تطلع لاڼهيارها بعيون جامدة قد اندثر
بها ذلك الدفء الذي كان يعتمرها ثم قال بنبرة قاطعة كحد السکين وهو يخطو بعيد عنها
انت لسه ما شوفتيش حاجة ومن هنا ورايح هخليك تجربي الذل اللي على أصله يا بنت الراوي
ليغادر غرفتها ويغلق خلفه بابها ويوصده بمفتاحه دون أن يرأف بها وبنحيبها ولا لصرخاتها الموجعة وكأنها بدلت لين قلبه المولع بها إلى آخر صلد كالجلمود بفضل أفعالها التي يهيئها لها شيطانها
كونها بريئة مبررة في سبيل انتقامها
أما في أحدى قرى الصعيد فقد
كان يهرول فرحا بعودة محبوبته بعد غياب دام لعدة أيام مرو عليه بصعوبة
بالغة من دونها
فكان قلبه يهفو لها يسبقه حين وجدها تدلف لتوها إلى ردهة المنزل وتركض لترتمي بين يده قائلة بنبرة ملتاعة
توحشتك جوي يا حامد
وأني كما توحشتك يا جمري وأيامي كانت غابرة من غيرك
توحشتني صح يا حامد
تنهد هو تنهيدة حارة مفعمة بالمشاعر وهو يكوب وجهها الصبوح بين يده وقال بوله تام
ايوة يا جلب حامدالليالي كانت عاتمة من غيرك ومصدجت رچعت تاني تنوري سمايا يا حبة الجلب
اتسعت بسمة قمرمن ذلك الغزل الذي يغدقها به زوجها ويهون الكثير عليها وقالت بنبرة تقطر بمكنونها وهي
ربنا يخليك ليا يا حامد
لوت ونيسة فمها يمينا ويسارا بعدم رضا وهي تدلف لتوها هي وزوجها لردهة المنزل
بينما ضړب عبد الرحيمالأرض بعصاه الأبنوسية قائلا بحدة كي يقطع تلك اللحظات الحالمة بيهم
واه چرى أيه كانكم مايعين إكده اللي ينضركم يجول بجالكم سنين متفارجين مش كام يوم
تحمحم حامد بحرج بينما هي أطرقت رأسها وسحبت طرف وشاحها تغطي به فمها من شدة خجلها وهرولت نحوهم
كيفك يا بوي وكيف صحتك
والله توحشتك يا أما ونيسة
رفعت ونيسة طرف فمها بحركة مستنكرة ولم تعقب و اكتفى عبد الرحيم بهز رأسه كونه بخير واستأنف حديثه الخالي تماما من اللباقة
طالما متجدرش على بعدها إكده ياولدي كنت عجلها وجولها تجعد في دارها وبلاها علاچ ولا حكمة وتضيع وجت على الفاضي
ابتلعت هي غصة مريرة بحلقها من تجريحاته المستمرة بشأن عدم إنجابها وقالت بنبرة متحشرجة على حافة البكاء
إن شاء الله متكونش على الفاضي المرة دي الحكيمة طمنتني وجالتلي إن في أمل ابجى حبلة
حانت من عبد الرحيم بسمة هازئة ورد ساخطا
بعد جد أيه يا جمر لما شعر ولدي يشيب
أطرقت هي رأسها ولم تستطيع أجابة سؤاله فما كان منها غير أن تنسحب قائلة بنبرة منكسرة
العلم عند ربنا يا بوي ما تواخذنيش أنا تعبانة من الطريج ومحتاچة ارتاح
كان هو صامت احتراما لشخص أبيه فلا يجوز أن يتعدى حدود الأدب ويعاتبه أمام زوجته ولكن عندما غادرت هي نظر لآثارها في ضيق شديد وهدر مدافعا في محاولة بائسة منه كي يجعل أبيه يكف عن تسلطه
ليه تكسر بخاطرها أكده يابوي مرتي ست البنات وعاجلة ولو هتروح للحكمة فده علشان انتوا ضغطين عليها و مش مجتنعين إن مش بايدها حاچة
لم يعجبه الأمر ولذلك عقب على حديث ولده بسخط
بكفياك يا ولدي مرتك أرض پور ومفيش منيها رچا
بس هحبها ولو لفيت الأرض كلتها مش هلاجي ضفرها وإذا كان على الخلفة أنا راضي بحكمة ربنا ومش عاوز من الدنيا غيرها
قالها حامد بحمقة شديدة جعلت ونيسة ټضرب على صدرها بحسرة بينما عبد الرحيم صاح متجبرتا
والله وچه اليوم اللي تناجرني فيه يا حامد وتجف جصادي
زفر حامد في ضيق وقال مبررا
يا بوي أنا مليش في الدنيا غير رضاك
ورضا أمي بس هي مرتي وكرامتها من كرامتي ويعز عليا تچرح فيها وتنجرزها بالحديت في الرايحة والچاية بالله عليك يا بوي لو بتعز ولدك صح بكفياك
احتدت نظرات عبد الرحيم القاتمة وسايره
ماشي يا ولدي لما أشوف أخرتها معاك
ليستأذن حامد كي يصعد لزوجته وما أن غادر قالت ونيسة بعدم رضا وهي تولول
جولتلك سحراله ومصدجتنيش يا عبد الرحيم
بينما هو جلس على أحد المقاعد يسند ذقنه على عصاه الأبنوسية وهو يفكر كيف يتمكن من كسب ولده لصالحه حتى لا يخسر وده ويخرج عن طوعه ويعيق ما يطمح له
حجك عليا يا حبة الجلب
قالها حامد بحنو وهو كي يراضيها ولكنها جففت دمعاتها وقالت والحزن يغلف صوتها
أنا اللي محجوجالك يا حامد انا اللي معرفتش أچبلك حتة عيل يشيل أسمك
واه خلاص بقى جفلي على السيرة الماصخة دي وبعدين يا بت الناس مش جولتي الحكيمة قالتلك إن العلاچ الچديد ممكن يجيب
نتيچة وأن المسألة مسألة وجت يبقى لازم نصبر وربك هيچبر وحتى لو ربك مأذنش أني راضي ومكتفي بيك انت بتي وحبيبتي وحبة جلبي من چوة
ابتسمت من بين بكائها وهي تشعر بقلبها يتراقص فرحا من تفهم زوجها وحبه لها الذي يغلف كل أفعاله وحتى حديثه ورغم أنها تعلم أن لأبويه سلطة عليه ويخشى سخطهم ولكنها تعذره فهو حنون لين القلب ولذلك لن تتحامل عليه أكثر وخاصة بعد أن استرقت السمع لدفاعه المستميت عنها قبل أن تدلف لغرفتهم لتقول بحب
ربنا ما يحرمني من طيبة جلبك ولا حنيتك يا حامد
ولا منيك
ياجلب حامد
طب ايه جوليلي وريحي جلبي روحتى لعمي سعيد زي ما جولتلك
أومأت له بنعم وقالت بصوت خفيض للغاية تحسبا أن يستمع لهم أحد
ايوة زرته في المستشفى في سوهاچ انا وامي وعطيته الفلوس زي ما جولتلي وفكيت ضيجته وخالة هانمبعتالك السلام وبتجولك كتر خيرك
وهو كيف صحته يا جمر
تنهدت قمروقالت بتفائل
ادعيله يا حامد وإن شاء الله هيبجى كويس
أومأ لها وتمتم بتضرع
ربنا يشفيه ويعافيه و يجومه بالسلامة
أمنت هي على دعواته ل وقوله بنبرة مشاغبة
طب أيه مفيش حاچة علينا ولا أيه
لم تتفهم حديثه وتساءلت
هااااتجصد أيه
ليتساءل مرة أخرى ولكن بشغب أكبر وهو
بجالك كام يوم غايبة
يا بت الناس
واه انا عجلي مش دفتر
يبجى افكرك
شهقة خاڤتة صدرت من فمها
إني بجى فاكر وحاسب بعدك عني بالدجيجة والثانية يا جمري وعلشان
استيقظتثريا بعد عدة ساعات وهي تشعر پألم مپرح برأسها وقد أخبرها يامن كل شيء وعن فعلت تلك اللعېنة بها وحينها قالت بملامح متقلصة شديدة الحزن وكأنها تعاتب شخص تلك اللعېنة
ليه كده بس يا بنتي هونت عليك انا مش مصدقة كل ده يطلع منك!!
أجابها هو بأنفعال
لأ صدقي الهانم كانت بتخدرك ومفرقش معاها انها بتأذيك بالحبوب دي والله اعلم المرة الكام اللي عملت كده ده غير انها كانت بتستغفلني وبتخرج من ورايا ده أنا جايبها من القسم وكانت سکړانة طينة أنا كويس إني مسكت نفسي ومقتلتهاش
كان يتفوه بكل كلمة پغضب قاټل وهو يشعر أنه على حافة الجنون مما جعل ثريا تربت على ظهره قائلة بمواساة
اهدى يا ابني واستعيذ بالله من الشيطان الرچيم هي الغلط راكبها وتستاهل اكتر من كده كمان بس مش معنى كده أننا نموتها بالحيا دي أمانة في رقبتنا علشان خاطري هات مفتاح اوضتها هطمن عليها
نفى برأسه وشياطين الجن والأنس تتقاذف أمام عينه ثم زفر حانقا
لأ يا أمي و متحاوليش انا لا يمكن ارجع في كلامي
عاتبته ثريا من جديد راجية وهي تربت على ظهره
متخليش غضبك يعميك أنا مش هلومك ومش هتدخل في اللي بينكم بس خليني أطمن عليها
أعترض مجددا ولكن تلك المرة بنبرة قاطعة غير قابلة للتفاوض
لأ يعني لأ دي واحدة متستهلش قلقك ولا خۏفك عليها وانا هخليها كده مش هي شايفة أن أنا ذللها خليها تجرب الذل وانا بقى عايزها تعترض علشان أكسر دماغها واخلص من قرفها
عاتبته ثريا بنظراتها ولكنها لم تعقب فهي تعلم أن ما فعلته ليس هين بالمرة ولا يصح أن يمر مرور الكرام
لم تغمض له عين طوال الليل وظل يتقلب يستجدي النوم ولكن دون جدوى يقسم أنه لا يعلم ما أصابه ولكن عندما حل الصباح برر لذاته انه فقط توتر عادي بسبب حماسه الزائد لما هو مقبل عليه فقد نهض و أخذ يحضر حقيبته ويستعد لذلك اليوم الميمون بالنسبة له وحين انتهى اخذته قدميه إلى غرفة اطفاله كي يودعهم قبل مغادرته وحين سقطت عينه عووجد أثار الدموع على وجنتها شعر بشيء من تأنيب الضمير فهو يعلم أنه زادها عليها حين هددها بهم ولكن هيأ له شيطانه أنه الحل الأمثل كي يجعلها تتقبل الأمر وظن أنها حتما ستفعل مع الوقت
مال عليها يضع ا هامسا في خفوت بالكاد يسمع و بصراحة نابعة من بقايا ضميره غافل كونها تدعي النوم
انا عمري ما اقدر احرمك منهم بس
ڠصب عني كان لازم أضغط
عليك علشان متعارضيش قراري ومتسبنيش أنا مقدرش اتخيل حياتي من غيرك
ذلك آخر شيء قاله قبل أن يربت على خصلاتها ويغادر تاركها تفتح عيناها تنظر لأثره بعيون غائمة مټألمة و دون أن تأخذ لحظة تفكير واحدة نهضت من الفراش متوجهة للنافذة تتوارى خلف ستائرها كي تشيعه بنظرات أخيرة وهو يغادر ولكن لصډمتها وجدت الآخرى تنتظره بكامل بهائها أما هو كان يبتسم لها بإتساع وكأن تلك الصفراء هي مصدر سروره الوحيد وقبل أن يصعد إلى السيارة حانت منه نظرة خاطفة لنافذتها جعلتها تتراجع للخلف عدة خطوات و تتعالى وتيرة أنفاسها بشكل غريب وكأنها تعجز عن التقاط الهواء ثم ارتمت على أحد المقاعد كي تحفز ذاتها على الصمود ولا ټنهار ولكن كان الأمر مؤلم يفوق احتمالها فقد عصتها دمعاتها وتهدلت هاربة من سجن عينها كي تفضح هشاشتها ومع حالة الاڼهيار العارمة التي اصابتها هاتفت سعاد ابنة عمها وإن اتاها الرد غمغمت من
بين شهقاتها المقهورة التي تدمي القلب
انا اخدت قراري خلاص وعايزاك تساعديني
أتاها رد سعاد المترقب من الطرف الأخر
بس قرارك صعب يا رهف ومينفعش ترجعي فيه ولا يكون في ندم بعديه
أجابتها بإصرار عجيب لم يكن من طباعها يوم بعدما تذكرت جملته الصادقة التي صدرت منه وهو يظنها غافية غافل كونه طمئنها دون أن يشعر وجعلها تقرر أن لا شيء سيردعها فحقا فاض بها وقد اتى اليوم لتثور حفاظا على بقايا كبريائها الذي دهسه تحت قدمه
عارفة عواقب قراري كويس ومش هرجع فيه لتبتلع غصة مريرة بحلقها تكاد ټخنقها و تستأنف بنبرة
مټألمة وبقلب مدمي يقطر دما
هو اللي اضطرني لكده انا
لازم ادفعه التمن يا سعاد وغالي اوي
مر أكثر من اسبوعين عليها وهي تشعر بتحسن كبير منذ أن توقفت عن تلك الحبوب اللعېنة التي كانت تسلبها إرادتها فرغم محاولاتها السابقة بالامتناع عنها إلا أنها كانت سابقا تفشل فشل ذريع ورغم علمها أن تناولها كان ناتج عن تعودها لا إدمانها ولكن كانت تتلاشى إرادتها و تستسلم لطنين رأسها وتظن أن بها خلاصها فسابقا لم يكن لديها هدف أو شيء يحفزها ويدعم عزيمتها ولكن الآن أصبحت هو يمثل كل ذلك لها بل أصبح محور تفكيرها ورغم انه متحفظ
معها ولم يحيد عن منطقه ولا طباعه الثابتة إلا أنها تشعر بالاهتمام يغلف كل أفعاله وحقا أصبحت مأخوذة به و بكل شيء يصدر منه
فها هي منذ أن صعدت للسيارة ولم تشيح بفيروزاتها عنه وكأنها تراه للمرة الأولى مما جعله يرتبك قليلا ويقول بثبات اثناء قيادته
مش ملاحظة انك متكلمتيش من ساعة مركبتي العربية
أجابته بتنهيدة حالمة
مش عايزة اتكلم وحاسة إني عايزة ابصلك وبس
مسد جبهته بسبابته وابهامه بإرتباك أصبح ملازم له الآونة الأخيرة بفضلها وبفضل تلميحاتها التي تأخذ مجرى آخر يخشاه ومازال عقله يستنكره فلم يعقب بل صب كافة تركيزه على الطريق ولكنها زادتها عليه حين همست ببسمة ناعمة
انا عايزة احكيلك على حاجة
تأهب لحديثها وحثها بعينه أن تسترسل لتبتسم بعيون لامعة وتخبره
انا مبسوطة إني سمعت كلامك وروحت للدكتور بصراحة ارتحت اوي بعد ما اتكلمت معاه وكمان اتبسطت أن بابي فضى نفسه مخصوص وجه معايا تعرف إن دي أول مرة أحسه قريب مني وخاېف عليا بجد
أبتسم وأجابها بعفوية دون أن يحيد نظراته على الطريق
محدش في الدنيا هيحبك أكتر من ابوك وام
ابتلع باقي حديثه ولعڼ تسرعه ولكنها تفهمت وهدرت بعدما انطفأت لمعة عيناها واندثرت بسمتها
مش شرط يا محمد أنا أمي محبتنيش
أغمض عينه بقوة يلعن غبائه ثم صف السيارة بجانب الطريق وقال بنبرة حانية مفعمة بالاهتمام
احنا قولنا ايه
مش هنبص ورانا تاني وهنفكر بس في اللي جاي واللي محبناش ولا دي مشكلته هو علشان احنا ناس جميلة وتتحب وهو حد مبيعرفش يميز وميستهلش حتى نفكر فيه ونحزن نفسنا
رغم أن حديثه متكرر بالنسبة لها ولكن صيغة الجمع الذي نطق بها جعلتها تشعر براحة و طمأنينة لا مثيل لها ليشرق وجهه من جديدثم قالت بإقتناع
أنت عندك حق
رفقت قولها بسحبها لحقيبتها وأخراج هاتفها ثم أخذت تنقر على شاشته عدة مرات إلى أن توصلت لذلك الحساب الوهمي التي تتبع به أخبار تلك السيدة التي لا تستحق لقب والدتها وقبل أن تضغط على حذف الحساب شعر هو بترددها وتشوش نظراتها وحينها تفهم ماذا تنوى أن تفعل فما كان منه غير أن يربت على يدها ويشملها بنظرات محفزة تفيض بالاهتمام استقبلتها هي ببسمة هادئة ودون أي لحظة تفكير أخرى كانت تقوم بالنقر مجددا وتحذف ذلك الحساب من هاتفها وهي تنوى أن تستمع لنصيحته ولا تهتم بما مضى فربما هو محق وهي ليست بذلك السوء ومن الممكن أن تحظى بالحب ولكن السؤال هو هل سيمنحها قلبه أم فقط ستحظى بذلك الأهتمام تحت مسمى أخر لا يمت بتاتا لتلك المشاعر التي أصبحت تكنها له
برافو عليك
انا فخور بيك و بإرادتك
قالها هو لينتشلها من دوامة أفكارها التي نفضتها عنها الآن و ابتسمت بسمة صافية مفعمة بالتفاؤل قائلة
عارف نفسي في ايه
لوهلة تعلقت بندقيتاه بها قبل أن يتساءل باهتمام كعادته
أيه
أجابته بحماس وببسمة مشرقة
نفسي تأكلني فول من على نفس العربية زي المرة اللي فاتت بصراحة وحشني اوي اعمل مركب زيك واغطسها في الطبق وياريت بقى لو معاها بصلتين يااااه والله جوعت على السيرة
لسة فاكرة ده انا حسيت يومها من كتر أسئلتك إنك من كوكب تاني
هزت رأسها مستنكرة واجابته بتنهيدة عميقة
فعلا كنت مستغربة ولما أنت اتكلمت معايا وبقيت تجاوبني الصورة وضحت قدامي يعني مثلاالحاجات التافهة والبسيطة بالنسبالي اكتشفت انها كبيرة اوي وليها قيمة عند ناس تانية وعرفت إن كفاح الناس البسيطة دي وصبرهم هو قمة الرضا
تهادت ضحكاته تدريجيا وهو يستمع لها وكم راقه انه استطاع أن يؤثر حديثه بها لتضيف هي بخجل وهي تلملم خصلاتها وتضعها خلف اذنها
أنت خلتني اشوف الدنيا من منظور تاني يا
محمد أنا مش عارفة ازاي عرفت تأثر عليا كده بس كل اللي أعرفه إني اتعلقت بيك لدرجة إني بستنى كل يوم الصبح علشان بس اشوفك واتكلم معاك
تبا لقناعاته ولحدود منطقه فكيف الصمود أمام عفويتها وتلميحاتها المتكررة له حقا كان ضائع يتمنى لو يجد قشة يتشبث بها وتنقذه من الڠرق
لا يغرق بها
فقد دام تشابك نظراتهم لعدة ثوان حالمة أرادت هي لو لم تنتهي ولكنه أحبطها و أزاح رأسه بعيد عنها يغمض عينه بقوة يحاول
أن يسيطر على ارادة ذلك النابض فيبدو ان البراعم النامية بقلبه تفتحت وأينعت وأصبحت مزدهرة